ما إن نشرت صور للنائب الأول أثناء مؤتمره الصحفي الأخير إلا وأعرب بعض من المعارضين عن فرحتهم باسوداد غطى وجه علي عثمان نتيجة لداء عضال، ربما. وتجريد معاني الألوان تأويل أشبه بضرب الرمل. فوظيفة الألوان تتمايز، وتتغاير على حسب درجات الوعي والأجندة. ولا يوجد مقياس علمي لينبئنا بصحة ما يرمز إليه مستخدمو هذا اللون تجاه فعل في الحياة. ولو أن اللون الأسود هو لون الحزن في مجتمعات فاللون الأبيض هو الذي يرمز إلى حداد النساء السودانيات. وما دام البرتقالي هو اللون المحبب للبوذيين وما أنفك الدالاي لاما وجماعته يرتدون ثيابا جميلة مصبوغة به، فإن بعضا من الكارديناليين يفضلون الأسود، مثلما تفضل قانتات مسلمات العباءة السوداء غطاء للجسد وذاكرته. ولو أن لون الثورة أحمر في كثير من دول اليسار فإن اللون البرتقالي ظل لون الثورة الأوكرانية.
هناك أيضا مصطلحات ربطت اللون الأسود بالسلبية. ولذلك ترانا نقرأ أو نسمع بـالسوق السوداء، وسواد النية، والقلب الأسود، والاثنين الأسود، والكوميديا السوداء، والنهار الأسود، وأخيرا وليس آخرا الكتاب الأسود الذي سهر على أخرجه إسلاميون من دارفور لتبيان الخلل في تاريخ الوظيفة في المواقع الوزارية والخدمية العامة. ومع كل هذه الإخفاقات التي خلقها الإنسان في وجوده وربطها بالسواد فإن الحاجة ضرورية الآن لتحرير اللون الأسود من الظلم الذي لحق به، ذلك بالتزامن مع تحرير عقولنا بقدر الإمكان من بقايا شنشنة اللاوعي حول من هم سود. وربما يفكر صديقنا الدكتور حسن موسى الآن بشكل أفضل في أمر سواد وجه النائب المذكور ضمن اهتمامه بثقافة أو لغة الجسد عند تفاكير من سماهم أبناء مسلمي الطبقة الوسطى السودانيين.
إذا قرئت، بتأن، تلك التعليقات التي توفرنا عليها لبعض المعارضين والمعارضات، وبعضهم ـ وبعضهن ـ من غلاة المدافعين عن حقوق الهامش، لا بد أنها تبرز مفاهيم مغلوطة لخطاب سلفي عن السواد في بلاد السودان الذي هو عكس البيضان. وهذه المفاهيم بغير تغليطها هذا فهي كذلك مبتسرة لحقيقة السواد أللهم إلا إذا اتفقنا على أن سواد الوجه، أو تسوده من بعد "خدرة" نذير شؤم، أو عقاب رباني. فاللون الأسود درجة فخيمة من الجمال بمقاييس علم الجمال بيد أن ربطه بالآية خلق منه سببا للكراهية: "يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ" [آل عمران : 106.
فنحن نعلم أن هذه الآية قد حملت فوق طاقتها. بعضنا استغلها ليجعل السواد مطابقا للقبح، أو الشر، أو سوء المآب، وآخر وظفها كحيثية لدمغ الإسلام بالعنصرية في ملابسات الإبقاء على أمر الرقيق والتخلي عنه تدريجيا. وفي كلا المحاولتين لاستغلال ترميزات السواد غاب التعقل، وحصدنا الحصرم من بعد دفع الثمن الغالي على مستوى التساكن، وبناء معاوله العصرية.
صحيح أن هذا الإشكال في اللون شكلته مقاييس عقدية متجذرة للآية الكريمة. ولكن تفسير القرآن ليس دائما مقدسا وإن قال به القرضاوي، أو الزنداني، أو محمود محمد طه. فمع غالب ما يجتهد عليه صناع الفتاوى كان هناك الرأي، والرأي الآخر، في تفسير الآي الحكيم. وما يجب أن نتعلمه أن الفتاوى الدينية هذه حول سواد الوجوه في الآخرة "وجهات نظر" قد تصدق بدرجة أو تخفق بدرجات. وربما أقرب مثال لهذه الفتاوى التي يتعهدها قارئون دارسون بشكل جيد للتراث الإسلامي هو تعليقات النقاد المؤهلين بدرجات علمية متقدمة في المسرح أو الأدب، مثالا. فهؤلاء النقاد المستندون على مادة العلم الاجتماعي، لا الطبيعي، يرون مسرحية أو رواية ما بعيون متناقضة تماما، وبالتالي يرفعون تارة من قيمة هذا المسرح، ويقللون تارة أخرى من أهمية ذلك الأدب. وها هو ذا الاختلاف سنة البشر، وريحانة الحياة. وما هدفت إليه الآية الكريمة ليس له علاقة بفيزياء اللون، فالغرض منها هو تذكير الناس أن وجوه الأشرار ستمتلئ بالكدر والشحوب بينما تشع وجوه الأخيار غبطة وسرورا يوم لا ظل إلا ظله. ولكن لأن الفقهاء الأوائل كانوا متأثرين ببيئة الرق التي حطت من الاسود لم ينظروا وراء المعنى وعليه ما زالت العنصرية توشح بيئاتنا.
