واضح أن تنظيم المؤتمر الوطني الممسك بمقاليد السلطة في البلاد تورط في أعمال حلف سياسي إزاء آخر مضاد له، ويملك من دفق الحماس، ومكر الاستراتيجيا، والدفع الذاتي ما يعزز الخوف على حاضر ومستقبل شعبنا. فالعلاقة بين الحزب الحاكم الذي ورث الحركة الإسلامية وهذا الحلف المكون من إيران، وحزب الله، وسوريا، وحماس، لم تبدأ اليوم وإنما إقترنت العلاقة أصلا بين الحركة الإسلامية ومكونات هذا الحلف عبر تاريخ الصراع الدائر في الشرق الأوسط.
وحين تمكن أعوان الترابي من السيطرة على البلاد تطور هذا الحلف ضمن تطور نوعي مثمر في العلاقة بين الخرطوم والجماعات الإسلامية من كل حدب وصوب من خلال تنظيم المؤتمر العربي الإسلامي، والذي كان مقره في الخرطوم حيث ويترأسه الاستاذ إبراهيم السنوسي. وحينما تم حل التنظيم، نتيجة لما سببه من مشاكل لا حصر لها بالنسبة للنظام، ومواطنينا، والعالم، تحول بعض آلياته إلى مجلس الصداقة الشعبية العالمية، والذي أشرف عليه الدكتور مصطفى عثمان قبل تنصيبه في الخارجية. ولاحقا عين القيادي الإسلامي المخضرم أحمد عبد الرحمن خلفا له. وللأسف أن أكاديميا معارضا بشراسة للنظام ترك نضال واشنطن ووجد وظيفة هناك، إذ صار مسؤولا عن إدارة الامريكيتين في ذلك المجلس.
والمعروف أن مجلس الصداقة الشعبية العالمية الذي يقع شرق مبنى وزارة الخارجية كان يقوم بمهام الدبلوماسية الحقيقية. بل صارت أسلحته أمضى من أسلحة الدبلوماسيين المهنيين في بدء تكوينه. وإستمر هذا الوضع إلى أن تم التمكين الإسلاموي في الوزارة التقليدية. ومع ذلك بقي المجلس يؤدي أدوارا دبلوماسية مكملة لإستراتيجية النظام في التواصل مع الإتجاهات الإسلامية التي تناصره سواء في موريتانيا، أو باكستان، أو جزر القمر. وأحيانا يتم تواصل قادة النظام مع هذه الإتجاهات الإسلامية الراديكالية في البلدان التي لا يوجد فيها السودان تمثيلا دبلوماسيا سابقا لمجئ الإنقاذ.
وبرغم أن الحلف المعني الذي تورط فيه النظام يمثل للحركة الإسلامية السودانية وحماس بخلفيتيهما السنية مصدرا للإستنصار ضد بعض القوى الإقليمية إلا أن إيران هي المستفيدة الأكبر من هذا الحلف بخلفيتها الشيعية التي ترنو إلى تحقيق مطامحها الإستراتيجية في المنطقة. ولعل هذه المطامح تهدف بالأساس إلى التأثير بالمذهب الشيعي في كل من العراق، والبحرين، إلى السعودية، واليمن، إلى السودان ثم إلى أدغال أفريقيا حيث تقول تقارير صحفية أن عددهم في نيجيريا يقارب الخمسة ملايين. والحقيقة أن أيران تحاول منذ حين تجيير الإضطرابات ذات النزعة الشيعية في الخليج لصالح إستراتجيتها التي تهدف إلى أن تكون على رأس قوة إقليمية في مقابل القوى الإقليمية المنافسة المتمثلة في مصر، قبل الثورة، والسعودية، وتركيا. ونذكر أن الإضطرابات الأخيرة في البحرين والتي تزامنت مع ما سمي بالربيع العربي قاربت أن تطيح بحكومة آل خليفة، ولكن حلف السعودية المكون من دول الخليج تدخل في اللحظات الأخيرة عبر مشروع (درع الجزيرة) العسكري الذي حمى سلامة النظام البحريني. وهكذا غاب فأل الثوريين والإصلاحيين البحرينيين، ولم يلحقوا بقطار الربيع الذي يقوده الإسلاميون.
