وقوع السودان في هامش الدول المتلقية لفكر تنظيم الاخوان رسخ القناعة لدى مستنيريه، أكثر من غيرهم في المنطقة الملتهبة الآن، بأن التميمة الإسلاموية لا تعمل بتضاد مع التعدد الثقافي فحسب، وإنما تقاتلها احتقارا، وكرها، رغم أن هذا التعدد هو الذي يعرف السودان ويعرف به. فإذا استثنينا أن جنوب السودان المسيحي قد صار (ضحية مفارقة) لمشروع حاكمية الله، فإن أقاليم دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، التي تغلب على مواطنيها إسلاميتهم سيكون مصيرهم في ظل السياسة الإسلاموية القسرية هذه أجزاء لا علاقة لها بالوضع الإداري للسودان الذي هو عكس البيضان كما جرت تسمية العرب قديما.
ومع التسليم بأن هذه الهوامش السودانية كانت تعاني قبل تطبيق تجربة الإسلام السياسي في السودان من غياب قدرة الدولة المركزية في التعامل الرفيق مع تعددها الإثني والثقافي، فضلا عن تعامل المركز مع مشاكله البنيوية المتصلة بإدراة أمر السودان المتعدد هذا، إلا أن تجربة عقدين من الزمن كانت كافية بالنسبة للحاكمية الإسلاموية لأن تتوصل، إن كانت تملك أفكارا عملية لا شعارية لاهوتية، إلى حل لهذه النزاعات القومية التي سببها غياب رجال الدولة الحكماء، وتعارك الآيديلوجيات، والتدخلات الإقليمية، والدولية.
وإذا كنا قد أدركنا طبيعة النضال الجنوبي ضد المركزية الإسلامية والعروبية للحكومات السابقة لمثول هذه التي تجثم على صدر السودان، ومن ثم قلنا بصعوبة الوصول إلى تسوية تعايشية مع الجنوب لا تحقق الانفصال عن السودان الشمالي، فإننا لا يمكن أن نحمل الإسلاميين وزر تعقيد التسوية فحسب، وإنما الانتهاء، أيضا، بالجنوب إلى الهرب برمته من السودان الماثل، ذلك أن الإسلام السياسي كان ينبغي، وهو قد طرح نفسه كبديل، أن يحوز على فن الممكن لمسايسة جميع قضايا الكون حتى تلك التي ترتبط بالمسيحيين الذين هم مكوّن أصيل في تاريخ القطر الكبير. ولكن أنّى للفقر السياسي أن يحصد زرعا.
وإن كان لا بد من وحدة القطر، وكذا استقراره الذي يعني منعته، فهل يا ترى ينبئنا انفصال الجنوب، بلا شك، عن قيام تطبيقات نظرية الإسلام السياسي، في نسختها السودانية، على هذا الفقر في الخيال المتصل بالتسييس؟ ذلك على إعتبار أن المحافظة على الجنوب ضمن أقاليم السودان المتعددة كان يمكن أن يمنح حيزه العام ثراءً ثقافيا، ولغويا، ودينيا، فوقا عن أن الجنوب يمثل راهن ومستقبل العمود الفقري للإقتصاد السوداني. ولكونه من ناحية إستراتيجية يؤمن للإسلاموية شرور الجيوبولتيكي الإقليمي، والذي قاعدة تدينه مسيحية عدائية، كما تفكر أدبيات الحركة الإسلامية السودانية. بل إن الدليل الأكبر على هذا التفكير الاستباقي، غير المتسامح دينيا، هو دخول السودان في عداءات وفتور في العلاقات السياسية مع يوغندا، وكينيا، واثيوبيا، وإرتريا، ولعلها هي الدول التي دعمت النضال الجنوبي لوجستيا في غياب التواصل الدبلوماسي معها.
بيد أن الحقيقة تقول إن فاقد الشيء لا يعطيه. فتجربة الإخوان المسلمين السودانيين، بطبيعتها، لم تقم على ضرورة الاعتناء بالخيال السياسي. فهي متحجرة عبر شعارات الإخوان الصمدية التي لا تتيح مجالا لتوسيع أفق النظر السياسي، وبالتالي تكبد السودانيون مشاق تجربة سياسية لم تحقق لهم إلا التناثر آيدلوجيا، وإثنيا، وإجتماعيا.
