عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
 لابد أن يكون لإستقلال الفرد السياسي والفكري قيمة وسط غموض الحياة وإختلاف عقول وطبائع البشر. وما دام أن الناس جبلوا على تغيير تنظيماتهم السياسية وأفكارهم الآيدلوجية بين الفينة والأخرى ليستجيبوا لأسئلة الحياة المتواصلة والملحاحة فإن الإستقلال عن قناعات ماضيهم وحاضرهم سيظل المرفأ الذي يؤوبون إليه ثم يفكرون من جديد. على أنه ينبغي ألا تظنن أن تبدل إنتماءات الناس وأزمانهم هو السبب الكافي لضرورة أن يكون المرء مستقلا، فالأمر أكبر وأعمق. وإذا كانت الإستقلالية التي نعنيها في النشاط السياسي هي عدم الإلتزام أو اللا إنتماء لأية منظومة فكرية/سياسية، فإن إستقلال الفرد نفسه هو الذي ينتج الايدلوجية والأفكار التي يتعلق بها الناس ردحا من الزمان ثم يبحثون عن أخرى من بين ركام الموجود، وذلك عسى ولعل يفتح الله عليهم ببسطام جديدة.
فمن موقع إستقلالية العصر الحديث لسيد قطب أو حسن البنا أو كارل ماركس أو ميشيل عفلق أو جون قرنق أو الإمام المهدي أو محمد بن عبد الوهاب ومحمود محمد طه جاءت الأيدلوجيات والأفكار التي وجدت نفرا من الناس الذي يقتنع بها ثم يسعى لتكوين التيار السياسي الذي يترجم أفكار هؤلاء القادة المفكرين إلى حراك سياسي. وهذا يعني أنه لولا إستقلالية هؤلاء الأماجد ــ  آن تفكيرهم لصنع الجديد المختلفة من الفكر ــ لما وجدنا رموزا لنا من السياسيين والمثقفين الذين يسيرون بواسطة هذه الأفكار إلى حيث نعرف وما لا نعرف. وإذا كانت غالبية الآيدلوجيين أوالمقتنعين بالأفكار السياسية السائدة لا تأخذ بعضها البعض برأفة في أزمان الأختلاف والإحتراب فتكثر من قتل الآخر، فهل من واجب المستقلين عن الغلبة الآيدلوجية جميعا أن يكونوا هم الأفضل حتى يأخذوا كل الآيدلوجيين بالرأفة والحنو..؟ أعتقد أن الإجابة تكون بنعم. فالرجل المؤدلج أمانة في عنق من يعي خطر فهم نواميس الكون بناء على تأملات فرد واحد.
ليس سهلا أن تختار الإستقلال السياسي والفكري في زمن كهذا إلتبست فيه المعايير والتعابير، فالإستقلالية نفسها درجة عالية من التفكير، ولا تظنن أن من السهولة بمكان القراءة أو الإستماع لكل طيوف الأفكار دون أن تتورط في محاباة واحدة منها او الإنتماء إليها. ولكن تيار المستقلين ليس مثل "حزب أعداء النجاح" الذي قال به الناقد المصري مفيد فوزي. إنه الحزب الذي لا تصل حجم عضويته إلى حجم "حزب الخضر" الأمريكي الذي أرساه أبن لمهاجر لبناني أسمه رالف نادر.
في السودان ظل تسامح المستقل السياسي يدفع ثمنا باهظا، ففرص التاجر من غير تنظيم سياسي أقل من الذي ينتمي للجبهة الإسلامية "الإثنية"، أو الإتحادي الديمقراطي إبان تسنم الأخوة الإتحاديين لوزارة التجارة في الفترة الديمقراطية. كما أن الأديب أو الشاعر أو الفنان الذي لا ينتمي للحزب يكون الإحتفاء به أقل من قبل عضوية حزب ما، وقس على ذلك على ناحية المستقلين من الأكاديميين والمزارعين والنجارين والإعلاميين والعسكريين. والحقيقة أن مدى إقترابك من حزبك السياسي الذي واتته الفرصة للوصول للحكومة يكون النجاح حليفك في تراكم عملك أو إبداعك، غثا أو وسطا أو ثمينا.
