من مميزات نافع على نافع أنه يتبرع لنا بمعرفة طقس الخوف في دوائر النظام من كل خطوة تقوم بها المعارضة في سبيل إسقاط سلطة الاحتيال الديني. والملاحظ في تصريحات مساعد البشير في الفترة الأخيرة هو أنه استنفد كل عبارات الوعيد والشتم ضد معارضيه بشكل لا يعبر إلا عن الحالة النفسية السيئة التي أنتجها طقس الخوف من المصير الذي سيلاقي هؤلاء الذين ارتكبوا المجازر في أيما منطقة في البلاد أمعنا فيها النظر. ونافع من حقه أن يكون أكثر الإنقاذيين ارتعادا من المصير الذي ينتظره، فهو قد استخدم يوما يده لضرب أستاذه فاروق محمد إبراهيم في المعتقل، وهو متهم كذلك بتدبير مؤامرة اغتيال مبارك، كما أتهمه زملاء له بقتل أحد الذين كانوا وراء الحدث. ولذلك ليس غريبا أن يخطب أمام الدبابين ليواسي نفسه، ويبني في مشروعه الجديد الذي يحاول به تخويف المعارضين وهم الآن أكثر شجاعة ومروءة ووطنية لبناء المستقبل الواعد للسودانيين.
فالواقع أنه بمجرد توقيع قادة العمل السياسي على وثيقة كمبالا تلقت العقول المدبرة في حكومة الإنقاذ هزيمة موجعة لإستراتيجيتها التي تفرخت لتفريق السودانيين إلى تكوينات إثنية أو جغرافية. الحدث نفسه، من حيث تشكله، له دلالته على صعيد أنه أعطى المواطنين بارقة أمل جديدة وسط توقعات، وإحباطات، وتخوفات، أن البلاد قد تؤول إلى الصوملة عند الانهيار التام لقمة وقاعدة النظام.
وإذا حصرنا أنفسنا فقط في الشحنة المعنوية المفارقة التي تضيفها الوثيقة للمعارضين دون التطرق إلى ما اشتملت عليه من مضامين هي محل أخذ ورد بطبيعة الحال، فإن الحكوميين قد منيوا، لا بد، بخيبة أمل بأن الكرت الإثني الذي وظفوا له كل مواردهم هاهو يسقط بإرادة سودانية للإتفاق. بل وأن ما كان يخشاه النافذون في النظام وعملوا على تفادي وقوعه في أيامهم الأخيرة بالتهديد، والإبتزاز، والتخويف، قد حدث أمام ناظريهم: تكامل التنسيق بين فعل المعارضة السلمية والعسكرية ببيان مكتوب وجامع لمعظم إن لم نقل كل التنظيمات السودانية المعارضة.
ولا شك أن إتفاق كمبالا الذي يبني في إرث الاتفاقات السابقة التي جمعت المعارضين على برنامج الحد الأدنى لمقاومة الإنقاذ، ولكن كما نعلم لسبب عضوي أو عملي لم تثمر، يؤشر إلى وضوح الرؤية حول ما يمكن بذله في حال سقوط النظام.
الحقيقة أنه ما أن نشر الإتفاق على النت إلا وقد استبشرت به قطاعات المعارضة بشقيها السلمي والمسلح خيرا. وكان طبيعيا أن تتباين الرؤى هنا وهناك وتطرح التساؤلات حول كيفية تنزيل هذا الإتفاق على أرض الواقع، وكذلك حول مدى التزام الأطراف الموقعة على الإتفاق بالسير قدما في تنفيذه، وفوق كل ذلك استفسر المهتمون عن الآليات المشتركة التي يمكن إتباعها لإسقاط الحكومة.
كما أن هذه التنساؤلات أملتها الخيبة في فشل إتفاقيات المعارضين السابقة التي بدأت بتجربة التجمع الوطني السابقة، كما أملاه في الوقت نفسه غياب الثقة المتبادلة بين قوى المعارضة السلمية، وأيضا غيابها وسط قوى العمل العسكري، وغياب الثقة بين قطاعات في المعارضة السلمية وأخرى في العسكرية. فضلا عن ذلك فإن هناك عدة أسباب أوجدت هذه التساؤلات منها ما يتعلق بجانب نظري مرتبط بالموقف الفكري والسياسي للنخبة التي تدير المعارضة في كلا الجانبين، ومنها ما يتعلق بجانب عملي إتخذه هذا الفريق أو ذاك ما دعا إلى تعميق الفجوة شمولا بين الكيانين. وكما نعلم أن جانبا من غياب الثقة بين هؤلاء وأولئك تمدد بسبب أن الآلة الإعلامية للنظام ساهمت في شيطنة الجبهة الثورية وألصقت نحوها تهما وأكاذيب مركزة، وغير ذلك فإن الحركات المسلحة من خلال تجربتي إتفاق أبوجا وإجراءات التوصل إلى الدوحة ساهمت في تعميق التشكيك حول مبدئيتها من القضايا القومية وهي تستجيب إلى عروض النظام لتلبية أهدافها المطلبية.