إن جوهر نظرية الإسلام السياسي أصلا تركز على تمكين عضويتها على حساب الوضع التاريخي لعضويات أخرى مؤدلجة، وغير مؤدلجة، وهي التي تشكل أعمدة التفكير والحراك الوطنيين. ولقد تأتى للإسلامويين حين استولوا على جهاز الدولة إثبات الحنق، بلا هوادة، على من يخالفونهم النظرة السياسية لقضايا الوطن. وسعوا بشبق إلى إزاحة الخبرات السودانية من مجال الخدمة العامة، بصرف النظر عن مستوى تعارضها، أو إمكانية تعايشها، مع سياسة النظام الجديد. أما على مستوى القطاع الخاص فقد وصل الشبق الدفين، والمتجلي نظريا، وعمليا، إلى إمكانية استخدام الأساليب اللاأخلاقية لوأد قدرات الرأسمالية الوطنية السودانية، سواء باستخدام أدوات الدولة، وقوانينها، لإزاحة الراكزين في مجال الخدمات، والاستثمار الاقتصادي، والزراعي، أو عن طريق اعتقال رموز الرأسمالية الوطنية بعد توريطها قسرا في تعاملات اقتصادية.
وربما يدرك المراقبون السودانيون كيف أن عددا من المستثمرين السودانيين في الزارعة، والتجارة، والصناعة، قد تم إفلاسهم عن قصد منظم، ولوحقوا بالسجن بحجة عدم قدرتهم على دفع السداد المستحق للرأسمال الإخواني الذي سيطر على مصارف التمويل في هذه المجالات الإنتاجية. أما المحاولات الأخرى لتدمير وضع الرأسمالية الوطنية فتمثل في ترغيب بعض المستثمرين السودانيين بتوريطهم في سياسة التخريب الإقتصادي، والتجاري، من خلال إكسابهم عضوية حزب (المؤتمر الوطني): اللافتة الجديدة لتنظيم الإخوان في السودان، وبالتالي أمن هؤلاء الذين حافظوا على أموالهم من ملاحقات لسلامتهم، ومعيشتهم، ووضعهم الاجتماعي، والعشائري.
لقد إنبثقت تجربة الأخوان المسلمين في السودان من خلال تركيبته المتمددة في الإثني والجغرافي التي ميزته أكثر من غيره من الأقطار العربية والأفريقية. إذن فليس من قبيل المبالغة القول إن فشل الإخوان في إدارة أمر السودان سيسهم في تهديم تركيبته المتعددة المشابهة لتركيبات عدد من دول المنطقة إذا لم تسبق محاولات تفتيت القطر ثورة شعبية على غرار ما يحدث في بعض الأقطار العربية لتحافظ البلاد على ما تبقى من وحدتها.
ولعل علاقة السودانيين بالثورة ضد النظم القامعة التي حكمتهم تعود إلى الخمسينات، ولقد حاولت نخبته في الحادي والعشرين من أكتوبر 1964 بالثورة من أجل إنجاز منظومة سياسية تبني قاعدة للديمقراطية، وتحقق دولة المواطنة. وكانت الثورة الثانية في الرابع من إبريل 1985 والتي خلعت النميري. سوى أن تينك التجربتين المتعاكستين لواقع الأنظمة السياسية المؤثرة في المنطقة فشلتا في الاستمرار، حيث لم تجدا بطبيعة الحال الدعم السياسي والأدبي الذي يقيل عثراتهما، وهناك أسباب أخرى تخص الكيفية التي تم بها وضع النظام السياسي الذي يحمي ثورة السادس من أبريل. ولقد كان التأثير الإقليمي كبيرا على التجربة الأخيرة. فبعض الحكومات في المنطقة انقلبت على التجربة الديموقراطية الأخيرة للسودان وتآمرت عليها، لكونها تجر إلى أمان وتطلعات ديموقراطية لشعوب المنطقة الرازحة تحت قبضة سلطات مركزية قامعة.
عبر كل هذه التجارب الديموقراطية، والديكتاتورية، كان الإخوان يجيرون هذا الفشل لصالحهم. وبرغم التضحيات الجسام التي قدمها الشعب السوداني، كانت مسميات تنظيم الإخوان تلتف حول هذه التضحيات لتقوي شوكة تأثيراتها السياسية، والإقتصادية، والتعليمية، وبدا أنه ما من فشل أحدثته الحكومات المركزية السودانية المتعاقبة إلا وكان نجاحا للتنظيم الأخواني الذي اتسعت رقعته، وتمددت، حتى اذا انهارت التجربة الديموقراطية الأخيرة للسودان خرج الإخوان بنصيب الأسد من الميراث السوداني.