إن أيران ظلت منذ سيطرة الخمينيين تدعم نشر الوجود والمذهب الشيعيين في هذه البلدان. ولقد كان نصيب التقدم الذي أحرزته في السودان كبيرا بأن نشرت المذهب الشيعي عبر مركزها الثقافي في الخرطوم حتى إذا مر عقدان من هذا التقارب الحميم بينها والنظام القائم إنعقد أول مؤتمر للشيعة السودانيين في جبل أوليا بحضور للعضوية قارب الألف من النساء والرجال، وهو حضور يتنوع في طبقيته، وتخصصاته المهنية والمعرفية،  والولائية.
إذا ألقينا نظرة على أعمدة الحلف المذكور فإننا نجد أن ملالي إيران يعانون من العزلة الدولية في أنصع تصاعد لها. فهم إنما يواجهون الموقف الغربي الحاد والصلب تجاه مشروعهم النووي. أما سوريا فإنها وقعت ضمن محور دول الربيع العربي في إنتظار ما يسفر عنه نضال الإسلاميين وبقية الوطنيين ضد الأسد. وحزب الله هو الآخر في أسوأ ظرف منذ نشأته. فآلته العسكرية مهددة بواسطة نضوب الدعم في حال ضرب طهران وسقوط النظام السوري. وحماس ما تزال في عزلتها الإقليمية ومصير إمدادها العسكري مرتبط ببقاء النظامين في طهران ودمشق، والخرطوم كذلك. أما المؤتمر الوطني فهو برغم الإختراق الذي ظل يستهدفه لصالحه عبر إرضاء المجتمع الدولي في قضية دارفور والعلاقة مع جنوب السودان إلا أن عناصر الضغط عليه دوليا، ومحليا، تزداد يوما إثر يوم. والحقيقة أنه ما أن يتعرض النظام إلى إبتزاز ـ يرضخ له لاحقا من بعد غلظة في إظهار المقاومة ـ إلا ويتضاعف الطلب نحوه إلى مزيد من التنازلات. ولعل مصير الخرطوم مرتبط بمصير أيران بعد أن حاول إسلاميونا الرضوخ للضغط الإقليمي وتخلوا عن دعم سوريا ظاهريا. والمدهش أن العلاقة بين الخرطوم ودمشق ظلت قوية حتى بعد مرور أيام على قيام إنتفاضة المقاومة السورية والتي يقف على رأسها إسلاميون يقاتلون بشراسة، وربما من هذه الزاوية تلكأت الولايات المتحدة بشأن دعم إسقاط النظام السوري مؤخرا برغم الشبق السعودي لرؤية الأسد خارج حلبة النزاع.
الآن بعد الضربات التي يعتقد أن أسرائيل وجهتها في شرق السودان لتختتمها بضرب مصنع اليرموك ورسو سفن ايرانية على شاطي البحر الأحمر في محاولة لتطمين نظام الخرطوم بالسند الإقليمي، فإن البلاد أصبحت مسرحا لدفع ثمن تحالفها الإقليمي والذي بلا أدنى شك هو تحالف ليس للشعب السوداني ناقة فيه ولا جمل.
وبرغم أن النظام القائم يحاول من خلال إصراره على التشدد في تبيين إلتزامات السودان التقليدية من القضية الفلسطينية والوقوف بجانب الدول الإسلامية مثل أيران في حال تعرضها لهجوم من دولة غير إسلامية إلا أن هذه التأكيدات تأتي في سياق تبرير إلتزامات الإسلاميين المؤدلجة، والتي ليست هي إلتزامات السواد الأعظم من السودانيين المختلفين في تفسيرهم لظاهرة الصراع المستدام في الشرق الأوسط. والملاحظ أن الدبلوماسية السودانية في العقود السابقة كانت تحاول نسبيا تخير الموقف المتزن والذي يراعي مصالح الشعب السوداني، وقدراته السياسية، والعسكرية، ووضعيه الإجتماعي والجغرافي. والملاحظة الأخرى أن المواقف الدبلوماسية السودانية كانت دائما اٌقرب إلى مصر حتى على مستوى الخلاف العربي-العربي، وذلك ما يعني أن السودان  ينظر اولا إلى نفسه في المرآة ليرى مصر ثم يتخذ مواقفه، وإن لم يرها فإنه يترك لها تحديد موقفه.
