تابعنا في اليومين الماضيين ما رشح من أخبار حول إنعقاد مؤتمرين تأسيسين لحزبي الامة (جناح السيد عبد الله مسار، مستشار الرئيس، وجناح السيد مبارك الفاضل. وأثناء هذه المتابعة علمنا أن حزب الامة جناح الدكتور الصادق المهدي يعد لإنعقاد مؤتمره قريبا، وربما يفعل أيضا جناح الزهاوي إبراهيم مالك. وما علمنا  به كذلك أن هناك جناحا للحزب يقوده الدكتور أحمد بابكر نهار، ولا أدري إن كان هو الآخر عقد مؤتمره أم ينوي تجميع قواعده لعرس العمل المؤسسي السابق لإنتخابات فبراير.

 

طبعا تتزامن هذه الأخبار  مع ما يعايشه حزب الأمة جناح السيد الصادق المهدي من مشاكل تنظيمية بعد إنعقاد مؤتمره التأسيسي السابع. ولعل الملاحظ أن رئيس الحزب غادر البلاد في الوقت الذي كانت تترقب صدور قرار المحكمة الدولية بخصوص البشير، وكذلك في الوقت الذي كان حزبه قد إنقسم إلى معسكرين: أحدهما يعترف بنتيجة الانتخابات التي أتت بالفريق صديق إسماعيل أمينا عاما للحزب. أما الآخر فيرى أن الاستاذ محمد عبدالله الدومة هو الأحق بالنيابة لولا وجود مؤامرة ما، كما  برر هذا المعسكر رفضه للهزيمة. 

 

وفي مقابل هذه التفرقة العضوية يبدو أن هناك تيارا صامتا داخل (جناح الصادق) يقوده الدكتور آدم موسى مادبو وعبد المحمود الحاج صالح وصلاح إبراهيم أحمد.

 والسؤال الآن هو هل أن ما يعانيه الحزب العتيق هو الإنهيار التام لوحدته التنظيمية أم أن كل ما يعاني منه يمثل أعراضا للإنهيار؟

الحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التي ينقسم فيها حزب الأمة إلى أجنحة. فالزعيم الصادق هو أول من قاد الإنقسام على عمه الهادي بحجة رفضه للجمع بين الامامة والرئاسة. وفي الفترة الديمقراطية الأخيرة تمكن السيد الصادق أن يجمع كل قوى الحزب لصفوفه رغم سعي أبن الامام ولي الدين لتكوين حزب أمة آخر خاض به الإنتخابات وفشل. ومنذها لم نتمكن من معرفة أخباره.

 

الحقيقة الثانية أن الإنقسام الجديد والمؤسف الذي يعانيه الحزب اليوم ليس حصريا عليه. أحزابنا السياسية من أقصى اليسار واليمين عايشت في الماضي إنقسامات حادة والآن تعاني من تشرذم عضويتها إلى أجنحة متعددة. وكل جناح يقول بإنه على حق والآخر على باطل.

 

بالنسبة للأحزاب الشمالية فإن حزب الحركة الإسلامية إنقسم، قبل قليل من الزمان، إلى مؤتمر وطني وآخر شعبي، وهناك تيار داخل الحركة الاسلامية لم يسم نفسه وعماده هم الذين يتخذون موقفا مكتوبا من الحزبين ومن مجمل تجربة الحركة الاسلامية في الحكم. أما الحزب الإتحادي فقد إنقسم إلى أجنحة يصعب حصرها. وبالنسبة لحزب البعث فقد إنقسم إلى أربعة أجنحة. والغريب ان الحزب الوحيد الذي لم ينشطر إلى حزبين، يسيران جنبا إلى جنب، هو الحزب الشيوعي برغم الانقسامات القديمة والحاضرة.

