التجربة الأميركية إنما هي إنسانية بالدرجة القصوى. ولا يمكن الحكم عليها بموضوعية إلا من خلال النظر إليها كتجمع لبشر أثبتوا نجاحا هنا وإخفاقا هناك. ومهما كانت معايير النظرة الآيديولوجية إلى التجربة الأميركية متطرفة فتطرفها إنما يبقى لذاتها. وبالتالي سيفتقد الذين ينتجون هذه المعايير إمكانية التعلم من هذه التجربة التي طورت النظم السياسية، والعلمية، والإعلامية، والتعليمية، والطبية، والأكاديمية، والتكنلوجية، والفنية، والصناعية، وغيرها. وبرغم إن الإسلام السياسي معني أكثر من غيره بالنظر إلى هذا الفصل الدستوري البديع الذي أنتج هذا التطور، فإن الآخرين محتاجون إلى بحث أسباب التعايش وتسامحه التي جاءت بأوباما لمرتين. وكما نعلم أن أوباما، إلى نهاية عام 1961، لم تكن لديه أسرة ذات مرجعية وجود هناك من ناحية والده. فإذا كان تواجد أجداد أسرة كينيدي في الولايات المتحدة يعود إلى ثلاثمئة سنة وبوش مثله وكلينتون، إلى آخرهم من الرؤساء، فإن جد أوباما لا حظ له في التأثير على الوجود الاجتماعي الأميركي حتى تلك الفترة.
نحن في السودان أكثر من غيرنا بحاجة إلى التعلم من الولايات المتحدة كما يفعل كل الشعوب. ونظرا للتعدد الذي صاغت منه الأمة الأميركية مثالا للتجانس فإن الفرقاء السودانيين، بتعددهم اللامتناهي، يملكون الإمكانية لتصحيح تجربة وجودهم الاجتماعي. فبناء الأمم لا بد أن يأخذ وقتا طويلا. وقد تصادفه كوارث، ومحن، وإحباطات. ولكن لا بد من البحث ثم الوصول إلى تسوية إجتماعية، ثم تطبيقها فمراجعتها، مهما بلغت درجة الغليان والسأم من النخبة أو قواعدها. بغير التسوية لا طريق آخر نحو الاستقرار إلا طريق الانفصال، بمعنى أن يتحول السودان بفعل أبنائه أو بفعل فاعل إلى دويلات. ولكن ما يبقى أن كل دولة جديدة ستعايش ذات الأوضاع التي عايشها السودان الكبير إن لم يحسم موضوع الفصل الدستوري نظريا وعمليا. كما أن الدولة الجديدة ستأخذ معها وهي ذاهبة إلى حال سبيلها ذات التنوع المذهبي، والاجتماعي، والسياسي، ولن تكون خالصة في عرقها، أو لون بشرة أفرادها.
صحيح أن هناك كتابات سودانية جديدة تحاول تحريض جهة جغرافية ما للانفصال. بل إن هذا التحريض أنتجه عدد من الإسلاميين حيث كتب مناديا بالتركيز على المثلث النيلي أو مثلث حمدي. وهناك آخرون طالبوا بإقامة جمهورية تضم إقليمين متجانسين أو ثلاث. وهناك شخصيات كتبت حلقات عن أهمية فصل دارفور كونها تعتاش على ميزانية الدولة ولا تقدم شيئا للناتج العام من الدخل. وبعضهم نادى بقيام ما أسماه بـ( الدولة العرنوبية) التي هي جماع المكون العربي والنوبي في الشمال. إنهم يرون أنه لا باس في جمهورية صغيرة مثل قطر أو تونس أو الأمارات العربية المتحدة. كل هذه الأفكار مقدرة بتقدير الأوضاع، والأجندة، والعزائم، التي أملتها. ولكن مهما كان مستوى الوضع فالتسوية الاجتماعية ممكنة، ولكنها مكلفة في الثمن، ومكلفة في التنازل عن القناعات الفردية والآيديولوجية.
إن التعدد بمعطياته الواسعة في السودان لا يقتصر على إقليم دون آخر. ففي كل جهة جغرافية نجد التعدد الإثني، واللغوي، والآيديولوجي. وليس هناك إقليم واحد في السودان يمكن أن يشذ عن هذه القاعدة. والحقيقة أن هذا التعدد منظور في أي عشيرة سودانية حيث تجد فيها الشيوعي، والانصاري، والأسمر اللون، والداكن اللون، و(الأخضر)، وعلاقة الدم مع خارجين خارج العشيرة. وربما يمتد هذا التعدد إلى الأسرة الواحدة. ولذلك حق على المناديين بالانفصال، أو بتر منطقة جغرافية عن أخرى وتكوين تحالف من مناطق أخرى أن يراجعوا هذا التفكير المكلف، والعاجز من حيث مخياله، وغير المضمون العواقب.
صحيح أن المظالم التاريخية التي فرضتها هيمنة العربوإسلاميين على مفاصل السلطة السياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها أدت إلى فصل الجنوب وزيادة وتيرة المناداة بالإنفصال في مناطق أخرى، ولكن هي ذات المظالم التي عالجتها بلدان أخرى بالتسوية الحتمية.
