حالة صلاح قوش خاصة جدا، وموحية. فمعظم أبناء وبنات الأقاليم الباحث عن مجد باق يأتي إلى العاصمة وفي باله عضوية النادي السياسي. هو ناد ينفتح بابه الأول بمقدار ولكنه نوعي. إذا كانت حظوتك بعبوره ثمينة فهذا الباب يحيلك إلى بوابة مثيرة، ولذيذة، وخطيرة. تحيلك البوابات ثانية إلى سلطة، إلى جاه، إلى مورد، إلى ضوء لا يخفت سهلا، إلى أن تصبح أنت نفسك رئيس النادي أو سكرتيره. وتلك غاية يتوقعها عدد من عشائر البلد إزاء رغبة أولادهم وبناتهم الذاهبين إلى الخرطوم.
ولاحقا حين تتطور تنازلاتك الأخلاقية والقيمية في ذلك النادي وتنفتح أمامك كثير من البوابات تكون قد أصبت هدفك. وعندما تتشيطن أكثر وتحتل مكانا عليا تحدد أنت بنفسك من الذي يدخل النادي، ومن الذي يخرج منه، ثم تضيف إرثا جديدا في صيانة هذا النادي الذي تكون بعد انهيار نادي الخريجيين.
إنها تعقيدات بالغة الدلالة تتورط فيها مشاغل الذهن النفسية، والآيديلوجية، والجهوية، والعشائرية، إلخ. وهذه المشاغل إما قادتك لحيازة العضوية، أو الصمت كما فعل مثقفون كثر وكبار في المعرفة، أو إتخاذ المعارضة السلمية المستمرة، أو الموت، غير الزؤوم، عن طريق قاذفات العسكر الذين هم الحركة المسلحة التي تحمي هذا النادي، تاريخيا.
وبرغم أن الماركسية حاولت سبر غور هذه التعقيدات الوجودية ووضع ترياق مضاد لها إلا أن الحالة السودانية بدت أكثر تعقيدا. ولو عاش كارل ماركس ورأى تجربة تحالف (الجهوية والإثنية والدين) في فترة ما بعد المفاصلة لزاد فصلا جديدا في سفره الشهير (رأس المال). إنها التعقيدات التي انطبعت في ذهن إبن قرية من أعمال كريمة والتي سعى إلى مباصرتها للوصول. ولكن بعد أن صار قوش نجما حطت به هذه التعقيدات ذاتها، وأودعته (التمنة)، وهي الحراسة التي جاءت بها خلافة الأتراك العثمانيين.
أحيانا تبقى محنة قوش، في تعامله غير الذكي مع شروط النادي، مدعاة لتنوير الناس بعمق هذا التحالف المقدس الذي يجمع بعضا من تجار المحاصيل، ومصدري الماشية، والمصرفيين والكمبياليين، والمرتبطين بالشؤون والمؤسسات الدينية، وإعلاميي سونا والشروق، ووكلاء الشركات الاجنبية، ومستوردي الاسبيرات والأمصال. وأضف إلى هؤلاء السفراء، الدكاترة بالذات، الذين لا يسمعون، ولا يرون، ولا يشمون، ولا يفقهون مآسي الناس. وهناك المعاشيون من الأفرقة واللواءات، وغيرهم من المحايدين إزاء صراع الديموقراطيين والشموليين. وهؤلاء المحايدون أحذرهم حين يقولون لك إنهم غير سياسيين. بيد أن حيادهم السلبي في جامعة الخرطوم، أو السفارة، أو مجمع عبدالله الطيب للغة العربية، إنما هو حياد سياسي يتذاكى، وينطوي على مخادعة للذات والآخر.
هذه المحنة القوشية هي تفاصيل لمحن كثيرة في الزمن الإنقاذي وأودت بكثيرين، منهم على سبيل المثال: عبد الحميد كاشا الوالي المنتخب، ومسار، وأيضا الوالي المنتخب كرم الله عباس، وعبدالله محمد أحمد، والشوش. وإذا كنا رؤوفيين بهم فإن هؤلاء الطموحين كانوا بحاجة إلى من يدلهم على أن حقيقة الاستهانة بكل التعقيدات التي قادتهم إلى قمة النادي السياسي السوداني هي السبب في ندمهم الآن. وبالمجاملة كذلك يمكن القول إن تلك الاستهانة لم تراع ماكنيزمات، وثوابت، وشفرات التطور الطبيعي للقادة في هذا التحالف. وهو كما نعلم تحالف سرق مال الشعب، وضيع وقته في الضجيج السياسي، وشتت الشباب والكهول بالملايين في بلاد قريبة وبعيدة. لعنة الله على الذين شقوا إرادة مؤتمر الخريجيين الذي كان يمكن أن يحفظ السودان كما حفظ مؤتمر المهاتما غاندي ديموقراطية الهند.
