كنا حين نلمحه في حوش الإذاعة، أو في حي بانت بامدرمان، ندرك أنه صنو الصمت الرزين الذي يتجول في جوانح تلك الأمكنة التي كان يرتادها. إلى ذلك، كانت قدماه تترفقان بسطح الأرض حين يغدو ويروح. وحاله هكذا تميزه سرعة معقولة في السير، فيما يخفض رأسه، ولا يرفعه إلا ليتحسس صحة طريقه. كان على المستوى العام متواضعا بامتياز بينما الكبرياء الفني يجلله. ويكاد الخجل أن يكون سمته كما لاحظت أثناء حوار جمعني وإياه وشهدت في عينيه خجلا دفينا.
والحقيقة أنه حق لموسيقارنا الوسيم، والأنيق مظهرا، أن يتواضع. فقد ملك سمعة موسيقية نادرة بسبب نضارة الميلوديات الطروبة التي منحها للفنانين أولا ثم لكل الناس. وما ناله صاحب مقطوعة (فرحة شعب) الشجية من تقدير وتقييم رفيع واعتراف عظيم بما أنتج من ألحان لم يتأت لأحد من مجايليه من الموسيقيين. إذن كان تواضعه ذاك معبرا لما ملك من عطاء موسيقي مشحون بالسودان.
والجدير بالذكر أنه لم يقف الخيال اللحني لمؤلف (المروج الخضراء) عند إنتاجه وإنما فتح الخيال لكل الأجيال المتعاقبة ليفردوا أشرعة التفنين وإسعاد السامعين. وإذ إن أعماله بهذه المتانة التركيبية فإنها تتجلى تناصا في المآثر اللحنية للذين أتوا بعده من كبار الملحنين، منهم حسن بابكر، وبشير عباس، وعبد اللطيف خضر، ومحمد سراج الدين، والفاتح كسلاوي، وعمر الشاعر، وهناك بعض كثير.
والحال هكذا، لا يمتلئ المرء بالتعجب حين يرى بعض أركان الجيل الجديد من المغنواتية، وهم يدخلون خشبة المسرح الغنائي محمولين على كراسي فخيمة، مملوكية الطابع. ولا يزداد تعجبنا أيضا حين تتأثر إعلامية معروفة، وظيفتها تعليم وإعلام الأجيال وحثهم على التواضع، بهذا السلوك المشين إذ هي توظف ذات الكراسي لتفجع الناس بالسلوك الذي بدت عليه يوم زفافها.
لا عجب، فالزمان زمان الادعاء الأجوف، وغياب المعيار الرصين، المحكم، الذي يضع كل امرئ في مقامه الحقيقي. إنه زمان يتم التهجم فيه على حقوق الأموات والأحياء من المبدعين. زمان لا يدرك جيله الناهض سيرة موسيقار لا يمشي في الأرض هونا، وقد ختم حياته لأمته بعد أن أنجز نحوا من أربعمائة عمل بين لحن لقريض وموسيقى بحتة. وكيف توازي تلك الإعلامية الناشئة إنتاجها الضئيل بإنتاج إذاعي آخر بلغ في تواضعه مبلغا كبيرا، وهو الأستاذ عبد الرحمن زياد، الذي كان قد قرأ آخر نشرة إخبارية في (هنا أم درمان) يوم وفاة السيد عبد الرحمن المهدي ومنذ ذلك الوقت ظل يقدم صوته الدافئ عبر إذاعة صوت أميركا ولا يزال يعد البرامج ويقدمها بصوته الآسر ويلفه التواضع النبيل.