وبرغم أن مطالب الأقاليم التي تزداد فيها ألسنة اللهب لم تتجاوز إلى الآن حد الإنصاف على المستوى القومي في معادلات الثروة، والسلطة، والمشاركة السياسية، إلا أن استدامة الأوضاع المزرية في تلك الأقاليم ستضع الوحديين من السودانيين في حرج عظيم. ونعلم أن أوضاع الجنوب التي قادت أبناءه إلى تجريب حلم الاستقلال بكيانهم كآخر سقف وضعتنا من قبل في حرج.
إن للوحدة بعض ثمن غال. وهذا الثمن ما يزال مستحقا دفعه من قبل التيارات المركزية في المعارضة. وإذا كان صانعو الحكومة قد أقلعوا بطائرة السودان وإتجهوا بها نحو مسار ملئ بالمطبات فإن المعارضة ما تزال بحاجة إلى استشعار صادق وواضح بخطورة الوضع الماثل.
_2_
مهما أبدعت الأيديولوجيات والأفكار ذات العلاقة بشؤون الدولة في سن المبادئ والأطر النظرية فإن المحك هو تمكنها من تحديد العلاقة بين السلطات. ما الذي يمكن أن تقدمه تجربة فكرية لتحييد السلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، والإعلامية، هو ما سيكون عليه جوهر الاختبار والتأمل.
إن ما يعلي قيمة التجربة الأميركية هي أنها نجحت، أيما نجاح، في تحديد مدار الرئيس وسلطته التنفيذية بحيث ألا يتخطاه. والأمر كذلك بالنسبة للكونغرس، والقضاء، ومؤسسات المجتمع المدني التي تنتج الرأي والمواقف حيال القضايا العامة. وربما من هذه الزاوية ننظر بإعجاب للولايات المتحدة لا من زاوية سياستها الخارجية أو القيم التي آمن بها المجتمع الأميركي، أو لم....
داخل التجربة الأميركية انبثق تحالف أوباما الذي سبب صداعا دائما للحرس القديم. بل إن المعلقين المحافظين تنبأوا أن هذا التحالف الذي خلق من قوام التناقض سيغير الوضع الداخلي لفترة تطول. وبالتالي تتصعب مهمة ورسالة الحزب الجمهوري الذي قال معلقوه إنه تعرض إلى سحق، وإهانة، ولطم، من قبل الناخبين في الانتخابات الأخيرة. ولقد كان تحالف أوباما مبنيا على حاجيات الأقليات التي سحقت حقا رغبة الأغلبية البيضاء.
كان معه الأميركان الأفارقة، ونصف البيض، واللاتينيين، وإتحادات العمال، والشباب، والمهاجرين الجدد، وقطاعات المرأة، والمثليين. ولقد تشكل هذا التيار، حقا، لا من أجل تحقيق النصر لأوباما فحسب وإنما من أجل التغيير. وحتى بعد مغادرة أوباما للبيت الأبيض سيظل هذا التحالف الجديد قائما ومتطورا متى ما استدامت ظروف نشأته. بل إن هذا التحالف سيكتسب كل أربع سنوات كثير أصوات من المهاجرين الذين يحصلون على الجنسية، والشباب الناهض، خصوصا. ولعل هذه الإضافة الإيجابية التي يحققها الزمن للديمقراطيين هي التي تفرض على الإستراتيجيين في الحزب الجمهوري تغييرا في الخطاب والحركة وسط جمهور الناخبين.
هل توجد هناك إمكانية لاستنساخ فكرة هذا التحالف في السودان، خصوصا وأن المكونات السياسية القائمة ضمرت من حيث الخطاب والفعل.؟
إذا نظرنا إلى الحزبيين التقليديين، الأمة والإتحادي، سنجد أنهما لم يلبيان حاجة المجتمع من جهة، والشباب من جهة أخرى. وبغير أن الغياب المتوقع لتأثير زعامتي الحزبين بعد عقد من الآن ربما يزيد أوضاع الأنصار والختمية ضغثا على إبالة فإن القيادات الحالية المرشحة لخلافتهما لا تملك الكاريزما الفكرية والحركية الكافية والمقنعة لإعادة ترتيب بناء الحزبين وتفعيلهما. وبالنسبة للحركة الإسلامية فيكفي القول إنها، فوقا عن إنكفائية خطابها، جربت تماما ويعايش الناس نتائج التجربة السيئة. أما الحزب الشيوعي فهو الآخر يعتمد على عضوية نوعية لا تساعده كثيرا في الحصول على إجماع كبير يمهد له الوصول إلى السلطة أو التأثير العملي في ميزان العمل السياسي.
أما بقية الأحزاب والتنظيمات الجديدة فما تزال أمامها وقت طويل لتأسيس مكاتبها التنظيمية على مستوى العاصمة من أجل الانتشار القاعدي. وبالنسبة للحركات المسلحة، بما فيها الحركة الشعبية، قطاع الشمال، فإنها أيضا بحاجة إلى عمل فكري وحراك وسط قاعدة الناخب السوداني في كل بقعة من بقاع السودان حتى يتحول خطابها عن السودان الجديد إلى واقع.