إن زميلنا في الإقليمية صلاح الدين عبدالله هزمته ثقته العالية. ولعل نادي الخرطوم السياسي لا يستوجب كل هذه الثقة والاستماتة فيها كي تبدع في (البهلوانية الوطنية). فقط يكفي أن تكون مثل عوض إبراهيم عوض، وصبحي فانوس، ويوسف تكنة، وعلي شمو، وجلال تاور، كي تتقاعد بوسام إبن السودان البار الذي استحقه من لم يستحقه، وحجب عن مستحقيه الحقيقيين، ومن بينهم الفنان وردي. والمؤلم أن جامعة الخرطوم في زمن الإنقاذ منحت القذافي الدكتوراة الفخرية وحجبتها عن الشاعر هاشم صديق الذي كتب (الملحمة) ولم يتعد عمره العشرين ساعتئذ.
لا عليك، ولكن إن كنت عضوا في هذا النادي فعليك أن تتقاعد بالضبط كما تقاعد كابتن الهلال طارق احمد آدم وهو في قمة مجده، أو حينما كان الدهن في العتاقي. وطارق نفسه أتى به النادي السياسي الإسلاموي إلى البرلمان بذكاء مكشوف. دخل برلمان محمد الأمين خليفة في أول يوم لإفتتاحه وهو يحمل دفترا. كان وزير دفاع الهلال جادا حتى أن دفتره السميك الغلاف كان يتألف من أربعة وستين صفحة.
لم يقبل قوش بالتقاعد المبكر مثل يوسف عبد الفتاح الذي حامت حوله شبهات الفساد حول المدينة الرياضية. ولكن مواطننا قوش مضى قدما في دروب النادي السياسي وتورط أكثر في الولاء وكاد أن يقول لنا: أنا ربكم الأعلى. نعم تأله أيام صعوده إلى قمة الجهاز وقمة التأثير السياسي. لقد خاف بعض الناس حقا حين قرأوا تصريحاته التي أشار فيها إلى امكانية قطعه أوصال المعارضين إربا، إربا، إن سمعهم يؤيدون المحكمة الجنائية الدولية. والغريب أن النادي السياسي فتح باب عضويته بلا هوادة ما بعد قرار أوكامبو، وصار هناك خلط بديع بين الإنقاذ والسيادة الوطنية. ولكن على أية حال سلك الكثيرون إلى السلطة أيامها. وقال لنا البهلونجية إن الرئيس هو السيادة والخط الأحمر، وما نحن المؤيدين للمحكمة إلا عملاء، وزنادقة، وزراليخ، ورضينا بالمقسوم!
موظف دان فوديو المغمور حينها صدق أنه يملك السلطة بدلا عن التواضع ليرى شخصه، مجازا، أنه مجرد مسمار صغير في ماكينتها، مثله مثل عبود جابر سعيد ،هذا الشخص الذي صعد فجأة إلى النادي السياسي وصار متحدثا بإسم مجلس أحزاب الوحدة الوطنية المبتذلة. واستيعاب قصة هذه الأحزاب التي فاقت الثلاثين يقودنا إلى طرف من خيط معرفة نادينا السياسي الذي لم يرع طموح الوزيرة سناء فعاقبها بجريرة مسار الذي ثار لذكوريته، لا لشئ آخر. ولكن الفرق حتى الآن بين عضوية ممثل هذه الأحزاب (الوطنية جدا) وقوش أن عبود جابر سعيد ما يزال مدركا بأن الصعود للقمة يتطلب (التترك) أكثر حتى يحظى يوما بوزارة كما حظي بها مولانا دوسة. وهذا الإقليمي الدارفوري دخل النادي من خلال وظيفته كمسجل للاحزاب إبان ما سمي بالتحول الديموقراطي ليقف على موروث سبدرات في الوزارة ويبني عليه. وبالمناسبة هل تقاعد سبدرات سكرتير نادي المريخ السابق السابق عن الإنتماء للنادي الإسلاموي كما تقاعد شدو وهو أيضا كان سكرتيرا لنادي المريخ وترقى إلى درجة كبيرة في النادي السياسي الإنقاذي وصار وزير عدله؟.
ولعل بعضكم، إن لم يكن كلكم، يتذكر أن الترابي حكى قصة سبدرات القصيرة فقال إنهم استوعبوه كممثل في النادي السياسي ولكن بقدرة قادر تحول إلى مخرج ليحدد شكل ومضمن المونولوج، والاكسسوارات، ودرجة الإضاءة والإظلام في المسرحية. ألم أقل لكم أن الباب الأول يفتح لك ألف باب بهدف الارتقاء بالقدرات السياسية البهلوانية في النادي العتيق؟.
عفوا، لا بد أن في تفكير قوش بعض بلادة. فالذي أراد أن يقطع أوصال ممثلي الشعب الحقيقيين لم يكتف بما حظى من مجد في نادي الهواة والمحترفين. تمددت سلطته في الجهاز وصار هو الواقف على مال شركات الجهاز التي لا تحصى، ولا تعد، ولا تراقب. صارت امبراطوريته التي تبتلع ما يقارب ثلث الميزانية مبشرة بإستمرارية وضع البلد كما هو: واحة للإسلاميين ومناحة لغيرهم.