فمن ناحية تمكن الإخوان، بعد خداع السودانيين بأن لا علاقة تربطهم بالانقلابين العسكريين، من الإمساك بمفاصل الجيش، وبقية الأجهزة الأمنية، والإعلام، والاقتصاد. ومن خلال هذا الثالوث المعين للتسلط تمكنت عضوية الإخوان، شيئا فشيئا، من الانتشار السريع في مناشط الثقافة، والتربية، والإجتماع، ومنظمات المجتمع المدني، وغيرها من الأنشطة العامة. وبعد مرور عقدين انتهى السودان إلى كونه البلد الأول إسلاميا، وعربيا، ذلك الذي يشهد تطبيقا كاملا، وشاملا، وجذريا، لفكرة (الحاكمية لله) أو (الإسلام هو الحل). أما من الناحية الاخرى فقد تآكلت القوى الحزبية التقليدية، وخارت قواها، وهي التي كانت تشكل ترياقا أمام المد الإخواني وساعد هذا الخوار على إنفراد الإسلاميين بتقرير مصير السودان بلا أية منافسة من هذه القوى التي كانت القواعد الفاعلة لإنتماءات السودانيين الدينية، والآيديلوجية.
الناظر الموضوعي لواقع السودان اليوم يلحظ أن تجربة هذين العقدين أوصلت السودانيين، مع بتر الجنوب، إلى حالة أقرب إلى الصوملة يراقبها آلاف مؤلفة من الجنود الأمميين فيما تشرد الملايين من السودانيين في بقاع الأرض لاجئين، ونازحين، وطالبين لفرص عمل. كما ينجلي للناظر أن الدولة المركزية تعايش الآن تمردا مهولا في دارفور، ولسنا في حاجة للتذكير بأن الإخوان المسلمين، ووكلاءهم، تعاملوا مع هذا الحيز الجغرافي المسلم وكأنه (دار كفار)، فمن ناحية استخدموا الآلة العسكرية بفظاظة لقصف القرى، واغتصاب الفتيات، وإبادة قبائل بعينها، وضرب أسفين التعايش القبلي بعد تقسيم المواطنين إلى سود، وعرب، وراح ضحية هذه السياسات ثلاثمائة ألفا من المواطنين ومليون شخصا تشردوا في دول الجوار، وذلك على حسب التقديرات الدولية. وكان من نتاج هذه السياسة الأخوانية، أيضا، أن قد تم توجيه تهم للرئيس السوداني بارتكاب جرائم حرب وإبادة.
وما قبل واقعة دارفور دخل الممسكون بالدولة السودانية في عداء سافر مع كل دول الجوار إبان إعلان الجهاد على مواطني الجنوب، وكان أن اصبح السودان مرتعا للإخوان المسلمين والمتطرفين الإسلامويين من كل دول العالم بقيادة اسامة بن لادن والظواهري وعمر عبد الرحمن، كما أن النظام أتهم بمحاولة اغتيال الرئيس المصري السابق حسني مبارك .
أما واقع حياة السودانيين الآن فحدث ولا حرج. فمركز الدولة يعاني الآن تفككا خطيرا يصعب إمكانية الحفاظ على المكتسبات التاريخية للسودان. فالتنظيمات السياسية القومية التي رعت الانتقال السلس من حالة الاستعمار إلى حالة الاستقلال تفتت بفعل سياسة النظام، وهاجرت الكفاءات بينما البطالة تطبق على السودان رغم استخراج البترول الذي تذهب سبعون من المئة من عوائده للجيش، والأمن. أما مواقع الصناعة والزراعة فقد صارت مرتعا خصبا للمستثمرين الإسلاميين فيما تدنت إنتاجية السودان في كل المحاصيل التي كان ينتجها. ويكفي القول إن (مشروع الجزيرة، الذي كان عصب الاقتصاد السوداني إنهار تماما، وإستولت عليه جيوش الطفيلية الاستثمارية من تنظيم الإخوان المسلمين، هذا فضلا عن إنهيار كل المؤسسات القومية الإقتصادية، والخدمية ووراثتها بواسطة كوادر الأخوان والإنتهازيين من المستثمرين محليا، وإقليميا، ودوليا. وبالنسبة للمؤسسات التربوية، والأكاديمية، والثقافية، والفنية، فقد عايشت تسييسا قضى على فاعليتها، ومهنيتها، وخلص التعليم الحكومي إلى فساد إستثماري يرتع فيه المستثمرون الأخوان، وبالتالي أسهموا في تدني المستوى التعليمي عما كان عليه في السابق، أما المؤسسات الإعلامية فصارت بوقا للمفسدين أما منتوجاتها فتعبر عن حالة الإنحطاط التي يمر بها السودان في هذه اللحظة الحرجة من تاريخه. وإذا نظرنا للشعارات الدينية التي يتمشدق بها الأخوان فإنها لم تورث إلا تدنيا في مثل الأخلاق، والتعايش، والتسامح، والتعامل. أما واقع التضام الإثني والإجتماعي الذي ورثه النظام فقد أفرز الحروب التي غذتها سياسات الإخوان المسلمين وانتهى السودانيون إلى الضيم العرقي المطبق على جهاتهم الخمس. ومع ذلك فإن الكاسب الوحيد من هذه الجولة المكلفة هو تنظيم الأخوان المسلمين (المؤتمر الوطني) والذي لا تعرف قوته، كوارث وحيد لأرض السودان، إلا من خلال الانتشار القاعدي لعضويته على كل نواحي النفوذ، والجاه، والثراء.
