كيف يمكن فهم السيد الصادق المهدي، وبأي مرجعية يمكن بحث أفكاره، ومواقفه.؟ وهل هو يحاول بالتجريب في المواقف والأقوال فهم طبيعة السياسة وتصحيح أخطاءه، وتثبيت إيجابياته، عموما، أم أن إتساقا محددا يربط بين أقوال الزعيم ومواقفه ما يجعله سياسياً مذكورا؟
هذان التساؤلان شغلا ذهني بعد قراءة تصريح الزعيم في مؤتمره الصحفي الأخير المنشور بعض مضامينه في صحيفة (الشرق الوسط) مطلع هذا الأسبوع. ضمن ذلك المنشور نقرأ أن رئيس حزب الأمة طالب النظام بتغيير عناده، وفتح صفحة جديدة في تعامله مع القوى السياسية. والأكثر من ذلك يحث الزعيم بأن يأتي دستور السودان الذي أعده الإسلاميون شاملا في المشاركة في إعداده ثم إجازته، ذلك حقنا للدماء التي يراها تلوح وراء أفق العناد، ولا يراها البشير، أو حتى الجبهة الثورية.
وليس هذا التصريح الأخير إلا جزء من مسلسل تصريحات ومقولات كثيرة ظل يبذلها السيد في حدبه الظاهري على الإسهام من خلال موقعه القيادي والريادي في إخراج بلاده من وهدة الإسلاميين. وهو بهذا الحراك المتواصل والمثابر لا يني من ترجيح خيار السلم عوضا عن الإحتراب مهما تقاذفته الإنتقادات الموضوعية، وغير الموضوعية، من الخصوم الحكوميين والمعارضين على حد سواء.
إن الزعيم ربما من خلال تجربتيه في الإستعانة بالأجنبي والسلاح وصل إلى قناعة أن ما يمكن إدراكه بالبندقية إنما يدرك، هينا، عبر شتل الكلام الهادئ في مزرعة اللئام. فالسيد الصادق بعد إشتراكه في (مجاهدة) نميري، عبر حركة يوليو 76 حيث درب العقيد القذافي مقاتليها ودعمهم لوجستيا، لم يقتنع بأن المقاومة المسلحة لا تجدي فتيلا في الظروف المعقدة للسودان المعقد. ولكنه بعد قيادته أمر إسقاط البشير عسكريا من خلال الإستعانة بإريتريا رأى أن بقية عمره المديد إنما هو للدعوة السلمية، فليكن هذا جزء من فهمنا لمواقفه الآن ريثما نرى في ختام المقال.
يقول جزء من تقرير الشرق الأوسط عن المؤتمر الصحفي "دعا حزب الأمة القومي المعارض، خصمه حزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان إلى فتح صفحة جديدة، يتخلى فيها حزب المؤتمر الوطني عن الانفراد والعناد، وإلى فتح باب المشاركة العادلة، وتحقيق السلام العادل، وإلى إحداث تحول ديمقراطي، ووضع «خريطة طريق» لبناء الوطن من جديد، تحت حماية دستور يجسد قيم ومصالح أهل السودان.."
طبعا بمقاييس الأمل لم يستيئس الزعيم، أو يقنط من رحمة مدعاة في قادة النظام بأن يستمعوا إليه مهما تجاهلوا كل نداءاته التي ظل يطلقها منذ حين طويل. ولقد ظل الزعيم الفاخر، كما وصفه الشاعر أبو آمنة حامد مرة، يتخير منذ فشل نداء الوطن موقفا سماه بالوسطية من أجل أن يوازن بين الأقوال والمواقف بحيث ألا يكون متطرفا في أي منهما. وحتى تهديده المضمر نحو النظام بالتطرف يكون في كل الأحيان رهينا بعدم إٍستجابة أركانه للخيارات السلمية. والحقيقة إننا إذا غصنا في مفهوم الزعيم للوسطية الذي يعتمده في مثل هذه التصريحات فإننا لا نجد معنى آخر لها غير العقلانية. وبهذا المستوى من الرؤية فإن الموقف العقلاني لأي فرد هو بالضرورة موقف وسطي ما دام أن غاية الوسطية هي إحقاق الحق ولا شئ خلافه. وليس من شأن الوسطية أن تغبش رؤية الناس، أو تعين ظالما على مظلوم، أو تبقي على أوضاع مزرية تفتك بالملايين من الناس.
فمعنى الوسطية يستبطن بالضرورة قدرا من الجسارة الشخصية، والإبانة الفكرية، والموقف الحصيف، إذا كانت عملا إسترتيجيا يتقصى الحفاظ على وحدة بلد، أو خدمة إسلام، أو نسيج إجتماعي، أو إحداث تنمية، أو نشر فكرة، أو عقيدة، أو خدمة خط نشر اللغة العربية أفريقيا، مثالا. ولا معنى للوسطية خارج دائرة التعقل في فكرتها وتطبيقاتها، وإلا تكون الوسطية تجريدا باردا لإثارة الجدل، أو ترفا ثقافيا،  أو تنصلا من قول الحقيقة، بدلا من الفصل في مواجهة القضايا، أو الأشياء.
