عندما انفجر زلزال كبير عند بحيرة فيكتوريا بالضحك ، انشقّت الهضاب و أخذت المياه تنساب شمالاً متحدرة . وانفتح الطريق أمام النيل العظيم .منذ اثني عشر ألف عام .وبسط سلطته على الضفاف وأصاخت الطبيعة سمعها باحثة كل مولد فيضان جديد ،عن صوت طفل وليد منبعث من داخل جزيرة توتي، فنهض الفنان "العاقب محمد حسن" مبعثراً خطوات الدهشة الأولى في العام (1935م)، لينفي بصراخه العذب ما قاله الشاعر "ابن الرومي" عند مجيء وحي الوجود " لما تؤذن الدنيا من صروفها يكون الطفل ساعة يولد" ، ليوقع بذاك الصوت الرخيم على أنامل الصباح ذي الطقس الغنائي الوليد، فالطير أعذب ما يغني ، عندما يتقطر الندى، ليحبو بين أنامل الطبيعة الغضة. ويترعرع صاحبنا في اعتدال مقامه ،على كفة الحنو القويم بين إيقاعات النوبة وأدب الصوفية، ويعرج ليستمع إلى أساطين الغناء في أواسط السودان ، في ذاك الوقت "سرور" و"كرومة".. وتتعلق ذائقته حينها بعميد الفن الراحل "أحمد المصطفى"، لا سيما وأن طابع الهدوء خالط كليهما.. كل هذا جعل الفنان الراحل "العاقب محمد حسن" يملك زمام الموهبة والتواضع والأدب، ويغلفهما بالدفء والشجن الحالم ورقّة كلمات بأحرفٍ نضيدة بألحان تضوع سحراً.

(1)

لمناجاة طيف روحه طقوس وتراتيل وأبخرة تتصاعد . مقدمات من ورق الصفاء يتعين أن يستدرج تلك الموسيقى التي خالفت نهج القطيع ، وانزوت تصنع نولها ، وتنسج غزلها. صبر لا يناله إلا صاحب الرضى والقَبول .فمحادثة طيف هذا الفنان الملائكي " العاقب محمد حسن " ، يستدعي أن تكون لابساً كامل هندامك . تضع عِطرك من النفائس التي كُنت تكتنز لليلة الحظوة الكُبرى :
يا ليلة ليلِك جنَّ ..معشُوقِكْ أوّه وأنَّ.

(2)

صاحب النغم السُلطاني ، الموسيقار " العاقب محمد حسن "، أكبر سعة مما كُنا نَحتمِل ، ففي هويتنا الموسيقية محبة للإيقاع الراقص الذي يهز الجسد ، يختلف عن الموسيقى الهادئة التي تُحب الاستماع والتي كان هو من روادها الأوائل . ملأ الموسيقار الدُنيا عندنا موسيقى كلاسيكية ، "عربية الهوى ولكنها سودانية الهوية ".
غير الذي اعتدنا سماع أغنياتنا الصاخبة . غير التي تسمعها عنده . كأنك تجلس في حضرة بهاء المتصوفة حين يُنشدون ،فهم لا يطلبون عرض الدنيا ، بل يهجرون بهرج الحياة إلى حياة أخرى غير التي ألفنا .

(3)

كان الموسيقار " العاقب محمد حسن " وصديقه المُطرب " التاج مصطفى " ، يمثلون رواد مدرسة اصطُلح على تسميتها "الموسيقى السودانية العربية " . موسيقى غير التي فُطرنا عليها ونشأنا . لا يسعها إيقاعات الطبول وأزيزها الراقص الخُماسي في مناطق وسط السودان ، ولا خطرات السلالم السداسية النغمات أو السباعية الراقصة ،التي عرفتها الشعوب السودانية التي تسكن " كردفان " و " دارفور " ، رغم أنها تستخدم "نصف التون"، ولا موسيقى الشعوب السودانية المتنوعة.
موسيقى " العاقب " تعالج نصف التون بمزاج سوداني مُتفرد ، كأنه يصنع نهجاً جديداً للموسيقى السودانية . موسيقى الاستماع التي تختلف عن صخب الإيقاع أو ضجيج الحفلات العامة .