الملاحظ جيدا أنه كان لحكومة الإتحاد الإشتراكي السوداني السابقة مفكرييها وكتابها وشعرائها وأعلامييها الذين يجدون في زمنها فرصا للشهرة والترقي في مدارج العمل الحكومي والإجتماعي والظهور في أجهزة الإعلام وحتى كتابة المقررات الدراسية ووضع قصائدهم فيها. ولكل هذه "الإشتراكية الملهمة" تساءل زميلنا طلحة جبريل في مقالة سابقة عن دور جامعة الخرطوم ــ من خلال أكاديميين محددين ــ في بناء مداميك إستمرار لسلطة مايو.
وإذ "مر السلطان من هنا" كما قال الفيتوري في ندوة شعرية بقاعة الشارقة، في إشارة لزعيم الإتحاد الإشتراكي، فإن الذين تمثلوا تجربة السلطان بعده أنتجوا مفكريين أسموهم بالإستراتيجيين، وكتابا نعتوا بالخبراء، وصحافيين تعملقوا دون تلاميذ نجباء، وستتوفر على حقيقة أن هؤلاء "الأساتيذ" لا يشق لهم غبار في الإدعاء المعرفي.
وأمام هذا الوضع بقي قرناؤهم من المؤدلجين الحزبيين والمستقلين يكابدون ليجدوا بعض  إمتيازات نشر لا أكثر، فالامتيازات الأخرى والتي لا يعلم مداها إلا الله مستورة. أو أتركوها كذلك.
إن كثيرا من المثقفين والمبدعين والكتاب المستقلين لم "يمروا بعد من هنا السلطة" ولكنهم لم يخلدوا، بما فيه الكفاية، لكون أنهم غير منتميين لتيار سياسي بعينه. وربما كان تذكرهم في ذهن المؤدلجين يقوم بناء على قربهم منهم، فالمستقلون من هؤلاء كانوا يتراوحون في مواقفهم بين اليمين واليسار، ونادرا ما نجد مستقلا يلتزم بالوسط، وبالكثير فإنه إما مال إلى اليمين أو اليسار. فالإستقلالية التامة إذن نادرة في الزمان الماضي وهذا الحاضر وذلك المستقبل. ولك أن تتمعن في إستقلالية الدكتور إسماعيل الحاج موسى لترى أنها تميل أينما مال تروميتر التسلط، على كل حال تلك إستقلالية تحتاج إلى زاوية نظر جديدة، وليس من شرطها أن تضحكنا حتى الثمالة.
في حال تمعن ظروف ما بعد موت السياسي أو المبدع المستقل وتأبينه فإنك ستجد فرصة الفرد منهما ضئيلة بالنسبة لرفقاء الموت من المؤدلجين، حكوميين وغير حكوميين. فأجهزة الإعلام تفتح صدرها بكل رحابة لأية برامج توثيقية تعطي المؤدلج حيزا وتحجب ذلك عن رفيقه الذي هو أبدع منه أو أن شرفه السياسي أدل بما لا يجادل. الأمثلة كثيرة ولكن الحيلة ليست بنت لبون..
إن أعظم ما يقدمه المفكرون المؤدلجون للمستقلين هو أنهم يعطونهم جوانبا من تفسير الواقع على حسب رؤيتهم وبالتالي يتركونهم ليختاروا الصحيح منها أو يحاروا جوابا. ولا تحسبن أن كل الآيدلوجيات تافهة، فهناك التي تعطيك منهجا للفهم وهناك الأخرى التي تملأ الأرض بالدجل والكجور، وهناك أخريات لذيذات في توظيفها للغة أكثر من الإعتناء بمادة اللغة. والحال من بعضه فإنك سترى آيدلوجيات كثيرة تحولت من كونها أتت لتحل مشاكل الناس ولكن العاملون عليها ينتفعوا بها أشد النفع، و"يشربون بها العيش شرابا جما"، وإذا ترك هذا البعض العامل في الأيدلوجية المتسلطة فإنه سيبحث حالا عن مصادر أخرى للرزق داخل إطار اللعبة الآيدلوجية أو خارجها. ووجدتني مرة أفكر في الكيفية التي من خلالها قد يتواضع "الآدلوجيون" على صياغة ميثاق شرف ثمرته ألا يأخذوا (عائدا مجزيا/مشكوكا في كثير نعمائه) من العمل الحكومي مثلا إذا سيطرت أيدلوجيتهم  على السلطة وذلك درء للمفاسد وجلبا للمصالح وصدقا مع النفس، وفي هذه الحال يجب على القارئ أن يراجع خدمته للأدلوجة ليرى مستوى إلتزامه بهذا الشرط الأخلاقي أم لا.