بمنهجه الوسطي الذي يرجع إليه السيد الصادق لبذل الرؤية لم يكن لتصريحه المنشور الذي أوردناه أي قدر من العقلانية، أو الإستبصار الفكري والسياسي. فهو بتجربته السياسية التي إمتدت إلى نصف قرن في أروقة ودهاليز السياسة يدرك أن الإسلام السياسي الذي قرأ عنه الكثير ما جاء ليفتح صفحة جديدة، وإنما ليغلق كل الصفحات التي أنتجها "يساريون، ومنتجات رأسمالية الإستعمار، ويمين متصوف عزل الدين عن السوق والحياة". كانت تلك الأوصاف وما تزال قناعة الحاكمين الذين مارسوا من بعد إحلالا لكل ما يسمونه بـ (الترهات الوطنية). ومن ثم دانت لهم السيطرة بفكرهم الداعي إلى أسلمة البلاد عبر تمكين الحركة الإسلامية (الحديثة) عوضا عمن يسمونهم بأذناب الطائفية (التقليدية) وغيرها من المقولات الموثقة في أدبياتهم. ولذلك تبقى دعوة الزعيم لأهل الحل والعقد من المؤتمر الوطني مردودة إليه، فهم كما يرونه جزء من الفشل التاريخي. ولذلك لا يحفلون به إلا في حال أنه يستطيع خدمتهم في موقف ضرب أمدرمان أو معركة هجليج. يهادنونه في لحظات ضنكهم حتى إن إنقشعت سحابات الهموم وجدنا نافع هو أول من يسئ إلى مفكر الوسطية ولرموز المعارضة.
وليس موقف الأخوان السلبي من السيد الصادق المهدي وحده فمن رأي الإسلاميين أن حزب الميرغني (تابع للتاج المصري) ولعلنا سمعنا الكثير من هذه الآراء بعد إجازة مؤتمر القضايا المصيرية في اسمرا عبر الصحف والتلفزيون والإذاعة. وإذا كان الزعيم يدرك موقف الإسلاميين فيه وفي الظروف التي أنجبته، وفي تجاربه، فتلك مصيبة وإن كان لا يدرك فتلك مصيبة أكبر. ثم كيف يترك حكام اليوم العناد؟ إذن فما الذي يتبقى عندهم؟  أليس هو ذات العناد الذي أدى إلى تمكينهم وتحقيق برنامج إعادة صياغة المجتمع، أليس هو عنادهم في غش حزب الآمة عبر إتفاق جيبوتي ومبادرة أهل السودان وغيرها من التفاهمات التي إنبنت على العناد، وأليس العناد والإنفراد هما الوسيلتان الراجحتان والرابحتان في كل جولات الإسلاميين في مفاوضاتهم مع الجنوب، وحركات الشرق والغرب، وأحزاب الوحدة الوطنية الإنتهازية.
الأكثر من ذلك يوقن السيد الصادق المهدي جادا في تصريحاته أن الإسلاميين يمكنهم فتح باب المشاركة للآخرين، ليس ذلك فحسب بل وتحقيق السلام العادل. ولا نتخيل أن عاقلا يمكن أن يأمل في نظام إرتكب كل هذه الجرائم، وأفسد الحيوات السودانية جميعها أن يكون قادرا على إتاحة الفرصة للآخرين ليقتسموا معه كعكعة التمكين. وأي سلام يتوقعه السيد المبجل في المؤتمر الوطني وهم قد جاءوا إلى السلطة لكي يكرسوا واقع الأسلمة القسرية بالطريقة التي فهموا ثم رأوا إمكانيتها؟. فالزعيم يدرك أيضا أن للسلام مستحقات أخلاقية، وسياسية، وعملية، والأخوان في المؤتمر الوطني أثبتوا أن لا أخلاق لهم وفق تعريف الزعيم نفسه لمنظومات الأخلاق الدينية. فأخلاقهم مستمدة من نظريات سلفية تبيح الكذب، والخداع، والغش، و(مدافرة) الآخرين في كل مكان حتى إن خرجوا من القطر وتركوه لهم لن يسلموا من الملاحقة. أما بالنسبة للمستحقات السياسية والعملية فإن هناك تناقضا بيناً بين الشعار الديني الذي يتخذونه كخلفية للتمكين وفكرة الزعيم المقدرة للسلام.
