دعنا نسلم لبرهة أن عناصر الثقافة العربية ـ الإسلامية تواجه تحديات لا مثيل لها في تاريخ القطر. ولكن السؤال هو هل يشرف الذين يقدمون أنفسهم كمستنيرين إسلاميين أن يعتمدوا التسلط على العباد بديلا عن الترفق بهم، والإستبداد سبيلا للدفاع عن هذه الثقافة، ومحاشاة تحدياتها المتفق حولها.
الحقيقة أن هناك عددا من حملة الشهادات العليا داخل الحركة الإسلامية، بداية من (البروفسيرات)، ثم حملة الدكتوراة، إلى حملة الماجستير ممن تلقوا تعليما عاليا، وهم من بعد مثقفون فقهيا، ويعايشون ثقافة العصر، وبعضهم عاش في الغرب، وخبر كيفية فلاح الديموقراطية. بل أن حاجة أقران الإسلامويين في البلدان القامعة هي الديموقراطية، كما حاجة المستبد بهم في السودان إليها.
ربما تأتي الإجابة السريعة من أحد المبرراتية الجازهين للدفاع، حقا أو باطلا، أن السودان حقق نموذجا في تطبيق الشريعة. ولكن لن يستطيع هذا الأحد أن يجزم بأن نخب الحركة الإسلامية في الحكم أسسوا نظاما مدنيا حقق الديموقراطية الكاملة، بما فيها من حرية تنظيم الأحزاب، والنقابات، والصحافة، وغيرها من موجبات النظام الديموقراطي التي تكشف عن نفسها، وتمنع الإستبداد، مثل الذي يناضل ضده إسلاميو الشرق الأوسط.
وقد يستطيع واحد آخر القول إن الإستبداد، وإن جابه العلمانيين و(السودانيين الجديدين) والأحزاب الطائفية و(المطلبيين الجهويين) إنما هو لصالح الدين، ذلك على إعتبار أن فقه الضرورة ألزم الإسلاميين ـ وهم جزء من صراع دنيا ــ بأن يقطعوا الطريق أمام عودة العلمانية التي تقتلع شأفة الإسلامية، وأنه لا بد من وأد الطائفية التي تعيد البلاد إلى مربع البيوتات، كما تقول أدبيات الإسلاميين، وأدبيات آيدلوجيين آخرين.
غير أن هذا الواحد لن يجزم كذلك بالقول إن رأيه منزل. بمعنى أنه لا يأتيه الباطل من خلفه أو يمينه. فالأحق أن هذا الرأي المكابر يعتبر قسطا من الرؤى التي يتداول الناس حولها ديموقراطيا، في حال تساوي الفرص. وهو، بالتالي، ليس أكثر من مجرد رأي. ولا يمكن أن يمثل رأي الله، إنما يمثل فقط رأي ذلك الذي يفسر بناء على معطيات فهمه للسياسة المعطونة في بحر فقه ديني.
وقد يقول عروبي إلتحق بخدمة المؤتمر الوطني إن الظروف التي تجابه الدولة المركزية إستثنائية، أو إنتقالية، أو إستهدافية، أو سمها كما شئت، وعليه ليس أمام الإسلاميين والعروبيين إلا التعامل مع الواقع المعطي في وقت يبدو الإستناد على مثال إسلامي في الأخلاق، وما إلى ذلك من (أمثال خالدة) مدخر للظروف العادية. أي الظروف التي لا تحتاج فيها الدولة الإسلامية إلا إلى تقديم النموذج الأرقى، أي ـ مرة ثانية ـ إستنادا على أن الدعوة الإسلامية في بادئ عهدها إستخدمت آيات الفروع الحاضة على إستخدام القوة، ولذلك لا مناص من الرجوع إلى آيات الأصول الرحيمة كل الرحمة. وذلك الرجوع يتم في حال غياب المبرر لفرض آيات الفروع تجسيدا لتفسير يأخذ أحسن ما أنزل في القرآن الكريم.
كثير من كتابات الإسلاميين قد تترى لإزالة الحرج. ولكن تظل ثقافة الإستبداد التي عايشناها طوال العقدين ـ وأكثر ـ مرئية ومحسوسة، ولا يغالط حولها إلا من له منفعة في غستمرارية هذا الوضع الذي يشوه الإسلام. محسوسة سواء على مستوى توظيف قوة الجيش والأمن، أو خنق حرية الصحافة والصحافيين، أو على مستوى السياسات المتبعة لضبط الشارع. والحال كذلك فإن هذه التبريرات المكلفة بواسطة الإسلاميين لا تشفي الغليل، بقدرما أنها تفتح اسئلة مشروعة عن ماهية المشروع الإنساني الذي كلف أولئك المثقفين بذل حياتهم لتحقيقه بينما إتضح في واقع الأمر أن الاستبداد هو لحمته وسداته.