وبصرف النظر عن إتفاق البعض أو إختلافه حول تأثير الدبلوماسية المصرية على السودان في تحديد خيارات الإنتماء للأحلاف الإقليمية أو الدولية إلا أن مواقف الأنظمة السابقة، على ما سببته من ضرر لواقع السودان المتعدد، لم تورط دبلوماسية، وإقتصاد، ومستقبل البلاد في متاهات سياسية كما فعل النظام القائم. وحتى حين غذ السودان السير في تحالفه مع مصر والولايات المتحدة فقد وجد حليفا لحمايته حيث حطت طائرة المشير عبد الحليم أبو غزالة في مطار الخرطوم في ذات اليوم الذي ضربت فيه الطائرة الليبية امدرمان. كما أن طائرة الايواكس الاميركية ظلت بعد أسبوع من الحادثة جاثمة في مطار الخرطوم لفترة طويلة لإظهار الحماية التي يمكن أن يجدها السودان من حكومة ريغان. ولكن الآن ترسو السفن الأيرانية على ساحل البحر الأحمر والتي لاتستطيع أنظمتها الدفاعية التفوق على الأنظمة الدفاعية للولايات المتحدة أو إسرائيل.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه أين محاولات إظهار القوة من مصر للدفاع عن جارتها التاريخية، هذا مع العلم أن مصر ترى بأنها الأقرب للسودان بحكم فزورة المصالح التاريخية للتحرك لحماية السودان في حال تعرضه لإعتداء خارجي، وخصوصا أن القيادة المصرية اليوم هي قيادة التيار الإسلاموي؟ وهل يعني أن مصر تحاول كما قيل إبان زيارة البشير الأخيرة إبعاد نفسها عن النظام السوداني بوصف أن أي إقتراب للرئيس المصري من السودان قد يسبب له حرجا دوليا ومحليا؟ والأبعد من ذلك أين الإدانتين الليبية والتونسية للهجوم الذي قيل إنه موجه من طائرات إسرائيلية، ألا تحتم النصرة الإسلامية على النظام الليبي الذي يفاخر السودان دائما بأنه لعب دورا في خلقه رد الدين للنظام القائم، وألا يهتم حزب النهضة الإسلاموي التونسي المسيطر على البرلمان بأخوانه من إسلاميي السودان ومن ثم إصدار تشريع برلماني لإرسال طائرت إستطلاع ـ مثلا ـ لمساعدة الخرطوم في فقرها للرادارات التي تلتقط السرب الجوي وحدانا وزرافات ؟ وأخيرا هل أرادت القيادة السعودية والتي ظلت تناصر كل الأنظمة السودانية في مثل هذه المواقف إرسال شفرة عميقة لنظام الخرطوم الذي تمثل إيران بالنسبة له حليفا إستراتيجيا ما بعده من حليف؟ ألا يدل الموقف السعودي ومن ورائه الخليجي أن ثمة عزلة عربية وإسلامية بالضرورة..يعاني منها السودان الذي دخل في تحالف كبير وأراضيه صارت ملعبا لتمارين الإحماء لتحقيق الأهداف الكبرى؟ والسؤال الأخير لماذا تبقى أيران الشيعية هي الأحرص على إظهار قوتها للمعتدين من كافة الأنظمة السنية العربية؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تتنوع بتنوع مواقف المنتمين للنظام والخارجين عليه. ولكن تبقى هناك حقيقة لا مفر من قولها وهي أن قدرات النظام القائم العسكرية، والسياسية، والإقتصادية من جهة، وكامل قدرات السودانيين من الجهة الأخرى لا تتحمل التضحية بالسودان لصالح الموقف الآيديولوجي الراديكالي الذي تتقاطع فيه الأهداف السنية مع الشيعية. كما أن الظروف الداخلية التي تعيشها عضوية الإسلام السياسي وفي ظل الأثمان الكثيرة والباهظة التي يدفعها الإسلاميون منذ فترة طويلة لأخطائهم السياسية ومواقفهم الآيديلوجية ستقود البلاد إلى مصير أظلم، ذلك إن لم يتمكن الوطنيون من النشطاء في كل الأحزاب بوقف هذا  الإنحدار السياسي، والامني، والإقتصادي الذي دخلت فيه البلاد بسبب تعلية سقوف مصلحة التنظيم وتهبيط سقوف المصلحة الوطنية. وبصورة أخرى بسبب الوفاء لفكرة الفرد في تحقيق تطلعاته الفكرية المؤدلجة وخيانة فكرة الجماعة المتطلعة إلى تنازل أفرادها هنا وهناك عن الهم الخاص من أجل إستمرار وسلامة التساكن العام.


salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////////