 

من ناحية إستراتيجية فإن المؤتمرات الثلاثة التي إنعقدت لأجنحة حزب الامة، والرابع في الطريق، هي مؤتمرات لصالح نخبة الحزب وليس قاعدته. ومن ناحية ثانية فإن المستفيد الأكبر لهذا التشرذم السياسي هو حزب المؤتمر الوطني والذي يفكر استراتيجيا بأن تمزق حزب الامة يساعده في التقوى ببعض كوادره وقواعده في الراهن السياسي، على أن يحصد بهذا التمزق زرع الحزب التاريخي في مناطقه التقليدية أثناء الانتخابات.

 

ومن الناحية الثالثة فإن الضرر الذي ينجم من هذه التطورات السالبة سيصيب السياسة السودانية في مقتل،كونه يفرغالممارسةالسياسية من فاعليتها ويحول النخب الناشطة فيها إلى شلليات.

 

والحال هكذا ستتضرر البلاد حتما من تشتت وإنتهازية مجهودات النخبة وقاعدتها بسبب تضاؤل أحلام اللاعبين الأساسيين في السياسة وتقصيرها عند حدود جهوية وطبقية ونخبوية وأسرية لا أكثر ولا أقل. 

 

إن مشكلة قادة حزب الامة التاريخيين تتمثل في فشلهم في إنجاز الفكر السياسي الذي يعالج مشاكل السودان. والمؤكد أن كل ما كتبه الصادق المهدي والذين ينتمون للحزب لم يعدو عن كونه مجرد بلاغة سياسية لم تسهم في حل مشاكل الحزب وتطويره، فكيف إذن نتوقع أن يتوحد السودانيون بفكر حزب الامة الذي لم يوحدحزب الامة.

 

وبينما أن قادة الحزب يقيمون ثلاثة مؤتمرات سياسية لم يخرج أي مؤتمر بتصور عملي، قابل للتنفيذ، يحدد الأسس التي تسهم في تجميع صفوف الحزب التاريخي. وإذا كان السادة الصادق المهدي وعبدالله مسار ومبارك المهدي قد أنجزوا مؤتمراتهم بهذا الضعف المؤسسي وبتلك الصورية وبكثير من التحدي الشخصاني لبعضهم البعض فكيف يستطيعون منازلة المؤتمر الوطني في الانتخابات القادمة؟

 

من قبل قال الزميل فيصل محمد صالح إنه "لا يمكن لأي حادب على حزب الأمة وعلى السودان وعلى مستقبل العمل السياسي والتحول الديمقراطي في السودان أن يرى هذا المشهد ويسكت، وإلا أصبح شاهد زور وشريكاً في جريمة الصمت والتواطؤ. هكذا ظنّت الصحافة السودانية ، وهكذا اهتمت وتابعت وكتبت، لكنها تحولت عند البعض إلى شريك في مؤامرة على حزب الأمة، وهذه المرحلة، مرحلة تبني نظرية المؤامرة، هي أخطر وأعلى قمم ومراحل الأزمة.."

 

والثابت أن الزميل العزيز وآخرين ضنوا من الإنتقادات التي ظل يوجهها بعض المنتمين لحزب الامة للصحافة، والذين يفكرون بنظرية المؤامرة ويعتبرون الانتقادات الموجهة لحزب الامة ووقيادته ضربا من المكائد ضده وضدهم.

 

والسؤال هو من الذي يتآمر على الحزب: أولئك الذين يحشدون بعض ألوف لعقد مؤتمرات صورية تمزق في الحزب أم الذين يدينون هذا المسعى بإعتباره تسريع في إتجاه الإستقطاب الجهوي والشللي والأسري.؟ أهم الذين يرون أخطاء القيادات وينتقدونهم بدافع الإصلاح والتقويم أمهم الذين يبررون لهم الأخطاء الجسيمة التي تصيب فاعلية الحزبوتنعكس سلبا على الممارسة السياسية؟

 

ولعل من زاوية رد النقد المستحق على حراك الحزب وعده مؤامرة ضده يبدأ البحث عن الأسباب العميقة التي جعلت هذا الحزب يتصدع إلى ما يقارب الستة تيارات، لا يجمع بينها هدف واحد لخلق الحوار المؤسسي داخل الحزب، وبالتالي يمكن تدعيم قبول الرأي الناقد لقيادات الحزب التي تنظر لمصالحها عوضا عن مصلحة القاعدة.