الصحيح أن التعليم وحده لا يخلق للإسلاموي، وغير الإسلاموي، مرجعا ينطلق منه لتحقيق الخير والشر بالنسبة للثابت والمتغير في حركة البشر. ولكن الأصح، أيضا، أن هؤلاء المتعلمين من المثقفين الإسلاميين يدركون عند أوان الصدق أن الحلال بين والحرام بين.
وعلى هذا الاساس يستطيع الإسلامويين، وغيرهم، التمييز بين ثقافة الإستبداد وثقافة التسامح، بين الصحافة الحرة والصحافة المكبلة بالقيود، بين الجامعات التي تنتج المعرفة والعلم والأخرى التي تخرج أجيالا تفتقر للغة العربية، بين الواقع الإقتصادي الذي يكفي المواطن حاجته والآخر الذي يكلفه الخروج عن القيم، والوقوع من ثم في مصيدة الأجهزة العدلية وهي لا تفهم السياقات التي أدت إلى الجريمة، بين شفافية أجهزة الدولة وفاعليتها في خدمة وحماية المواطن والأخرى التي تخدم أفرادها من حيث أنها أرادت خدمة السلطة، بين النظام الصحي الذي يوفر الضمانين الصحي والإجتماعي للمواطنين ويجعلان الوصول إلى العلاج، والعيش بكرمة، سهلا وميسورا والأوضاع التي تمنع وجود هذا النظام . إن الإسلاميين يستطيعون التمييز، أخيرا وليس آخرا، بين القيادة السياسية القادرة على إنجاز وحدة الوطن والتي تقوده للتمزق كيفما إتفق.
الدين بطبعه دين، ولا يكون كذلك حين يسقط الأخلاقي والمثالي. والسياسة بطبيعها سياسة. ولن تستجيب، في كثير من الأحيان، إلى الأخلاقي، أو المثالي، أو أن ترتقي إلى درجة الكمال كما لو أن الدين يسعى. والأخير له حزم معانيه الثابتة لكبح جماح حركة الفرد، ولا يهم مقامه، أو موقعه في المجتمع.
عند هذا التعارض بين وظيفة السياسة ووظيفة الدين خاض الإسلاميون في تجربة جلب المثال إلى الواقع، أو إخضاع سلطان الدولة إلى روح الدين. بيد أن هذه التجربة لم تملك الإسلاميين تدينا زائدا عما كانوا عليه. ولم تدفع الدولة إلى التقدم خطوات بإتجاه الدين وإطفاء حرائق العسكري، والإقتصادي، والإجتماعي، والثقافي. وإذا جلس الفرد الإسلاموي في بيته، أو بيت أبيه لتمعن التجربة، فهماً ثم مقاربةً، ولأمكن له أن يصل إلى النتيجة: تخثر المشروع، وتبعثر الدولة.
ما من واقع ندرسه الآن من خلال أثر سياسة الحاكمية لله عليه إلا واصابتنا النتائج بالغثيان. وذلك هو لب التخثر المعني. ومع ذلك هل من أمل، والحال هو ذا، أن يبادر الإسلاميون للخطو نحو الإصلاح الذي يبدأ بالإعتراف.؟
(ـ) أعتقد أن الإعتراف بالخطأ هو البداية للإصلاح، وللأسف يبدو أن فرص الإصلاح قد لاحت أكثر من مرة، وكانت آخرها عبر نيفاشا، غير أن ماكنيزم التغيير الإسلاموي فضل المزيد من الإستبداد كخطوة وحيدة نحو إصلاح (غفلات وعلات نيفاشا) اكثر من إصلاح الطريقة التي بها تفكر القيادة السياسية للإسلامويين في إجازة الربا الذي يدخل في باب شغل العلمانيين. والإعتقاد الثاني أن حركة الإسلام السياسي التي تنفر، خفافا وثقالا، لتطويع الواقع للتماهي مع المثال الديني ما كانت محتاجة كل هذه اللفة لتفكر الآن، والآن فقط، حول مشروعية القبول بالقروض الربوية. ألم يكن في هذا القوم رشيد ينظر لهم تحسبا لمثل هذه المطبات التي تفرضها علمانية الدولة؟ ثم لماذا النقاش من أصله حول الربا الذي قال عنه عز وجل أن يمارسه سيبوء بحرب من الله. ومع ذلك، مبروك هذه الإجتهادات العلمانية الطبع يا حركة، ويا وبركة.


salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]