كل تلك هذه الأسئلة التي أثيرت، وكذا المراجعات السياسية لمواقف الطرفين، مشروعة وحيوية وتخصب الحوار حول الاتفاق، وقد تختلف الآراء هنا وتأتلف هناك. ولكن مع مشروعية هذه التساؤلات يصعب لأي مراقب حصيف التشكيك في أن هذا الإتفاق يمثل اختراقا يكلف الحكومة مصداقيتها، من جهة، ويصعب، من الجهة الأخرى، التقليل من قيمة الخطوة التي انتهجت سياسيا ومعنويا في راهن القوى السياسية والعسكرية، منفردة ومتحدة. وهناك قيمة للإتفاق على ناحية المستقبل من زاوية أنه ثبت التزامات مكتوبة للساعين لإسقاط النظام. ولعل من هذه الزاوية يكون بناء الثقة بين شقي الرحى في العمل المعارض قد أسس له جيدا من الناحية النظرية وأصبح المطلوب هو تسويق الإتفاق للأطراف الأخرى المترددة. ومطلوب أيضا المرونة في الإضافة والحذف إليه بناء على ملاحظات الناقدين، إن كانت تلك المرونة تسرع وتسهم في إنضمام أحزاب وتنظيمات سياسية أخرى إلى التوقيع. وهناك قطاعات مهنية، ونقابية، ومنظمات مجتمع مدني، وأفراد يمكن أن يسهموا بالتوقيع متى ما كانت الضرورة تستدعي لإكساب الإتفاق زخمه الوطني والمعنوي.
وفي ظننا أن مضمون الوثيقة لبى الكثير من أمنيات المعارضين ومن الصعب في ظروف كهذه أن تلبى كل الرغبات ما دام أن حدث كمبالا يعني فقط الإتفاق على حد وسط ويمكن أن يكمل بالحوار المستمر دون إتخاذ البعض مواقف سلبية لمجرد أنهم ينظرون إلى الإتفاق من زاوية الإختلاف مع حفنة من بنوده، وليس مع كلياته ومقاصده. ونرى أنه لا حاجة لصناع الوثيقة والموقعين التصلب في بنود الوثيقة دون المراجعة إذا كان لا مناص من التجويد في أمر يتعلق بمستقبل بلد. والمراجعة بناء على الرؤى البناءة حيال الوثيقة ضرورية كذلك إذ أنها تكسبها التطوير وتعطي صناعها والموقعين عليها المصداقية في احترام الرأي الآخر في وقت يطرحون البديل لنظام ما عرف إلا بقمع وتجاهل الرأي الآخر.
عودا إلى نافع وهو يتحدث عن تطهيره لأرض السودان، فالأولى له أن يطهر المحيط الذي صنعه المؤتمر الوطني من الفساد المركب، وتحطيم قدرات البلاد الاقتصادية، وايقاظ الفتنة الإثنية، وشراء الذمم، وحرق قرى الآمنين، وحماية المواطنين من اللجوء والتشرد والاغتصاب بدلا من الاعتماد على الآلاف من الجنود الأجانب، وغيرها من الأزمات التي هدمت كل أركان الدين. وعن أي شريعة أقامها نافع وزمرته وبها يتحدث بعد أن حول هو وآخرون من تنظيمه الدين مطية لتدمير الوطن الذي فرطوا في ثلثه وأطرافه تشتعل جميعها بالحروب؟
فلينتظر نافع مصيره وسوف يرى قيمة الدين حين لا يجد نفسه مقديا في بيت أشباح وحين تتوفر له محاكمة عادلة وحين لا تؤخذ أقواله عنوة وتعذيبا..حينها سيدرك نافع من الذي كان يتبع الشيطان، وهو الذي بطش في لحظة جبن بأستاذه المقيد بالسلاسل والمعصوب العينين.

salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]