لعل هذا الإحساس بالزهو، ضف سكرة السلطة، والتخابر الإقليمي، والوصل مع كبار قادة التجسس العالميين، منح قوش فرصة لأن يسعى إلى تسنم رئاسة النادي، ربما. ولكن ما درى أن أبناء الأقاليم مهما نجحوا في موقع الريادة فإن هناك عيونا في المركز ترمقهم وتدبر لهم سوء المآل حتى  توقفهم عن طيشهم مقابل القراءة الصحيحة لقوانين ولوائح النادي التي طورها محمد الشيخ مدني سكرتير إتحاد الخرطوم لكرة القدم. وهذا العضو المريخي أيضا صار وزيرا للتربية من خانة أنه اشطر معلم للرياضيات.
ظننا بعد أن قعدوه بمعاش فريق، أو فريق بلا معاش، وهو لم يخض معركة واحدة أنه سيسجد لله شاكرا. هذا برغم أن قوش قد اختفى بفشله في أمر كشف دخول العدل المساواة إلى الخرطوم. فالمتوقع آنذاك أنه سيدرك مقام خصمه نافع عند البشير ليستمتع بمعاشه وماله الذي دخل به لاحقا إلى مجال استيراد القمح والوقود وتوريد الماشية واللحوم ليحافظ على عضوية النادي من خلفية الثراء. غير أن جرح غيابه عن السلطة خدش مثابرته فعوضه رئيس النادي بمستشارية كاملة وظفت لمصلحة شخصه، لا مصلحة أمن الملايين. ألم يدرس هذا التقدير الذي تغدقه رئاسة النادي على عضويتها التي تقدم أعمالا جليلة لها؟. ومع ذلك لم يقنع الإقليمي الطموح. فبدلا من أن يحمد ربه مارس هوايته المفضلة في عدم الاستسلام.
ذهب إلى أهله ليتكئ على أرضية صلبة،  ثم لامهم على أنه وفر لهم وظائف وأن شباب المنطقة لم يسع لشغلها حتى يثبت أهليته للثقة التي تأتي به نائبا في البرلمان الصوري.
وبرغم هذه الحقيقة قدر قوش أن البرلمان سيخلق له الحصانة وبالتالي يغطي على بعض إتصالاته مع الدوائر النافذة في الحزب والحكومة والدولة، ولعلها الدوائر المعبرة عن التنوع في إطار الوحدة الإسلاموية. وأخيرا لم يخذله حراكه المثابر وجاء نائبا عن دائرة نوري وكثرت الاحتفالات والذبائح وصار يرتاد نادي الزومة كناية على طول مراس همه بالأهل. يلتقي هناك كل يوم في المحفل الإجتماعي والثقافي مع من يرغب من الذين إتصلوا وإتصل بهم أثناء فترة عمله في الجهاز بعيدا عن الرقابة كما ظن. ولم يرعو ثانية حيث تكهن أن هذا الغطا ء الجهوي في البرلمان سيضمن له الوثبة الأخيرة أو ما قبلها.
وربما لو كان قد حلل بنيويا كيف عملت ديناميكية النادي السياسي السوداني في تجديد دماء عضويتها سواء بحرمان عضو أو إثنين من حق الحياة لنجا بنفسه وارتضى بقسمته غير الضيزى في محراب التركة التي يأكل منه كل صاحب طموح سياسي رخيص، أو عسكري مغامر. غير أن الطموح الإنساني الفردي الذي قاد قاقرين إلى القمر لا مناص من أن يقود قوش إلى أبعد من نجومية الظل. وهكذا فكر ثم قدر أن  لا مجال لأن يستسلم للوشاة والثرثارين في مجلس الرئاسة. سوى أنه وقع في فخ لم تر معه رئاسة النادي ضرورة غير عزله عوضا عن تكريمه.
وأيا يكن العزل بسبب دوره في ما سميت بالمحاولة التخريبية أو الانقلابية، أو حتى بسبب خديعة إسلاموية لإنهاء تحركاته السلمية وغير السلمية التي يستطيعون مراقبة بعضها وإغفال جانب منها فإن نجومية صلاح الدين عبدالله في النادي السياسي خفتت تماما. وهكذا صار عبرة للذين يبدأ طموحهم إقليميا صغيرا ثم تفرض حيوية العضوية تنمية هذا الطموح بإتجاه التثني الدائم، على ألا ينسى العضو المحترم أن للنادي خطوطه الحمراء التي قد تقطع الأوصال.
لعنة الله على هذا النادي الذي يجعلنا نحن أبناء الإقاليم أغبياء كون أن لا معرفة لنا بطبيعة التآمر السيوسيولجي الذي يدبره لنا حماة الدولة المركزية، ذلك مهما قدمنا من عطاء جهوي، أو آيديولوجي، أو أية  خدمات أخرى في مزاد الدولة التي تحتفي عبر ناديها السياسي بالإنتهازي وتلفظ الوطنيين حقا.

salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]