مذاق تلك اللحون إن أنت قمت بتفكيك عناصرها الأولية ، ستجد أنها موسيقى سودانية الهوى ، ليست كموسيقى أهل مصر أو الشرق العربي الهجين أو المغرب العربي. تسمع موسيقى صقلتها اليد والأذن الموسيقية التي تتآلف لحونها ، تمازج بين النغم العربي الوافد ، وتركيبة التنوّع الموسيقي للشعوب السودانية . خيط رفيع يُميِّزها عن الموسيقى الأخرى ، ولكنها تظل سودانية الهوى والهوية ، أنموذج من نمازج الهويات المتعددة . تماماً كما صرّح الموسيقار العربي الكبير " محمد عبد الوهاب " ، بعد استماعه لأغنية العاقب محمد حسن " حبيب العُمر " ،إذ ذكر أنها موسيقى سودانية عربية الهوى ، ولكن بينها وبين الموسيقى العربية اختلاف يُميِّز هويتها ، فصارت سودانية خالصة الهوى والهوية.

كان الموسيقار " العاقب محمد حسن " هو المؤسس لذلك النهج الموسيقى في التلحين وفي الغناء ، كما ذكر الأستاذ " عوض أحمدان " أنه صاحب مشروع فني واضح المعالم ، يتميز عن المبدعين الآخرين .

(4)

ذكر الأستاذ والباحث " عوض أحمدان " أن مولد الموسيقار " العاقب محمد حسن الفكي علي" كان في جزيرة توتي عام 1931 ، في حين ذكر الأستاذ " معاوية حسن ياسين" في سِفره الثالث " من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان "أن مولده كان عام 1935 .
تنقل الموسيقار بين " توتي" و "أم درمان" و " أم بدة" . التحق بالغناء كهاوٍ عام 1954 و 1955 ، كان مُحباً لغناء وموسيقى الموسيقار " محمد عبد الوهاب " وتأثر بغناء المطرب " أحمد المصطفى ". وكلاهما كان يرى في " محمد عبد الوهاب " قدوة في الموسيقى والغناء ، ونهجه سوف ينقل فن الغناء والموسيقى من واقع " الصُيَّع " إلى عالم جديد يلقى جانباً من الاحترام والتقدير . والذي بدوره قد أخرج الموسيقى والغناء من غناء الشرائح المنفلتة من قيود المجتمع إلى موسيقى وغناء صفوة المجتمع .

(5)

قدم " العاقب محمد حسن "أغنية" صدود " للشاعر "تاج السر عباس " والتي غناها .وبها تمت أجازت صوته في الإذاعة السودانية . درس قواعد الموسيقى علي يد الموسيقار "مصطفى كامل" هو والتاج مصطفى وبروفيسور الفاتح . كان " مصطفى كامل " قد جاء مدرساً ضمن البعثة المصرية . وعمل " العاقب موظفاً في الإذاعة السودانية في أواخر الخمسينات من القرن الماضي . ابتعثته الإذاعة السودانية في سبعينات القرن الماضي ,فكان أول دفعته في الدراسة الموسيقية . وأبرق له وزير الإعلام حينها "عمر الحاج موسى"، ومع البرقية حافز 100 جنيه سوداني في السبعينات ! .
قدم في السبعينات برنامج إذاعي عن الموسيقى العربية ، وكان يقدم تفاصيل عن الموشحات ومقابلة السلالم الموسيقية الغربية والعربية . قدم مقامات " الراست " و" نهاوند " و" نوا " وعلاقتهم على درجة " الراست ( دو) . وكذلك مقام " البياتي " و " الكرد " و " الحجاز " و" الصبا " وعلاقتهم بدرجة " الدوكاه " (رى ) . وكذلك مقام " السيكا " على درجة ( مي ) . ومقام " عجم " على درجة العجم " عشيران " ( سي بيمول ) . كذلك قدم نماذج من الموشحات العربية .

(6)

قدم " العاقب محمد حسن " فن الموشحات كغناء جماعي . من قوالب الغناء العربي في العصر القديم غير التواشيح الدينية ، بينما ظهرت في العصر الحديث أنواع جديدة من الغناء الجماعي أهمها النشيد والأغاني المسرحية . انتقلت كثير من علوم الموسيقى التي ازدهرت في بغداد عاصمة الدولة العباسية إلى بلاد الأندلس بمقدم العالم الموسيقى" زرياب" من بغداد في القرن الثالث الهجري ، التاسع الميلادي، حيث كان تلميذا" لإسحق الموصلي" موسيقار الخليفة العباسي "هارون الرشيد "، واستقراره في بلاط الخليفة الأندلسي "عبد الرحمن الثاني "، الذى أعجب بفنه وقربه إليه .وقد أحدث "زرياب" تطورا كبيرا في فن الغناء والموسيقى ، وأنشأ أول مدرسة لتعليم علوم الموسيقى والغناء على أصول منهجية اتبعتها مدارس أوربا فيما بعد ، وبفضل أساليبه الجديدة مهد لنشأة الموشح، لكن موسيقى الموشحات تأثرت أيضا بامتزاج الموسيقى الوافدة بالموسيقى المحلية التي تعايشت روافدها في بلاد الأندلس . وقد ظهرت في ذلك العصر قيمة جديدة هي اللحن كمادة سمعية عالية التذوق ، يمكن أن تتفوق على الكلمات . كل تلك المعلومات بتوضيحاتها مع نماذج غنائية تقرب فن الموشحات للأذن السودانية ، ذلك نهج الأستاذ " العاقب محمد حسن .

