بإصطحاب كل التعقيدات الإجرائية والتنظيمية في الراهن السياسي يبدو أن لا مفر من الانتخابات البرلمانية والرئاسية. والذي يبدو ثانيا أنه رغم عدم وضوح الفرز في المواقف السياسي إلا أن هناك مؤشرات هنا وهناك لنسج تحالفات لخوض إنتخابات حقيقية بعد أكثر من عقدين. أما ثالثة الأثافي فإن فبراير(2009) سيشهد حقائق سياسية جديدة على أرض الواقع إذا لم يعكر صفو السعي للديمقراطية الكاملة شئ.
إحدى محاسن نيفاشا أنها ضغطت في صالح التحول الديمقراطي. ربما أحداث في الزمان وأخرى في المكان جعلت من العسير تطبيق هذه الإتفاقية تطبيقا تاما يقلص قبضة الحركة الإسلامية على السلطة، ويمهد المجال للقوى السياسية للمساهمة في التنمية السياسية. ولكن الشئ الذي لا يختلف حوله إثنان هو أنه لا بد من حدوث شيئين، بعد تجربة إعادة الهيكلة السياسية ما بعد نيفاشا، لتكون الإتفاقية قد حققت غالب النجاح. الشئ الأول هو إجراء الإنتخابات، والشئ الثاني هو الإستفتاء على تقرير المصير.

 


1ــ بقراءة ضغط المجتمع الدولي، الراعي للإتفاقية، لاحظنا أن كل محاولات النكوص ضد الإتفاقية لم يجعله يلقي بالا على التدخل لحماية ما تواضع عليه التياران السياسيان. بيد أنه كان حادا في مرة ولطيفا في مرة أخرى لجر طرفي الإتفاقية لإجراء الإنتخابات. إذ بواسطتها يمكن وجود تسوية وطنية بناء على معطيات الأرض تمهد لتحقيق نتيجة ذلك الإستفتاء.

 


الشاهد على هذا الضغط هو ما رشح من أنباء عن التحرك الأمريكي الأخير عبر زيارتي المبعوثين الاميركيين سكوت غرايشن وجون كيري للبلاد، ثم التبرع بعدها بمبلغ 25 مليون لمفوضية الإنتخابات كدفعة أولى من المعونة الاميركية.

 


وكان البرتو فيرنانديز- القائم بالأعمال الأمريكي- أعلن (استمرار المساعدة الأمريكية المباشرة لمفوضية الإنتخابات وقال إنها خطوة ملموسة من الحكومة الأمريكية للمساهمة في التحول الديمقراطي واجراء انتخابات حرة نزيهة شفافة، وأكد فرنانديز أن حكومته ستواصل في الاشهر المقبلة مساعداتها للسودان حيال تنفيذ اتفاقية السلام الشامل مشيراً إلى أنها ستساعد في دعم الاستفتاء في عام 2011، مطالباً الحكومة والمفوضية والمراقبين ببذل جهودهم لانجاح العملية الإنتخابية)

 


وردا على الإهتمام الاميركي بشأن الانتخابات (اعتبر د.جلال الدين محمد أحمد- الأمين العام للمفوضية- الدعم مبادرة طيبة من أمريكا للمساهمة في عملية التحول الديمقراطي وإنجاح الإنتخابات مشيراً إلى أنها ليست الطرف الوحيد الذي أبدى رغبته في المساعدة مبيناً أن برنامج الأمم المتحدة للتنمية وعدد من الدول أبدت رغبتها في المساعدة.)

 


وعلى جانب الاهتمام الدولي بالانتخابات المقبلة رحب الامين العام للامم المتحدة بان كي مون في تصريحات صحافية بقوله إن (عقد الانتخابات الوطنية في فبراير 2010، يمثل خطوة بالغة الاهمية على طريق تنفيذ  اتفاقية السلام الشاملة.  وقال بان، في بيان صادر عن المتحدث باسمه "اننا نرحب باعلان  لجنة الانتخابات الوطنية السودانية في الثاني من ابريل بان  الانتخابات ستجرى في فبراير 2010".  وأشار البيان الى "ان عقد انتخابات وطنية يمثل خطوة مهمة في  تطبيق اتفاقية السلام الشاملة" وقال الأمين العام إن الأمم المتحدة تقف على أهبة الاستعداد لدعم العملية الانتخابية في السودان)

 


وكان مون قد رحب من قبل بالمرسوم الجمهوري الذي أصدره البشير بتعيين رئيس وأعضاء مفوضية الانتخابات، واصفا إياها بالخطوة الهامة باتجاه تنفيذ اتفاق السلام الشامل بين الشمال والجنوب.)

