مهلاً. الإٍسلام السياسي لا أمان له. فمصداقيته دائما في (خبر كان) كما يقول الظرفاء في لحظات الأنس. إذن ما هي المعلومة التي أراد السيد وزير خارجية السودان المتشدد أن يبلغها للرأي العام.؟
مثلا، هل أراد القول إن الأمواج المتلاطمة تهدد السفينة بسبب أن القبطان مختلفون، أم أنه قصد، فقط، أن يخرج الهواء الساخن الذي سببه تهميش جماعات داخل النظام لأخرى؟ وفوق هذا وذاك هل هدف إلى أن يوصل إلى العرب، مع الوصول المفاجئ لرئيسه إلى السعودية، أن هناك صراع قوى ويمكن أن ينتصر جناح، هو ضمنه، لصالح التقارب السوداني - العربي بدلا عن الجناح الفارسي؟ هناك أسئلة كثيرة كهذي. ولكن كل إجابة جائزة في زمن غياب المعلومة الموثقة؟
بدءً ليست هذه هي المرة الأولى التي يضجر فيها كرتي من طريقة العمل وسط المجموعة النشطة في السلطة. يتذكر بعض الناس أنه وجه إنتقادا مبطنا للبشير أمام البرلمان عندما استخدم عبارة العصا ذات الدلالة العرقية في ذلك الحديث الذي وصف فيه تنظيم الحركة الشعبية بالحشرة. يومها قال كرتي إن هناك تصريحات لمسؤولين، لم يسمهم، تضر بمصلحة السودان إقليميا ودوليا. ولقد كان الأذى الاكبر للنظام في المحافل الدولية إنما هو دائما نتاج حديث يفتقر إلى اللباقة الدبلوماسية، والكياسة الإنسانية، صادر من مسؤولين نافذين أثناء ركوب موجة الحماس أمام  الجماهير الهائجة.
تصريح كرتي الأول الذي لا يؤول بخلاف معناه الواضح إرتبط بحادثة هجليج. وهذه المرة إرتبط حديثه الأوضح بحادثة اليرموك. وللحدثين أبعاد عسكرية. إذا كان التصريح الأول يستهدف تخطئة الرئيس فإنه عبر برنامج الاستاذ الطاهر حسن التوم يستهدف حقا تخطئة الضلع الأيمن للرئيس. ولكن ما، أو من، الذي حمى الوزير من الإعفاء أو الإستقالة الممسرحة، ذلك مادام وزير الخارجية بلا مواربة يميط اللثام أمام الرأي العام المحلي والخارجي أن لكل قبطان جهة مختلفة في السير؟
إن كرتي بتلك الصراحة التي أبداها في المرتين يؤكد لنا أن تنظيم المؤتمر الوطني شأنه شأن أي تنظيم آخر. لا بد أن يحوز على جيوب لا تتناغم مع بعضها البعض. وبالضرورة لا يعني ذلك إلا فشل الفكرة الإسلاموية مسبقا في فهم التناقضات الدولية وتأثيرها على المكون المحلي. كما أظهر كرتي بأن هناك خلافات منهجية داخل السلطة حول الاستجابة إلى مصلحة الدولة-التنظيم أولا أم مصلحة المبدأ.
فمن ناحية أوضح لنا كرتي أنه مهما كانت التضحية بكل شئ مهمة في سبيل الوصول إلى الهدف الأعلى وهو مناصرة أيران إلا أن السياسة تقتضي الإمتثال إلى لعبتها النظيفة. فالسياسة أحيانا تبدو شيئا والمبادئ الآيديولوجية شئ آخر، خصوصا عند المحكات. وطبعا لولا المحكات الصعبة لما جأر كرتي بالشكوى من التقارب السوداني الايراني الذي لمح فيه بوادر فشل في الحفاظ على مصالح السودان الخليجية أو الدولية.