 

إن لوم السيد الصادق وحده بسبب وصول حزب الامة إلى هذه الحالة من الإنهيار التنظيمي لا يكفي. صحيح أنه صار يتخبط في رؤيته الإستراتيجية، وعجز أن يكون زعيما حقيقيا يقنع هؤلاء الذين شكلوا هذه الأجنحة السبعة، وفشل أيضا في أن يبقى زعيما حكوميا أو معارضا وأسلم الحزب لجيوب داخله دون أخرى، وحين واجهت البلاد محكا هرب إلى الخارج خوفا من ردات الفعل التي بشر بها، ولكن فإن كل الذين إختلفوا معه وكونوا فروعا للحزب يسترزقون بها من خلال الوظائف التي توفرها الحكومة يتحملون نتيجة هذا الإنهيار الذي لا يتضرر منه الحزب وحده وإنما كل الذين يدعمون التحول الديمقراطي.

 

إن الصادق المهدي ضيع فرصة المؤتمر السابع لإجراء إصلاحات جذرية في الطريقة التي يدير بها الحزب. وعوضا عن أن يكون ذاك المؤتمر مجالا لحل المشاكل فقد ساهم المهدي في خلق ذلك المناخ الضبابي الذي أفرز الإنقسام إزاء نتيجة انتخاب الامين العام التي خرج بها المؤتمر. وبدلا عن التدخل لحماية وحدة صف الحزب بعد المؤتمر الأخير فضل النأي بجلده والصمت على نتيجة رؤاه التي يخرجها بالصورية الديمقراطية.

 

حالة حزب الأمة المتناثر لهذا الكم من الأجنحة هي حالة من فكر الماضي وهي التي لا تنفصل عن حالة الفشل التي ظلت تلاحق السودانيين في كل المجالات التي تتطلب تعاون بعضهم البعض.

 

يمكن أن يكابر قادة وعضوية حزب الامة أمام هذه الزعم، ويمكن للاستاذة رباح أو الدكتورة مريم أو الأمام المقبل عبدالرحمن الصادق  المهدي أن يدافعوا عن والدهم ويضعونه في مصاف الزعماء الذين لا يتحملون أسباب فشل البلاد والحزب، ويمكن لكتاب الحزب أن يهاجموا الكتاب الذين يبينوا أخطاء الحزب، كما يمكن لـ"فتوات" حزب الامة أن يمارسوا ضربا مبرحا لكل من تسول له نفسه الجهر بتعليقات جريئة عن أهوال وأحوال الحزب.

 

ولكن الشئ الذي لا يستطيع كل هؤلاء فعله هو إقناع الناس أن (أحزاب حزب الامة) وهي بهذا الانهيار التنظيمي قادرة على إنجاز التراضي بين الشماليين والجنوبيين أو توحيد أهل القبلة.

 

إذا كن السيد الصادق المهدي يتحمل الجزء الاكبر من مسؤولية هذا الإنهيار التنظيمي فإن السبيل الوحيد لتوحيد حزب الامة هو أن يقوم بتوجيه الدعوة للقاء يضم كل الفرقاء، بلا إستثناء، لتذويب الخصومات بينه وبينهم ومن ثم الشروع في عقد مؤتمر عاجل ليخرج بتوصيات محددة حول كيفية قيام الحزب على أسس علمية وديمقراطية واضحة وبرنامج سياسي يحدد وضعية الحزب الذي يقوده، والذي لا نعرف الآن أنه حزب معارض أم حكومي..  

 

إجتماع كل فرقاء حزب الامة لتدارك الامر سيكون آخر محاولة لمعالجة الإنهيار التنظيمي في الحزب. وإلا فالإنتخابات القادمة ستدق آخر مسمار في نعشه.!

 نقلا عن (الأحداث)  

 

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.