 


وتواصل مسلسل الترحيب بالانتخابات فقد جاء في الانباء أن (الاتحاد الأوروبي رحب بإعلان السلطات السودانية موعد تنظيم الانتخابات العامة خلال شهر شباط/فبراير من العام القادم وأشار المجلس الوزاري الأوروبي في بيان عن إستعداد الإتحاد بالتعاون مع الأمم المتحدة وكافة الشركاء الدوليين لتقديم كافة المساعدات اللازمة من أجل "تأمين انتخابات نزيهة وشفافة في البلاد"، بما في ذلك إرسال بعثة لمراقبة الانتخابات، ونوه بأن "الاتحاد الأوروبي يبقى على استعداد لتقديم المساعدات وفقاً لطلبات اللجنة الانتخابية الوطنية" السودانية. وركز البيان على ضرورة "تأمين كافة الأجواء" من أجل أن تتم الانتخابات بكل "نزاهة وشفافية"، مشيراً إلى ضرورة تمكين كافة المواطنين، بما في ذلك مواطني اقليم دارفور من الإدلاء بأصواتهم).

 


وبالنسبة للإهتمام الاقليمي بالانتخابات قال الإتحاد الإفريقي إنه (مرتاح لتشكيل اللجنة الوطنية السودانية المستقلة للإنتخابات للإشراف علي أول إنتخابات مهمة وأكد رئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي جون بينغ أن موافقة البرلمان السوداني علي أعضاء فريق الإنتخابات يعتبر حدثا بارزا فى الجهود لعودة السودان "للممارسة الديمقراطية الفعلية" وفقا لمتطلبات إتفاقية السلام الشاملة)

 


2ــ بقراءة التحركات السياسية الحكومية وغير الحكومية لاحظنا أن الحديث والعمل لصالح الإنتخابات صارا من هموم الساحة السياسية منذ بداية النصف الثاني من العام الماضي حيث يحاول كل طرف لملمة صفوفه ومراجعة خططه.

 


وقد انعقدت المؤتمرات القاعدية للحركة الاسلامية والحزب الشيوعي والحركة الاسلامية وحزب البعث والحركة الشعبية. إن آيات الإحساس بحتمية إنعقاد الانتخابات كان قد بدأ بضغط متواصل للقوى السياسية المعارضة لحمل الحكومة لتقديم مشروع قانون الصحافة وكذلك مشروع الامن الوطني للإجازة عبر البرلمان. وقبل ذلك كان قد تم تمرير المجلس الوطني لقانون الانتخابات وتكوين المفوضية القومية للانتخابات برئاسة مولانا أبيل ألير وتكوين مجلس شؤون الأحزاب السياسية برئاسة الاستاذ محمد بشارة دوسة، فضلا عن ذلك فقد تم وضع جدول زمني لسير الانتخابات.

 


3ــ بقراءة الاوزان السياسية حتى الآن يتضح لنا أن المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، راعيا تطبيق إتفاقية نيفاشا، يمتلكان خلافا لبقية الاحزاب السياسية قدرات مالية ولوجستية تكفل لهما خوض الانتخابات بشكل مريح. ولكن ستكون مصداقية تمثيلهما للشمال والجنوب في محل إختبار حقيقي.

 


فمن ناحية يعاني المؤتمر الوطني من أزمات تنظيمية، مهما يكن شكل النجاح المؤقت في القبض على مفاصل السلطة، ويعاني أيضا من عدم القدرة في تسيير شؤون الحكومة والدولة. فضلا عن ذلك فإن إنشقاق جماعة المؤتمر الشعبي عنه شكل ضربة كبرى للتنظيم الحكومي المعبر في جوهره عن تيار الحركة الاسلامية.

 


كما أن رصيده الحقيقي في بقاع السودان المختلفة لم يتعرض للإختبار من قبل. وإذا كان من الممكن القول أن للجبهة الاسلامية القومية رصيد في الفترة الديمقراطية الأخيرة إلا أن ذلك الرصيد، مع ضعفه مقارنة بالاحزاب التقليدية آنذاك، ليس هو رصيد المؤتمر الوطني بشكل ينم أنه أكثر من رصيد المؤتمر الشعبي. خلافا لما يقول قادة حزب المؤتمر فإنه ليس هناك ما يثبت أن المؤتمر الوطني قادر على إكتساح الإنتخابات في ظل عدم تشكل تحالفات واقعية بين القوى السياسية المعتبرة والتي تخوض الانتخابات. وكذلك في ظل الاسئلة الكثيرة، المحلية والدولية، والتي لم يجاوب عليها متنفذو الحزب بكثير من الابداع السياسي.