إن تجربة الإخوان المسلمين السودانيين في الحكم، برغم أنها تمثل هامش المركز العربي الإسلامي إلا أنها التعبير الحقيقي والنموذج المصغر لطموحات تنظيمات الإخوان المسلمين القطرية. وربما يقول قائل إن للسودان خصوصيته، أو ظروفه المختلفة، أو معطياته التاريخية والإثنية المعقدة، ولكن لا يبدو لأمر الواقع، ايا كانت تجلياته، صلة بجوهر فكرة التنظيم الأخواني. فالقاعدة التي ينطلق منها الإخوان سواء في مصر، أو تونس، أو الجزائر، أو اليمن، أو سوريا، هي إعادة صياغة الواقع القطري أحاديا بأمل تعميم التجربة قوميا، ومن ثم الانطلاق بها نحو المشروع العالمي للإخوان، هذا بصرف النظر عن الخصوصيات الإثنية، أو الإجتماعية، أو الدينية. فالحل دائما بالنسبة للإخوان، كما دلتنا أدبياتهم المنشورة، هو وراثة الدولة القطرية سياسيا، وتربويا، وثقافيا، وإعلاميا، عبر إحلال كوادرهم محل الكوادر الوطنية المتعددة التي تدير جهاز الدولة. ولعله ليس هناك من سبب كاف لأن يجعل الأخوان يثقون في موظفي الخدمة العامة الذين لا ينتمون إليهم.
فضلا عن كل هذا، فإن الإخوان لا يملكون مشروعا وطنيا يقوم على تقديم بدائل عملية إقتصادية، أو تربوية، أو ثقافية، يمكن إقامة الجدل حولها. على أنه لا يعني أن امتلاكهم البدائل الفكرية القائمة على الخيال أن جهدهم الفكري أخصب في هذا المجال أو ذاك من الآخرين، أو اكثر فاعلية وفلاحا. فالأزمات المتعلقة بملاءمة النظم السياسية والإدارية، والفقر الإقتصادي، وشفافية الخدمة العامة، وأسس تنمية الإخلاق العامة، وسد الفجوة بين العلاقات العربية والإسلامية والغرب، وحدود الممكن وغير الممكن إبداعيا وإجتماعيا، وغيرها من الموضوعات لم تحظ بتنظير إخواني متفق حوله وقادر على تجاوز قيمة التنظيرات الأخرى. بالإضافة إلى ذلك فإن هناك إشكالات منهجية في قراءة هذه القضايا حتى وسط منظري الإخوان ولم تستنبط بعد المناهج والمضامين الأقرب للإصلاح. وما خلاف الإخوان السودانيين المكلف والذي أدى إلى التضحية بموسس التنظيم (د. حسن الترابي) وما صاحب ذلك من إتهامات وتدبيرات أنقلابية إلا الدرس الجدير بالتاسي بأن رؤى الأخوان في غالبها قائمة، مبتدأ ً، على الحدس الذاتي ثم من بعد يبحثون في صحراء الماضي لإلفاقها بشرعية دينية حتى يسهل تسويقها، فرضا، على الرأي العام المتدين. هذا غيض من فيض تجربة السودان الإسلاموية، ومجالها عريض لمن أراد الدرس والتعلم من التطبيق العملي لـ (فكرة الحاكمية لله) أو (الإسلام هو الحل).
نقلا عن موقع الأوان



salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]