(7)

نحن اليوم في حضرة ملك الموسيقي العربية عندنا ، واستاذ الاجيال" العاقب "درس أصولها في مصر وعاد معطرا بطعمها ،فاثري الساحة السودانية بلون موسيقى جديد. تغني للأمير "عبد الله الفيصل" وقدم أحان مميزة . إن رائعته " هذه الصخرة " تكفيه منهاجاً جديداً . وقد أضاف بمقدرته اللحنية على النهج السوداني في تأليف الألحان ، فلحن للأستاذ " محمد ميرغني " أغنية "حنيني اليك " و "غني للشاعر المسرحي " السر قدور " أغنية " حبيبي نحن اتلاقينا مرة". له أغنية " غني يا قمري " و"الحلو الاسمر ".

في عام 1975 رشحت وزارة الإعلام والثقافة السودانية الموسيقار " برعي محمد دفع الله" لدورة دراسية لمدة عام في المعهد العالي للموسيقى العربية في القاهرة ، ورافقه "عبد اللطيف خضر" والموسيقار "محمد عبد الله محمدية "، ورافقهم ضمن البعثة والمطرب والملحن "العاقب محمد حسن" .

(8)

رفض المطربان" العاقب محمد حسن" و"التاج مصطفى " دعوات وجهت لهما لتسجيل أسطوانات في القاهرة، وتمسكا بأنهما لا ينتجان عملاً بعيداً عن بيئته .
وكان عازف القانون المشهور " مصطفى كامل "، قد ضبط آلته وفقاً لدوزنة الآلات الموسيقية السودانية التي تتناغم مع السلم الخماسي ، والتي تختلف عن المقامات الموسيقية المعروفة في الشرق . ودرس" العاقب " أيضاً في فصول الموسيقار الإيطالي " ماستريلي" في الإذاعة السودانية .

(9)

قدمت علينا صبابات لن يأكلها الدهر بالنسيان، ولن يمحوها الضباب الكالح الذي ألمّ بموطننا ، وشغلنا عن اجلاس مُبدعينا نجوم السماء المتلألئة بما قدموا لوجدان شعبهم ، فقد قدموا عصارة فنهم في قالب فكري نضيد . كان "العاقب "هو من المدرسة التي أجلست فن الموسيقى والغناء ،مجلس العمل الرصين ، والأكاديمية الفنية والمهنية الراقية ،في وقت كان الجميع في غفوة عن الفكر والفن والثقافة . يبقى الرجل وتبقى ذكراه في بؤبؤ عين الذاكرة ، رغم أنه لم يجد التكريم الذي يناسب قامته في حياته الحافلة ، فسيسطر قلمنا جزء من هذا التكريم .

لحن للشاعر " مصطفى عبد الرحمن" وغنى للأمير الشاعر " عبدالله الفيصل " نجوى" و"حبيب العمر" . تعاون مع الشاعر " السر قدور" و " أبو المعالي عبد الرحمن " و" مسعد حنفي " و"عبد الله النجيب "و"بكري النعيم " و"سهام المغربي" .
لحن أغنيات للمطربين " نجم الدين الفاضل " و" حمد الريّح " و" محمد ميرغني "
كان "العاقب " مقرراً للجنة النصوصً بإذاعة " أم درمان ". كان يهتم بورش الغناء ، بل يهتم أيضاً بإمكانات مقدمي ومُعدي البرامج .توقف" العاقب" عن الغناء في آخر أيامه ، فلم يكن يغني في حفلات الأعراس ، ذات نهج الفنان "خليل فرح ".اكتفى بالتلحين والإشراف على الأصوات الجديدة .