 


بالنسبة للحركة الشعبية فإن وضعها في الجنوب كما هو وضع المؤتمر الوطني في الشمال. فهي تمسك لا محالة بكل الاجهزة السياسية في الجنوب، ولم تجد حتى الآن قسما سياسيا يستطيع أن ينافسها في الجنوب أو يماثل رهانها على الانتخابات في الشمال أيضا.

 


يتفوق المؤتمر الوطني على إمكانياتها المالية واللوجستية ولكن ذلك لا يعني أنها لا تملك مالا لتوظفه في الانتخابات وتنافس به على مستوى الدوائر التي تتيح لها التنافس، خصوصا إذا دخلت في تحالفات ذكية مع تنظيمات شمالية.

 


 ولكن المشكلة هي أن الحركة الشعبية تعاني منذ زمن وضعا صعبا في الناحيتين التنظيمية والسياسية. من الناحية التنظيمية دلت التجربة أن سياسة الحركة الشعبية ليست براء من أدواء سياسة المركز، والتي حاربتها الحركة بمسوغ أنها توطن خدمة الذات قبل المجموع، وبالتالي بدت المؤسسات السياسية للحركة مثقلة بالإخفاق في مواجهة مشاكل الجنوب اليومية ومشاكل القطر المستعصية.

 


من الناحية السياسية إتضح للحركة أن تعقد القضايا السودانية لا بد أنه سيعقد منظورها السياسي بما يجعله يعتمد على سياسة رزق اليوم باليوم. فسياسة الحركة الشعبية تجاه الأزمات القومية العابرة والمستقرة لا يزال يفتقر للوضوح.

 


وهذا أمر مفهوم إذا كانت القيادة الجنوبية قد فضلت أن ترنوا بنظرها إلى أفق الدولة المتخيلة بعد عام 20011. ولكن عدم الوضوح لازم أيضا طبيعة تعامل الحركة السياسية مع قضايا جنوبية كانت تحتاج إلى رجاحة النظر والتبصر بتجارب التاريخ السوداني بعد الاستقلال. إذن الحركة في خطر، في مواجهتها للانتخابات ولقضايا البلد، إن لم تبتعد من الترنح بين المؤسسات الإدارية الضعيفة والفقر في الإمساك بالقرار السياسي السليم.

 


ورغم الضعف التنظيمي والتخبط هنا وهناك داخل قيادة الحركة الشعبية إلا أن فرصها لمعالجة هذا الضعف الناتج عن قصر عمرها السياسي أكبر من فرص المؤتمر الوطني لإصلاح أفكاره وتاريخه، خصوصا إذا إنتبهت قيادتها لضرورة المراجعة المستمرة لتجربتها في العمل السياسي. فضلا عن ذلك فإن عدم وجود التفكير الاستراتيجي لدى تنظيماتنا السياسية المعارضة في تقوية التجربة السياسية للحركة الشعبية والاعتماد عليها، كما حدث إبان التسعينات، لتقليم أظافر التطرف السياسي، هو السبب الأساس لتركها تواجه واقع سياسي مضطرب لتحقيق تحول ديمقراطي. 

 


أعتقد، بناء على حقيقة أن الانتخابات آتية لا ريب، أن دعم كل قوى التغيير الديمقراطية للحركة الشعبية والتحالف معها في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لهزيمة المؤتمر الوطني هو الخطوة الحقيقية نحو التحول الديمقراطي وتحقيق أول لبنة في مشروع دولة المواطنة. 

 


لا سبيل آخر لإزدهار قوانا السياسية بعد فبراير القادم ومواجهة غول التطرف السياسي والديني إلا بعقد تحالف ملهمي تاريخي مع الحركة الشعبية وهذا التحالف يستطيع أن ينشط فكر وعمل(1) أحزاب الامة والاتحادي والحزب الشيوعي (2) قوى الهامش والسودان الجديد(3) منظمات المجتمع المدني(4) غالب السودانيين المهاجرين (5) المستقلين.

 


يجب أن يكون الشعار الاستراتيجي لهذا التحالف هو (صياغة الأسس العملية لدولة المواطنة الحقيقية) في مقابل ذلك التحالف الذي يصيغ شعاراته بناء على مصالح قادته وسدنته.

 


نقلا عن الاحداث

 


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.