_3_
إن السبيل الأمثل للخروج بالبلاد عن دائرة غياب الخطاب القومي الذي تتعهده قيادات متعددة من كل الجهات هو البحث عن تحالف جديد من الأفراد الجادين والراغبين في إحداث التغيير. وهؤلاء الأفراد موجودون داخل هذه التنظيمات السياسية المذكورة، وبعضهم ظل صامتا، أو يتحرك وسط الساحة السياسية إنفراديا، لا يحكمه زعيم، أو تنظيم، أو شيخ طريقة. إنهم غالب السودانيين الذي يشكلون كتلة التغيير ولكنهم مشتتون هنا وهناك. يبحثون عن خطاب جديد وزعامات جديدة حتى يحسون فيها الجدية، ومواهب القيادة، والكاريزما المبدعة، مثلما أحس الناخب الأميركي بقدرات أوباما.
والحقيقة أن غياب القيادة السياسية المبدعة في السودان ظل ملازما للسودانيين منذ الاستقلال. وإلى تاريخنا هذا لم تتوفر الشروط الموضوعية التي تزف هؤلاء القادة الذين يحظون بالتأييد الذي يحقق قدرا مناسبا من الإجماع. ورغم أن البعض قد يرجع ذلك إلى غياب الديموقراطية إلا أن القيادات الحقيقية تفرضها ظروف الواقع وتحدياته التي أتت بغاندي، ومانديلا، ولوممبا، ونكروما، وغيرهم.
إن ما حصلنا عليه من نماذج قيادة في أحزاب الأمة، والإتحادي، والشيوعي، والجمهوري، والحركة الإسلامية، والبعث، وحتى الحركات المسلحة هي نماذج ملهمة للمنتمين لهذه الأحزاب، ولكنها لم تحقق إجماعا معتبرا يؤهلها للقبول على مستوى كل الجماعة الذي يقطن البلاد.
إن هذا التحالف الجديد الذي نزعم أهميته في الدفع بأزمات البلاد نحو الحلول، وفي تنشيط الدورة الدموية للسياسة السودانية، لا بد أن يضم كيانات وأفراد متميزين على مستوى أعمالهم، وكذلك القاعدة العريضة من المواطنين. ولعل هذا التحالف الذي تكمن ضرورته بعد إسقاط الحكومة سيعسى بالضغط السياسي المكثف لإقامة الدولة المعرفة بأدبياتها العلمانية الواضحة. وما دام أن ذلك هدفه فإن هذا التحالف ترتكز قاعدته على الراغبين من أفراد القوى السياسية التي آمنت بالكفاح السلمي وتكامله مع الكفاح المسلح، ومنظمات المجتمع المدني، والأفراد المستقلين.
ولاحقا حين تحين أوان الانتخابات يتطور هذا التحالف إلى تيار سياسي عريض، شبيه بتيار اوباما، عبر اندماج أحزب وتنظيمات في بوتقة سياسية تعبر عن القيم السودانوية لتنميها وتحافظ عليها في الوقت نفسه. وعندها ستأتي إتجاهات سياسية فئوية لتدعم هذا التحالف نحو برامج تحقق مصالح الطبقتين ما قبل الوسطى والفقيرة جدا. وحتى الأحزاب التي ربما لا تنضم إلى هذا التحالف، لسبب أو آخر، يمكن أن تنسق معه وتتحالف لما يمكن أن يمثله من ثقل في موازيين القوى السياسية آنئذ.
بلا شك أن المستقبل سيكون قائما على التحالفات السياسية التي تتفق على حد أدنى في خطاباتها، وبرامجها العملية. وفي عصر تتراجع فيه الآيدلوجيات لصالح الأنظمة المعرفية الحديثة، وفي ظل نهوض قطاعات فئوية، وجيلية وجندرية، وجماعات عمل، سيتراجع دور الأحزاب فوقا عن تراجعها الراهن. والدليل على هذا التراجع أن الحزبين التقليدين في ظل الوعي السياسي بالحقوق بالقياس إلى فترة السبعينات ـ بسبب التعليم ولاحقا بسبب ثورة التكنلوجيا ـ فشلا في التعبير عن تطلعات المواطنين وخصوصا الجيل الجديد. ضف إلى ذلك أن الحزبين اللذين يعتمدان على نفوذ مناطقي تأثرا بالتحولات التعليمية التي أتت بالحركة الإٍسلامية، والحركات المسلحة، وجيل جديد يخاصم نظرة الآباء. فضلا عن ذلك وجدنا الحزبين العتيقين قد عجزا لعوامل عضوية في تجديد قياداتهما وأفكارهما. ولعلنا ندرك كيف يعمل تجديد القيادات على تنشيط العمل الحزبي، وأي مجال عمل آخر.
نعتقد أنه في من خلال المنظور في الساحة السياسية أن هذا التحالف المفترض هو الضامن الوحيد لوحدة، ومستقبل، وتقدم السودان. وبدونه سنظل نبحث عن الخلاص في كل تجربة سياسية جديدة.

salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]