فالسلام عندهم هو سلامة التنظيم وإن ذهب الجنوب إلى حال سبيله، وإن أصبحت دارفور مرتعا للجنجويد، وإن نهشت الأمراض الفتاكة بالمواطنين، وإن صارت الطرق التي عبدوها دروبا للموت بالجملة. ولسنا هنا في حاجة إلى تذكير الزعيم لإختبار مشاركة كل الذين إنضموا إلى النظام ممن تركوا الحزب، فهناك تجارب لمبارك الفاضل، ومسار، ونهار، وجماعة الهندي، والحركة الشعبية. ألا تساعد كل هذه التجارب، وفوق كل ذلك تجاربه شخصيا، في الحوار مع النظام في الإستيئاس من أي خير في دعوة أهل النظام للتجاوب مع محاذيره التي أملاها الضمير الوطني، كما يبدي إنفاقه لنا؟ ثم ألا يرى الزعيم أن إستراتيجية النظام تسعى دائما لكسب الوقت للتحكم في كل مفاصل الحياة بينما أن إستراتيجيته لا تضيف شيئا نوعيا في المعارضة الجادة حتى يتغير ميزان القوى وبالتالي يمكن أن يردخ النظام للنصائح الغالية السلمية. وإلى ذلك يعلم الزعيم رضوخ النظام التام إلى مطالب المسلحين الذين أوصلهم سلاحهم إلى القصر الجمهوري وبالتالي حقق بعضهم ما لم يدرك بمثل الكلام الهادئ والرزين الذي ينفقه الزعيم في جبهة العمل السلمي.
والحقيقة أن الزعيم في مؤتمره الصحفي الأخير لم يكن موفقا حين أشار إلى من أسماهم بالمزايدين على موقفه. والحقيقة أنه لا يوجد أحد قد قصد المزايدة على تاريخه أو تاريخ حزبه، وإنما دائما ما كانت هناك سهام نقد توجه له، وهذا أمر طبيعي خصوصا وأن السيد الصادق ليس فردا عاديا فهو له وزنه التاريخي مهما ذهبت كل أفكاره التي يريد لها أن تأخذ طابع التجديد أدراج الرياح.
إن الواجب يقتضي على الزعيم بأن يعترف بحق الآخرين في نقده كما يفعل هو في نقدهم. ولعل من هو في موقفه أكثر حاجة للمراجعة والنقد من قبل هؤلاء الآخرين حتى يدعم مساره بمراجعة مقولاته ومواقفه إن كان يؤمن أن نصف رأيه عند أخيه أو أخواته. أما وإن كان يرى أنه الوحيد الذي يرى فكريا أو سياسيا بأفضل من الآخرين، فذلك أمر آخر.
على أن القناعة التي نتوصل إليها أن الوسطية التي ينادي بها الزعيم لا تشكل إضافة لمعالجة قضايا البلاد. فكثير مما يقوله لا يتسم بالجدة، أو الرؤية المقنعة التي تضيف للفكر والسياسة الكثير. بل إن آرائه لم تفلح في توحيد حزبه وبلده فكيف يمكن أن تجمع أهل السودان والقبلة. ولو أن الزعيم قد خصص وقته بهدف التوصل إلى تفاهمات أولية مع عدد من أسرته الإنقاذيين، وقواعده المتناثرة بسبب فشله في توحيد الحزب لأمكن له من بعد أن يجمع السودانيين حوله بوصفه رجل الدولة الذي تحتاجه بلادنا في هذا الزمن المفصلي.  وإذا تم كل هذا لأمكن للمؤتمرات الإسلامية الكثيرة التي يشارك فيها الإستفادة من رؤاه.
عودا إلى بدء نرى أن تصريحات رئيس حزب الأمة الأخيرة لا تجلب إجماعا للعمل المعارض الذي هو محتاج لتخليقه من موقع مسؤوليته القيادية، والتاريخية، والدينية، كما أن هذه التصريحات لا تشكل تهديدا لنظام يدرك هو مدى جرمه، وبوسطية هكذا فإنه من الصعب حقن دماء السودانيين، وإنجاز الديموقراطية.
فالموقف العقلاني والأخلاقي من نظام المؤتمر الوطني يتطلب الصدق الجاد، والعمل نحو إزالته بهدف إيقاف نزيف الدم، والمعاناة، والإذلال، وإنتهاكات الحرمات. وهناك فرق بين الموقف من ضرورة إزالة النظام والقدرة على تجميع الصفوف لتحقيق هذا الهدف بأقل الخسائر. ولعل الزعيم لا يريد أن يفصح بهذا الموقف متخفيا برفع عصا على الحركات المسلحة وأخرى على النظام حتى تكون هناك إمكانية للتلاقي في منتصف الطريق مع هؤلاء أو أولئك يوما. هذا النوع من الوسطية ضار بالزعيم، وبحزبه، وبكل الإتجاهات. ولا أظن أن الفشل المحلي لهذه الوسطية الفقيرة إلى إلهام الناس يؤهلها للذهاب إلى ما وراء البحار لجمع التشرذمات المذهبية الطبيعية التي تملأ أقاليم العالم الإسلامي.




salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]