الجريمة النكراء التي ارتكبتها سلطات الأمن مؤخرا بحق أبناء دارفور في جامعة الجزيرة هي إمتداد لجرائم النظام المتكررة في حق قطاعات المجتمع السوداني الذي يحكم الآن بالإستبداد. ولن تتوقف هذه الجرائم إلا بتغيير النظام ومحو كل مؤسساته، ولا سبيل إلا ذلك إلا بالنضال المستمر. ولقد جاءت هذه المأساة ضد مجتمع دارفور بالتوازي مع ضرب قوات التيجاني سيسي ما يشئ بعنصرية النظام المستمرأة ضد أهل دارفور المعارضين لسياساته، مهما تصالحوا معه، أو قبلوا بعهدة منه.
وقبل هذين الحدثين المتزامنين بلغ التواطؤ مبلغه تجاه مكافحة وباء الحمى الصفراء في ولايات دارفور ما دعا منظمة الصحة العالية إلى التحذير من مغبة تجاهل الكارثة وانتشارها خارج الإقليم. بل أن المنظمة المعنية قالت في تقريرها الصادر هذا الاسبوع إن هذا الوباء هي الاسوأ في أفريقيا. وإذا عدنا إلى الوراء فإن مسلسل إهانة أهل دارفور، والتمثيل بجثثهم، وأجسادهم بلغ ذروته. وكان آخر هذه الإهانات ما تعرضت له الأستاذة الصحفية هندوسة  من تعامل سئ من قوات الأمن حيث قاموا بحلق شعر رأسها وبعد هروبها المشهدي أهانوا أسرتها حكما بجريرة نضال هندوسة. وفي رمضان الماضي أهدر الأمن أمام مرأى والي نيالا دماء ثلاثة عشر من  طلاب نيالا فيما أودت مأساة هشابة في ريفي كتم بأرواح ثمانية وثمانين شخصا من بينهم خمسة وعشرين طفلا.
ما هو مدعاة للحيرة حقا هو أين دور أبناء دارفور المستوزرين، بل أين هو دور نخبة دارفور جميعا من هذه المآسي التي تواجه أهل الإقليم منذ أمد طال واستطال؟. وإذا تركنا الحركات المسلحة التي حملت السلاح لتنازل النظام، وأبناء دارفور المنتميين للأحزاب المركزية فإن هناك قاعدة عريضة من مثقفي الإقليم ظلت تتفرج على ما هو حادث في الإقليم من وبائيات، واغتيالات، وسوق مواسير ربوي، وتجاهل  مدبر للتنمية، واغتيال لفكرة طريق الغرب، واستهداف متعمد لطلاب دارفور. وهذه القاعدة المستنيرة من أهل دارفور لا تهم كثيرا لما يحدث لأهل دارفور الذين يتعرضون للفصل العنصري الواضح من نظام ما ترك مكانا في البلاد إلا وأفسده.
إننا ندرك أن هناك أكاديميين، وأدباء، وشعراء، ومحاميين، وصحافيين، ومهندسيين، ومغنيين، من أبناء دارفور ولا ينتمون إلى الحركات المسلحة. ولا ينتمون أيضا إلى النظام، بل ولا ينتمون إلى التيارات السياسية السائدة، ولكنهم يتفرجون للأسف ويتسلون بما يقرأونه عن ممارسات النظام تجاه دارفور والبلاد عموما. إنه وضع غريب. ولكنه يتعلق بمواقف المثقفين والمتعلمين عموما، حيث يحاولون الهروب إلى تخصصاتهم بحجة أنهم لا يدركون السياسة ولكنهم بصمتهم يصبحون متواطئين مع جرائم النظام.
إن نخبة دارفور التي تعيش على دماء أهلها وهم يتمتعون بمخصصات البرلمان، ويتوظفون ضمن وزاراته ومؤسساته السياسية والخدمية والنظامية، ويمارسون في تجارتهم في ظل النظام لا رجاء فيهم أبدا، وهم أصلا تخيروا ألا يكون لهم موقف غير العيش والتكسب في ظل الوضع الكارثي للسودان.