قد يحاجج المحاججون الذين يلحقهم السوط بالكثير من النقاط الموضوعية وغير الموضوعية، ولكن كان نبينا الكريم لا يستطعم من موقعه النبوي داخل السلطة. طبعا قد يقول المحاجج إن الزمان قد  تغير وإن السلطة في العصر الحديث تحتاج لموظفين يتفرغون لها ويخرجونها. نعم هذا قول فيه جدل ويعني أنه يمكن لنا القول أننا أدرى بشؤون دنيانا كما دراية (سيد القمني،مثلا) بعلمية النظر إلى التاريخ الإسلامي وفق منهجية تتناسب مع عصرنا..أليس كذلك..!! إذا كان الأمر غير ذلك فعلينا أن "نصطك" لحقائق التأسي بسنة النبي الكريم ونخدم الإسلام من موقع لا يعطي مالا ولا بنون ولا ثلاث زيجات أو خمسة بعد تطليق الرابعة، وإذا كان الأمر كذلك فعلينا أن نقبل بقراءة مختلفة للتأريخ الإسلامي. الشئ الآخر هو أنه إذا صارت الآيدلوجية موئلا لرزق العامل فيها فإن وسائل الحصول على رزقه ستكون محل شبهة، كون أن خادم الآيدلوجية الجديدة جاء بعد إقصاء لمستقل مسكين ظن أن خادم المرافق العامة أبعد من أن يلحقه تصنيف سياسي يودي به إلى التهلكة. شئ غريب..شئ غريب..صعب في هذا الزمان أن تخدم الإسلام وأن تثري في الآن وقته!!
وإذا قلنا أن الصعوبة في الإستقلالية والسهولة في الإنتماء للأدلوجة صدقا أو لغرض"دنيوي" إلا أن لهذه الصعوبة "خشوم بيوت" ولتلك السهولة "خشوم أبواب" أيضا. فالصعوبة تكمن في أن المستقل، وهو متنوع في درجات فهمه، يحتاج إلى درع نظري حتى لا يقع فريسة للذين يريدون أدلجته نسبة لقدراته الهائلة أو لصوته الإنتخابي أو الغنائي، فمتى ما كنت "تفتيحة" فإنك ستأخذ موقفا نقديا من الإنتماء للفكرة السياسية ولا تنبهر بما تصبه من كلام في ذهنك ليشرح لك واقعك المختلف الذي عشته أنت ولم يعشه مفكر مات قبل  ألفية زمنية أو قرنين أو أقل، حسبك أن تأخذ منها ما يلائم محاولتك الحصول على الحقيقة وأن تترك ما تراه (كلام والسلام). وتصعب المسألة أكثر في حال أن تغدق عليك الأدلوجة بفرص تعليم وتوظيف لك ولأبنائك وأخواتك حتى، وأنت وهم المحتاجون إليها. وإذا كانت هناك صعوبة تلاقيك في مقبل الأيام فإنها تتمثل في أنك محتاج أن تكون وحيدا في مسعاك لتدبر الحياة وألا تشملك إمتيازات إجتماعية وعملية وإبداعية عند الإنتماء للفكرة السياسية. إن المرء لا يحتاج للإستطراد في تناول سهولة الإنتماء لغالبية تياراتنا السياسية المؤدلجة وغير المؤدلجة فهو أسهل من التفكير في الكيفية التي بها تكون كادرا متقدما في صفوفها.
الإستقلال قميص المثقف يلبسه حتى يموت، فضميره لا بد أن يكون صاحيا لنقد جملة ما يراه في الواقع. أما الذين ينتمون للأدلوجة ونظامها السياسي الذي فيه بعض صالح وكثير تالف فإنهم سيسكتون لا محالة عن نقد الزعيم أو الشيخ أو الرئيس أو الاستاذ إلا في حال فقدان إمتيازات الإنتماء.
في ظروف العالم الثالث خصوصا يحتاج المثقف أن يأخذ مسافة مستقلة بينه وتنظيمات بلده السياسية. فغياب المؤسسية والوعي في عقل القيادات والزعامات السياسية تفرض دائما تنبيههم إلى الأخطاء التي يرتكبونها، فوجود هذا المثقف داخل هذه التنظيمات سيجعله صامتا عن كدر خطواتها السياسية وربما حرمته نظرته الإستراتيجية لمطامح الترقي داخل التنظيم مستقبلا من أن يطعن الفيل في الوقت والمكان المناسبين، وهذا ما لم يحدث بالضبط للمثقف السوداني منذ الإستقلال.