(10)

تغنى " العاقب على إيقاع المارش " أرض أجدادي الكرام" و"الفالس"، ثم (التم تم)، وأجاد العزف على آلة العود وحتى الـ(عشرة بلدي). وبدأ بأغنية (شكوى) للشاعر "مهدي محمد سعيد"، ثم (حبيب العمر) و(هذه الصخرة)، إضافة إلى (ظلموني الحبايب)، (اتدللي ادللي وادللي.. وأنسيني يوم ما تسألي.. أنا قلبي بالريد مبتلي)، (حبيبي ظمأت روحي وحنت للتلاقي)، (غن يا قمري)، (يا حبيبي نحنا اتلاقينا مرة)، (عايز أشوفك)، (نجوى) و(نورت الكون).. ومن الأغنيات الوطنية (أرض أجدادي الكرام) والكثير. لديه ما يقارب الـ(90) أغنية. ورغم هدوئه الظاهر للعيان لكن دواخله كانت تضج عنفواناً وصخباً. ولم يقف دأبه عند هذا الحد بل طفق باحثاً عن موسيقى أفضل تروي ظمأ روحه المتعطشة للغناء.

(11)

} "العاقب" و"محمد عبد الوهاب"
إضافة لكل ذلك، تأثر الفنان "العاقب" بالفنان المصري "محمد عبد الوهاب"، لا سيما وأنه يغني على السلم السباعي فأتت (ساعة ما بشوفك جنبي) تحكي بصدق عن مدى تأثر الفنان "العاقب" بالموسيقار "محمد عبد الوهاب"، إضافة إلى أنه سجل أغنية (الحلو الأسمراني) بالإذاعة المصرية، قبل وفاته، لكن المرض لم يسعفه ليسجلها للإذاعة السودانية، إضافة إلى أنه في أوائل التسعينيات شهدت الإذاعة فترة إيقاف تسجيل الأغاني ، وشهدنا هيمنة الإيديولوجية التي تكره الفن والموسيقى . أتى النظام الإخواني بالمدائح والجلالات بديلاً فن الغناء والموسيقى ، فتراجعت الثقافة الموسيقية والفنية ، وكادت العواطف النبيلة أن تتراجع ، ليأخذ الموت فناننا العملاق " العاقب محمد حسن "عنوة من بين أيدي محبيه، فرحل عن دنيانا في 13 يوليو 1998م.

(12)

يمضي الفنان "العاقب محمد حسن" ويصبح رمزاً لسمو رسالة الفن. كيف لا، وقد أصبح الفنان المفضل لجميع الفنانين والموسيقيين، وهو الأنموذج المثالي للفنان المهذب الخلوق، تاركاً خلفه قلوب العاشقين صرعى بغيابه الأليم بعد أن هدهد أمسياتهم وأمنياتهم بحلو الشدو الجميل.
*
لربما لم تجد" الموسيقى العربية السودانية" جمهرة عاشقة ، لتأخذ مكانتها كهوية غنائية موسيقية ، رغم تراثنا في بربر ، أيام التركية السابقة ، كانت هناك " الحانات " والراقصات الشرقيات الآتي قدمنّ من مصر .
إنها ذائقة تحتاج كثيراً من الصبر ، ومزيداً من التمارين وقدر كبير من التذوق . لم يكن ذلك المنال سهلاً ورود ينابيعه ، إذ تجتذب العامة الايقاعات الصاخبة ، ولا تستهويهم موسيقى الاستماع . وتلك عقبة كأداء ، ولم تعتاد الجماهير سماع الموسيقى بدون مصاحبة الغناء ، ولم يعتاد العامة على المسرحيات الغنائية ، فاحتجب فن " الباليه " قبل أن يصلنا ونأى بعيداً إلى يومنا هذا ، في حين اعتدنا سماع إيقاعات " الروك " و "السامبا" ، في ستينات القرن الماضي ، بل وهنالك تأثر واضح في أغاني وسط السودان بتلك الايقاعات. ولم يجد المطرب " سيد خليفة " وهو من خريجي " معهد فؤاد للموسيقى " وكان زميلاً أيام الدراسة للفنان المصري الكبير " عبد الحليم حافظ "، إلا أنه طأطأ قامته أمام الغناء السائد ،و اعتادت عليه جماهير العامة ، فيهرب بعيداً عن " الموسيقى السودانية العربية ". لم يلق الموسيقار الكبير " العاقب محمد حسن " التقدير ولا التكريم الذي يستحق ، مثل كثير من مبدعينا في كافة المجالات الإبداعية . بلادنا زاخرة بعدم الوفاء ، يسعى العامة السعي كله لطقوس الرحيل ، يولولون ويقيمون المآتم بطقوسها ولا شيء آخر ، ثم يطبق النسيان!!.

عبد الله الشقليني
25 نوفمبر 2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.