في الواقع أنه رغم فرح بعض الزملاء المعارضين بظاهرة اسوداد وجه النائب العام في الشهور الأخيرة سوى أنه بدرجة ما يمكن أن يكون هذا الاسوداد درجة من الجمال. هذا إذا كنا قد قرأنا توظيفاته الجمالية في الرسم، والدبلوماسية، والديكور، والموسيقى، والدين، والأناقة. ونقيض اسوداد وجه النائب الأول بياضه، ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا الابيضاض علامة فرح لو أن الحكوميين قد رأوا في ذلك صلاحه. ولقد قاد حس الصدق سدنة الصوفية إلى القول بإشعاع الوجه، لا بتحول كيمياء لونه، علامة للصلاح، وبينة للرضا الميتافيزيقي. القبة البلوح قنديلا.
فنحن السودانيين، أو بالأحرى، كل القبائل السودانية بطرانة، أو تملك "ود الحرام" كما رمزت حكمة الراحل جون قرنق. وود الحرام ليس هو سبب مشكلة وضعه في المجتمع. بل ولن يتحمل تبعاتها، سواء جاء لونه خلاسيا أو أسود. فلون الوجه داخل القبيلة ليس مركزيا سواء من حيث "حمرته" أو "سمرته" أو "خدرته" أو سواده. فمركز اللون عند أي قبيلة في الوسط النيلي ليس حمرته بحيث أن يكون هامشه متنوعا بين هذا اللون أو ذاك. كما أن اللون الأخدر، أو الأسمر، ليس هو هامش لون قبائل أفريقية الأصل في جنوب كردفان أو النيل الأزرق أو دارفور حتى يبقى مركز لونها هو "الأحمر". فمثلا إذا اصطف أمامنا رجال ونساء من قبيلة الرزيقات أو الحوازمة، أو الشايقية، أو الحمر، أو الجعليين، فإننا نستطيع أن نرى قوز قزح من تلك الألوان. والأمر  ينطبق بحذافيره على مصطفين أمامنا من قبائل الفور، والواطاويط، والفلاتة، والبرتي، والزاندي. والحقيقة أن اللون الأسود درجات تبدأ من الغامق، إلى الأبنوسي، إلى ما نسميه بالخدرة، إلى البني، إلخ.
نحن نفهم تماما الكره الذي حظيت به شخصية النائب الأول في الوسط المعارض، وهو الذي لم  يجد من الموبقات إلا وارتكبها طوال ما يقارب ربع القرن. بل نتخيل أن بلادنا بحاجة إلى شفائه حتى يقف يوما أمام قضاء عادل ليكون الحكم عليه تسوية عدلية مجتمعية، وشفاء لصدور مليئة بالغبن إزاء ما فعل. وهو إنما هو الذي كان قد نفذ مذبحة الصالح العام، وطلب الفتوى بتحليل بيوت الأشباح، وتدمير الخدمة المدنية، والمساعدة في تطبيق سياسة الخصخصة، والقيام بتنفيذ برنامج إعادة الصياغة الذي جعل البلاد غنيمة لكوادر الإسلام السياسي، وهذا غيض من فيض.
بيد أن وجهه الذي وصفه أحد الديموقراطيين بأنه يستحق هذا السواد وزيادة ينبغي ألا يثنينا من التخلص عن ما وغر في فهوماتنا حول حمولات عرقية على اللون الأسود الداكن أو الناعم عند عدد كبير من بنين وبنات السودان. ولعل السمة التي بدت عليها وجوههم ووجوههن أجمل بكثير من وجوه أخرى سمتها البياض أو السمرة. فكراهية السواد المعششة في ذاكرة غذتها طبقات من الجهل حرمت من تمعن جمال عيون الأفريقيات، وشفاههن الكاكاوية الباسمة، وتناسق مركبات الوجه عموما، ولعل هناك من الرجال السود الوسيمين بأكثر مما هو حال الذين حباهم الله بشرة بيضاء. ولكن أين السواد والسود من عين الرضا التي هي عن كل ذنب كليلة؟
والغريب أن رجال الدين كان ينبغي أن يكونوا أكثر تعظيما للون الأسود ولكنهم في الواقع مسجونون في الجهل. ففي الوقت الذي يكرم الله منظر الكعبة التي بناها عظيم الأنبياء باللون الأسود يحط صاحب "الانتباهة" من رمزية اللون المعني، وبالتالي يذبح ثورا اسود فرحا من تخلصه وجماعة له من جزء عزيز من الوطن. وما درى الجاهل بعلم الجمال أن مدارس الاستطيقيا الحديثة، والمتحررة من قيود التاريخ الاستعماري الاستعبادي، وصفت الأسود بأنه "ملك" الألوان كما لو أن الطاؤوس "ملك" الطيور. وهكذا ما يزال وضع اللون في أقنوم ثقافتنا، وهو بعض من مشكل الهوية الضارب في الأسى. والطيب مصطفى ضحية فهمه. وهناك الآلاف من شاكلته الذين لا يتوانون في تحقير الأسود برغم أن بشرتهم أكثر سوادا من الفحم.
أغلب الظن أن حالة سواد وجه النائب العام حالة مرضية أكثر من كونها العقاب المرسل من صاحب الكعبة، والتي لو أراد الإله تكريمها لجعلها بيضاء من غير بقع سوداء. وإذا تذكر الناس فإن مرضى كثر يتعرضون إلى اصفرار الوجه بسبب اليرقان، والملاريا، والتايفود، ويعود ذلك لأسباب يدركها الأطباء. نأمل أن يعيد السودانيون، واسمهم دال على لونهم، النظر في ذاتهم ليتحرروا من تاريخ استعماري عنصري تجاه كل ما هو أسود. وليكن موقفنا ثابتا من تاريخ النائب الأول أما الفرح بإيلولة وجهه نحو السواد فهو فرح في محل جهل بالقيمة الجمالية للون بشرة أهل السودان في غالبهم.



salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]