بين طول القامة وقصرها ، يمكنك أن تصف طوله . متوسط الحجم ، معروق اليدين ، يقولون : ضربة من يده تصرعك أرضاً مغمى عليك . لطيف في المعاملة حَذر ، عيناه كالصقر . هادئ الطباع ، يأتي المناسبات العامة بخفوت . يتحرك كالظل ، بين الخفاء والحضور . لا يشارك الحديث العام ، بل يستمع بصمت . لا يوحي مظهره بشيء ، طيف هلامي. لا ملامح تستحق الوصف . يمسك بأحد أطفاله بلطف ، يحييك باختصار . " الوقيع " منذ عرفناه مغموس في الخفاء . يقولون خُلق الناس من الطين ، والجن من نار ، أما " الوقيع " فلا نعلم مم خُلق !. 

الريح نعرفها قبل وصولها ، تلتف لولبياً من أثر الشمس والظهيرة والحرّ . نرقبها وهي تتجول في الطرقات ، تحمل الأوراق و لفائف البلاستيك إلى الأعلى . في ذلك الوقت الغريب تراه واقفاً ، تهدأ الريح ولا تجد له أثر .
سمعت مرة منْ يحكي عنه :
- " الوقيع " دة رهيب !
- كيف ؟
- يسرق الكُحُل من العين
- معقول ؟
هذا بعيد عن التصديق ! . " النشالين " عالم غريب ، أفراده مجهولي الهوية . لا ينتمون لبيئة مثلنا ، و كنت أعتقد منذ طفولتي أنهم من قبيلة أخرى . تشبه قبائل الغجر ، يلفون الدنيا حول أصابعهم ، والبنان سيد الإبداع في الفعل المحرم .
النشال ، صاحب اليد الناعمة ، مخيطة في الحرير . غاية إبداعها ، إلا تحس الضحية بأن المال قد تحول في لمح البصر من مالك ، إلى مالك منْ لا يستحق . شيء أقرب إلى السِحر ، لكنها الدروب الوعرة التي تفرزها المجتمعات . العالم الباطن الذي يعيش بيننا ، لن تعرفه إلا عند التقاطع الحرج . الحاجة أم الاختراع ، وقد تشكلت العوالم الخفية ،و أتقنت أدواتها . كيف تنمو الأوكار الباطنة عندنا ؟ لست أدري. وكيف تصطرع الذئاب على الفرائس الاجتماعية ؟. القتال هو بين عوالم الغنى الفاحش ، والفقر المدقع وعوالمه التي تنهش من أجل لقمة العيش . تحولت أشباه المدن و نهضت وتشكلت تحت سراديبها دروباً جديدة للعيش ، إذ غزتها العوالم السفلية . نمت وترعرعت و ازدهرت صناعتها ، وغطست في بِرك الباطن .

كيف يحيا أبطال تلك الغرائب ؟ . قرأنا عن مهنة النشل كخبرة تستوجب التعليم والتدريب . للسرقة الخاطفة أو ما يسمى بالنشل ، خفة ظل و أدب ومنهاج ودراية وأفق بعيد، ومناطق نفوذ . ولها مبدعون يعرفون نقاط الضعف البشري و كيف تستنفر الغفلة ، بل أين يمكننا صناعة الغفلة ، وإغراء الآخرين ببلع الطعم . إنها في موطننا صناعة الذكور ، ولا ندري ماذا يخبئ المستقبل .

(2)

الآن تكشفت لي عوالم الرجل الغامض ، فمن الحكايات بدأ يساورني الشك من أن " الوقيع " رجل من تلك العوالم . بطل من أبطال تلك الحياة الغريبة التي تحفها المخاطر . وتترقبها الفضائح حين يعبر الممتهن الحاذق السراط الرقيق ، ثم تنزلق قدمه ويسقط . عندها لن يجد الرحمة ، الأيدي الغليظة تهب للضرب ، وتحيط به الجماهير من عابري السبيل والمارة ، يأخذهم حب الاستطلاع ، وربما ينفذون الأحكام بأيديهم .
تقول حكاية " الوقيع "إن ليالي المولد النبوي ، وأيام شهر الصوم ، عندما تتسوق الأسر ، وهي تترقب الأعياد هي من أفضل المواسم لرزقه . فلديه الأسرة والأطفال و لقمة العيش جبارة . يحتاج الجميع الكسوة الجديدة ، وأفراح الأعياد تستقطعها الأسر من لحمها اليومي ، في سعيها لتعيش كبقية البشر . يقولون زوجه واخوته لا يعلمون شيئاً عن عمله ، غير أنهم يعلمون أنه رجل سوق ، يبيع ويشتري ويسمسر ! . أين وكيف ؟ ، لا أحد يعلم! .
الخطر كل الخطر إن شهدت اللحظة الهاربة ، التي يتم فيها عُرس الثواني . "لحظة النشل " الكهربائية ، لا حيلة لك الاّ الصمت . إن صرخت أو نبهت الضحيّة ، أصابك ما يصيبك ، مُدية تدخل الجسد أينما اتفق ، يهرع الجميع إليك ويختفي فريق النشل من الساحة . يتفرق دمك بين القبائل ، وتصبح أنت الخاسر .

قطعة من شفرة الحِلاقة ، وعليها شريط لاصق يلتف على قمة إصبع السبابة هو سلاح التمزيق الفعّال . ملمس المتمرس على جانب الجيب المنتفخ ، ثم يسقط الثِقَل في اليد الأخرى ، ثم القفز السريع بعيداً . الفخاخ كلها تتجمع في الزحام . يقول المثل المفضل لدى الجميع : " الزّحمة فيها الرّحمة " !.

(3)

الآن الزحام عند المحطة الوسطى بأمدرمان ، قرب موقف البصات . الزمان أوائل الثمانينات من القرن الذي مضى . أسمع صراخ بعض المارة :
" النشال ، أقبض النشال" .

اجتمعت الجمهرة من كل حدب وصوب وسقط " النشال " ممسوكاً بالجرم المشهود . سقط المحترف من السراط الدقيق و كادت الدنيا أن تظلم في وجه . لكن غريزة حب البقاء تدفع الذهن أن يعمل . ويتفتق عن بصيرة تدربت على استنهاض غرائز الجمهرة ساعة الرعب . المباغتة والضرب على الأوتار الضعيفة . لمحت جزء من ملامح وجه يشبه " الوقيع " وأنا بين الشك واليقين ، لست متيقناً أهو أم غيره .
فجأة أمسك " النشال " ببطنه ، وهو يصرخ :
- يا ناس أنا مَطعُون .. يا ناس أنا مَطعُون .

صُعق الجميع ، وتراخت الأيدي . عند اللحظة القاتلة يرتبك ذهنك ، وأنت بين تلك الجمهرة ، تهم بالهرب من شبهة القتل أو محاولة القتل . الكل بدأ مسلسل الهروب من الجريمة الدموية التي تلوح في الأفق . هكذا أفلت " الوقيع " ، وفي لمح البصر عبر السراط عبور المتمرس و اختفى بالمحفظة .

عبد الله الشقليني
28 أغسطس 2004


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.