في الواقع أن الاغتيال الجسدي والمعنوي لنشطاء دارفور من الطلاب وغير الطلاب لن يفت عضد أهل دارفور، وغيرهم، جون النضال لنيل حقوقهم ضمن حقوق أهل البلاد عموما، لا أكثر ولا أقل. ولقد جربت الحكومة هذا السلاح منذ مجيئها للسلطة ولكنها لم تفلح في الحصول على كل ما تريد. لقد وصلت هذه الحكومة المركزية بتهميش الأطراف التاريخي إلى قمته ومع ذلك انتصر الجنوبيون في خاتم الأمر وتحول الهامش السوداني إلى بؤرات للمقاومة  ضد الاستبداد. ونظن أنه مهما تنازل بعض مناضلي الهامش وشقوا صفوف بعضهم بعضا وسعوا إلى تقاسم الثروة مع أهل النظام إلا أن ذلك لن يثني الجيل الحالي والأجيال القادمة من النضال من أجل أخذ حقوقهم كاملة غير منقوصة.
وللأسف أن الحكومة الحالية التي يديرها الاسلاميون المتدثرون بالعنصرية لم تتعظ من تجربة الالتفاف على حقوق أهل جنوب السودان، وليس في فكرها أصلا ما يحرضها على الاستفادة من دروس الماضي. وهاهي تكرر الأخطاء السابقة في ظروف مختلفة سيكون مستقبل وحدة البلاد وسلامة نسيجها الاجتماعي هما المتضرران الوحيدان وسط.
وما دام أن الاستبداد هو الحل الوحيد الذي أدركته هذه الحكومة، في ظل تقاعس القوى السياسية المركزية التقليدية، فإنها ستفتح المجال واسعا لكل المكتويين بنار الانتنوف، والتجاهل المركزي لتقرير مصائرهم بقوة السلاح. فليس هناك ما يجبر الهامش المتظلم من الابقاء على وحدة قسرية تتخللها عنصرية ممارسة على رؤوس الأشهاد.
وما دام أن نخبة البلاد، بما فيها نخبة دارفور، ما تزال تدس رأسها في الرمال، وتتواطأ بالسكوت تجاه مجمل قضايا البلاد التي تعالج في منابر خارجية، فإن كل الإحتمالات السيئة والمخيبة للآمال، والتي لا ترضاها، ستكون، بلا شك، هي محك المستقبل السياسي للسودان.
وبهذا التخاذل لن يكون الجنوب آخر المنفصلين فسوف تتبعه اتجاهات أخرى بعد تعميق مطالبها ولن تبقى في السودان جهة راغبة في الحفاظ على وحدة سياسية لا تعمل نخبة البلاد في دفع ثمنها الضروري والعاجل. 
إن لوحدة البلاد، أي بلاد، ثمن، لا بد، مثل هذا الثمن الذي يدفعه الشباب الذي يقاتل في الهامش دفاعا عن أرضه، وعرضه، وحقه في الحياة بالكرامة. ولقد قدمت دارفور الآلاف من الشهداء الشباب في وقت يتمنى فيه السيد الصادق المهدي لأبنه التوفيق في مهمته التي انتخبه البشير لها، إذن فكيف يوفق الله الأبن دون أن يوفق من يخدمه؟ أليس هو ذات المخدم الذي فتك بأرواح أهل دارفور الذين منحوا المهدي الانتصارات السياسية والكاريزما واللقب الذي يتباهى به في المحافل الدولية؟ ألا يحرك كل ما حدث لأحفاد وحفيدات (مقبولة) من هذا النظام ساكنا في ضمير ووجدان زعيم الأمة ليقطع الطريق السالكة بينه والبشير.؟ ثم ما هي قيمة هذا البيان الصادر من حزبه الذي يطالب بلجنة لتقصي الحقائق عما جرى في جامعة الجزيرة؟ ولمن ترفع هذه اللجنة تقاريرها في وقت يدرك فيه الإخوة في حزب الأمة أنه لم يحاكم أحد في جرائم حرب دارفور، بل وما هو مصير اللجان المشتركة بين الحزب والمؤتمر الوطني التي جلس أعضاؤها مئات المرات بعد عودة الحزب من الخارج؟
ومهما يكن موقف زعامة الحزبين التقليدين إلا أن الكثير من النشطاء السياسيين في الأحزاب وفي المجتمع المدني ظلوا يتسابقون لإدانة المؤتمر الوطني في كل تصرفاته العنصرية تجاه أهل دارفور المعارضين، وهذا هو بصيص الأمل الوحيد الذي يشفي بعض غليل المعارضين الدارفوريين، وأهل دارفور الذين مزقت الحرب قراهم ودمرت وحدتهم، ومع ذلك فالمستقبل للحرية ومحاسبة القتلى ولا دوام لإستبداد المؤتمر الوطني.

salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]