فوجوده داخل التنظيم السياسي لم يكن مجالا لتبيان خلل المؤسسية والوعي، كما أن قادة هذه التنظيمات السياسية وبسبب معرفتها للمطامح الرخيصة لكثير من مثقفينا وظفتهم لآداء الدور الخطأ رغم علم المثقف به. وبين التوفيق في رفد التنظيم بالعطاء والإحتماء بالصدق ضاع  المثقف داخل حظيرة السياسة وحين خرج منها لم يجد ثقافته أو فقره النبيل أو صدقه أو دينه في أحيان.
علاقة كاتب السطور بالأفكار الآيدلوجية إمتازت بشئ من المرونة. يأخذ منها ما يفيده ولكنه لا يأخذها بعلاتها وعللها، أو على نحو يؤكد أنها حقائق مطلقة تحكم مسار حياته. ثم أنه دائما ما يرى أن تطابق حياة الآيدلوجي المفكر أو التابع له مع ممارساته السلوكية والعملية هو أجمل ما يلامس نصيحة الشاعر حمزة الملك طنبل المشهورة حين قال "يا شعراء السودان اصدقوا وكفى". فكل ما هو مطلوب من المفكرين الآيدلوجيين والمؤمنيين بفكرهم المستقل عن سابقينهم أو مجايليينهم هو أن يصدقوا في نضالهم وفي تمثل حياة تتوازن مع القيم المثالية والجمالية والعرفانية التي تنطرح من خلال الفكرة.
إن موقف المستقل وغير المستقل من الأفكار لا مناص من أن يكون إيجابيا، بحيث أن يفهما أن لا بد للآيدلوجيات أن تنمو وتتعايش في الواقع مع بعضها بعضا، فهي ثروة الناس التي تعني بمنهج تفكيرهم، وهي التي تقودهم إما لتنمية دنياهم أو تحطيمها، للإعلاء من شأن الفرد أو الحط به.
أما وإن جاز الحديث عن الصحافة المستقلة فقد شكلت نسبيا وجودها بأكثر قدر من الصحافة الحزبية ولا زالت حتى الآن تجد قراءً وإزدهارا. وقد ظلت هذه الصحافة تاريخيا منابرا للتيارات السياسية جميعها، تتناول أخبارها وتتيح لكتابها أو الذين يتعاطفون معها مجالا لنشر آرائهم وأفكارهم، وفي الفترة الديمقراطية الأخيرة بدا أن الذين يقرأون الصحف المستقلة هم جماهير الإتحاديين وحزب الأمة بينما بقيت صحف الحزبين الحكوميين آنذاك ضعيفة وغير قادرة على رد غائلة هجمات صحف الإتجاه الإسلامي على قادة ووزراء غير عماليق، فضلا عن ذلك فإن "صوت الأمة" كادت أن تتوقف بسبب شح التوزيع أما صحيفة "الإتحادي" فلم تكن تجد قراء بسبب ضعف طاقمها التحريري، كما أن الميدان ظلت تحمل وجهة نظر واحدة وفشلت بطبيعة الحال أن تكون  صوتا للشعب السوداني جميعه، وإلى الآن تقفل صفحات الميدان بالضبة والمفتاح أمام القوى الأخرى، وقرأت أن شيوعيين ضجوا بالشكوى من عدم نشر أفكارهم.
أخيرا وليس آخرا، إن الإبداع والاستقلالية مترادفان، فلا يستطيع الأديب أوالشاعر أوالفنان أن يعبر إلا عن كل الناس. فالمبدعون الذين إنتموا لتياراتنا السياسية مارسوا إستقلالية كبيرة في كتابة قصائدهم وقصصهم ولم يقدروا على أن يجعلونها معبرة عن الحزب وإذا فعلوا فإنهم حتما سيحصرون أنفسهم. وإذا كان أكثر الشعراء والمغنيين مالوا نحو اليمين والوسط واليسار إلا أنهم إلتزموا بالإستقلالية في تناولهم الشعري. يا أيها المستقلون: خذو السياسي المؤدلج برأفة!
 نقلا عن صحيفة الأحداث