إذا حاولنا كشف نتيجة الإسلاميين في التوفيق بين المبادئ التي آمنوا بها قبلا وواقع العلاقات الخارجية الذي تورطوا فيها بعد أن أحيل التنظيم إلى دولة فإن النتيجة توضح أن العلاقات الخارجية لا تسير معهم إلا بالنهج العلماني البراغماتي. وإذا كان من الممكن أن يتمظهر الدين الحكومي على مستوى علاقة التنظيم الداخلية، مع المكون الإجتماعي، وبالتالي تبدو العلاقة قائمة على مبدأ إسلامي ظاهري فالعلاقات الخارجية، وهي ملعب له أصوله، وتضحياته، وثمن تحالفاته، تفرض على وزارة الدبلوماسية أن تكون أكثر علمانية في نهجها لخوض غمار الصراع الدولي حول عوامل الموارد، والنفوذ، والبقاء. ولعل هذه العوامل جوهر وأساس الصراع  الذي صار الإسلاميون جزء منه ولاعبين أساسيين فيه، سواء في السودان، أو مصر، أو تونس.
من خلال الصراع الدولي المنظور: لا يتمثل نهج علمانية العمل الدبلوماسي في النجاح في جلب القروض الربوية فحسب، وإنما في أن توضع المبادئ الأخلاقية، والمذهبية، في خانة والمصالح الاستراتيجية في خانة أخرى. وتتعدد هذه المصالح. فإن بقيت إقتصادية فهي أمنية أيضا، وإن كانت تجارية فهي سياسية بالدرجة الأولى، وهكذا. ولأن طبيعة كنه العمل الدبلوماسي لا تتفق على مبدأ أو مذهب غير مذهب تعلية المصالح وسط تحالفات إقليمية دولية فإن المذهب الديني لتنظيم ما لن يستطيع إلا التواضع على إتخاذ المواقف السياسية التي تحقق المصلحة العليا لبلد أو كيان. وإلا فمصير الدبلوماسي المؤدلج سيكون مصير كرتي الذي يأتي في اللحظات الأخيرة لينبهنا بفشل المؤتمر الوطني في قدرته على السير إلى آخر شوط من أشواط مصالحه المبدئية.
كرتي ومن خلال تجربة الدبلوماسية بدا الآن أكثر تفهما لتعقيدات الدولة والدين حينما يلتقيان. وما شكواه من الإنجذاب السوداني نحو معسكر أيران، وروسيا، وسوريا، وحزب الله، والصين، وحماس، إلا تعلم متأخر من درس العلاقات الدولية التي يحكمها المنهج العلماني البراغماتي وليس المذهب العقائدي ذي الصبغة التجريدية.
لقد عرف كرتي أهمية خلع العباءة الدينية حين يصبح التفضيل بين الوقوف مع الحق الذي يراه حقا ومصلحة إستمرارية التنظيم عبر الحفاظ على مصالح حزبه. المؤكد أنه إذا كان كرتي يضمن أن علاقة نظامه مع أيران لا تهدد وجود المؤتمر الوطني فإنه سيكون فرحا، ومتحمسا، بإستمرار العلاقة. لاحظ هنا أن الإسلامويين في تنظيرهم الذي يسبق تسلطهم يستطيعون رفع سقف توقعاتهم المبدئية بشكل عال. لماذا؟ لأنه ليس هناك ما يهدد وجودهم، أو على الأرجح ليس هناك ما يهدد صحة نظرياتهم التي لم تجرب بالتطبيق. خذ موقفهم من الربا المسبق مثلا وقارن الآن.
ولو أن التجربة أثبتت أن الإسلامويين فعلوا كل ما ناقض منفستو عملهم السياسي الذي قدموه لنا في ديباجة التأسيس فليس غريبا أن يأتي كرتي بالقول الغريب، حين استشعر أن مبدأ التناصر الإسلامي لا يفيد ليقول بضرورة ترك أيران لوحدها والحفاظ على مصالحنا في، ومع، الخليج، ذلك لا لشئ إلا لأن التضحية بالمبادئ يصعب موقف السودان، والتنظيم، وأفراده.
إذا راجعنا من ناحية أخرى العمل الخارجي لدبلوماسية الإنقاذ فإن نهجه العلماني فاق حجم العمل الداخلي الذي ركز على مظهرية النهج الديني. فالمؤتمر الوطني أثبت فهما جيدا لضرورة إتخاذ النهج العلماني في التعامل الخارجي وبرع فيه من أجل الحفاظ على الدنيا والتضحية بالدين. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر أدركت الحكمة البراغماتية الإسلاموية أن التخابر الأجنبي مع أمريكا التي (دنا عذابها) هو الأهم في مقابل السير الأعمى في مبدأ معاداتها من حيث أنها دولة الأمبريالية. وحتى لا نكرر ما أشار إليه المحللون من تحليل مثبت بالوثائق فإننا نحيل القراء إلى البحث عن حجم التخابر بين السودان والولايات المتحدة وبقية الدولة الغربية من خلال ماكينة قوقل.
وحتى على المستوى الإقليمي فإن التضحية باسامة بن لادن والظاهري كانت تضحية براغماتية إستخدم فيها النهج العلماني الذي يعطي العقل وليس شئ آخر فرصة ضيقة للتقرير بشأن مصلحته. وعلى مستوى الجوار فإن النظام ضحى بإسلاميين سلمهم للقذافي ولم يكن رحيما الأخير بهم. وأشارت تقارير إلى أنه تمت تصفية أخوان الإسلام في ذات اليوم الذي حطت فيه الطائرة السودانية أرض بنغازي.
إن محاولة كرتي أن يكون دبلوماسيا قحا هي محاولة تضحية في المقام الأول بالمبدأ. ولكن على الناحية الأخرى أراد الانتصار لمبدأ العمل الدبلوماسي الذي فهم اشتراطاته قبله أكابر أهل النظام عند الشدة. والإنقاذيون لم يكن فهمهم قاصرا على التضحية بالدين في المحفل الخارجي. فالغناء الذي قفل الطيب مصطفى بوابة توثيقه بالضبة والمفتاح، آنذاك، لصالح الأغاني الجهادية عاد أشد وبالا على آذان المستمعين والمشاهدين. وقد شكى سلفيون بانهم كلما شاهدوا قنواتنا رأوا الفتيات يغنين. ليس ذلك فحسب فالغناء بالنسبة للإسلاميين يمثل الآن الرأسمال الكبير الذي يتم استثماره في زمن الخوف، والمناحة، والرتابة. وحتى الغناء حين يعبر عن تراث الوسط فإن قيمته لدى الإنقاذيين تتعلى، إذ أنه يجلب مناصرة جهوية هم في أشد الحاجة إليها. أما غناء أمدرمان الذي يوحد وجدان السودانيين فصار أقل قيمة من غناء السيرة الذي إنتشر بمضامينه وإيقاعاته المنوعة ليقول بإنتهاء عصر (المبدأ ضد الغناء) وحلول عصر توظيف الغناء لصالح الصراع الدنيوي العلماني.
وبمثلما تشغلنا إهتمامات وزير الخارجية الكثيرة حول غضبه من الولايات المتحدة التي تنازل لها أيما تنازل ثم حصد الحصرم، تشغلنا أيضا الكيفية التي تبضعت بها وزارة الدبلوماسية بفرص البلاد الاستثمارية في علاقتها الإستراتيجية مع المعسكر الشرقي الشيوعي، حيث الصين وروسيا، والنظام السوري البعثي. والمؤكد إن الشاعر الإسلامي محمد عبد الحليم الذي ألهمته آيديولوجيته بالصدع الشعري بأن عذاب روسيا قد دنا كان متعجلا في نظريته، أو متفائلا للحد الأقصى. ولا ندري أين موقع ذلك الشاعر من التطبيق الذي جعل قصيدته الحماسية أثرا بعد عين؟. فلا امريكا قد دنا عذابها و لا تحطمت روسيا. وعلى النقيض من ذلك تبرع أخوان الشاعر في تقديم التنازل تلو آخر للذين فتكوا بإخوة الإسلام الشيشانيين.
الحقيقة أن كرتي حل تفقيهنا من خلال فترته القصيرة في الوزارة أن مبدأ العلاقات الدولية قائم على حقيقة المصالح الأرضية، وليست مصالح الآيدلوجيا الدينية، بين الشعوب. ولو أن هناك درسا آخر تعلمه كرتي من خلال وقوفه على حجم إتخاذ النهج العلماني البراغماتي في توظيف السلك الدبلومسي لحاجة الشعب فهو تخليه عن تشدده الجهادي السابق. والسؤال هو هل يوفق الله مسعى كرتي وطاقمه في الخارجية للإنتصار لقيم الدبلوماسية العلمانية دون التخلي تماما عن القناعة الفكرية ذات النزعة الإنسانية المقتنع بها؟. سنرى، أوقل كما أفصح الشاعر طرفة بن عبد:
ستبدي لك الأيام ماكنت جاهلاً
ويأتيك بالأخبار ما لم تزود

salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]