لقد كان السر قدور موفقا حين قال يوما: إن برعي محمد دفع الله أول من أعاد الاعتبار لقيمة الملحن، وجعله في مصاف لا يقل عن الفنان.  وحق لأستاذنا قدور أن يصفه بشيخ الملحنين، فهو الذي  قدم لإبراهيم الكاشف الأغنية التي كتبها السر بنفسه وهي (أنا أفريقي أنا سوداني)، ولحن برعي غالبية أغاني عبد العزيز محمد داود، التي تقف (أنت معي، وأجراس المعبد) في قمتها، وقدم لسيد خليفة (كأس وخمر وشفاه)، وقدم  لعثمان الشفيع (أيامنا)، كما قدم لوردي (الوصية) وقدم لعبد الدافع عثمان (البحيرة ومرت الأيام)، كما قدم للجابري (سامحني)، وقدم  لإبراهيم عوض (جمال دنيا، وأعز مكان وطني السودان) كما قدم الكثير لفنانين آخرين من بينهم التاج مصطفى ومحمد الحويج. ولعل هذا مختصر لمئات الأغنيات التي تقف شاهدة على موهبته العظيمة.
ويحدثنا الموسيقار الفاتح الطاهر عن برعي بقوله (كان لا يهتم كثيراً بالأضواء أو صراعات النجومية التي لا تقدم ولا تؤخر، إنما كانت عيناه دائماً مع الناس على ما يقدمه لهم من أعمال. بحيث نستطيع أن نستمع إلى كل أغنياته التي لحنها ومقطوعاته الموسيقية التي ألفها على مدى عشرات السنين دون ضجر ودون أن تفقد بريقها ورونقها وأحاسيسه الجميلة. أنتجها وقدمها برؤية أصيلة متوحدة نابعة من ثقافة موسيقية عريضة بداخله. وبجهده وعرقه ومشواره الطويل صار رمزاً للسودان ورمزاً للفن الجميل والأصالة).
ما نضيفه أن غياب ملحن عظيم مثل برعي أحمد دفع الله ترك فراغا عريضا ليس على مستوى إبداع الألحان فحسب، وإنما على مستوى الإشراف الموسيقي عبر الأجهزة الرسمية أيضا. فقد كانت لبرعي إسهامات ثرة في قيادة أوركسترا الإذاعة السودانية، والمساهمة أيضا بالنصح والرأي بالنسبة للتسجيلات التي تبث للفنانين كما أن عضويته في لجان النصوص كان لها التأثير الكبير في ضبط العمل الموسيقي، بداية بكتابة النوتة الموسيقية ثم مراجعتها فتنفيذها. كما كان له القدح المعلى في اكتشاف المواهب، ونصحها، وترقية الجمل اللحنية للأعمال المقدمة للجنة الألحان بالهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون. وبالإضافة لذلك كانت للموسيقار برعي مجهودات عظيمة من خلال ما كانت تعرف بالورش الموسيقية التي ضمت كبار المغنيين والعازفين واشتغلت على تشذيب الألحان واقتراح اللزمات المناسبة، ولعل وظيفة هذه الورشة لم تكن فقط ترقية العمل الغنائي فقط وإنما هي فرصة للعازفين والمغنيين للاستفادة من الخبرات الكبيرة لملحنين وموسيقيين آخرين أمثال عبد الله عربي، وعلي ميرغني، وعلاء الدين حمزة، ومحمدية الذي يحدثنا بقوله لصحيفة الرأي العام إن (جهود العازفين في الأغنيات القديمة جهود كبيرة ومقدرة. وحقيقة هناك كثير من الأسماء التي ساهمت وصاغت ألحان عدد من الأغنيات الجميلة، من بينهم، موسى محمد إبراهيم والخواض وعبد الفتاح الله جابو ومصطفى حمزة وغيرهم، وضعوا بصمات عفوية، أضافوا وحذفوا، وهذا لم يكن خصماً على مقدرة الفنان لأنه صاحب الفكرة الأساسية، وضربة البداية)
ومن النواحي الأخرى كانت لبرعي إسهامات كبيرة في الزيارات الفنية لخارج السودان وكان يقود الأوركسترا وتجده من خلال العزف على العود يصاحب الفنانين في تسجيلاتهم للإذاعات الخارجية. ولقد استضيف في عدد من هذه الإذاعات ومن بينها إذاعة لندن، حيث تقبع في أرشيفها أعمال كبيرة لبرعي، وتوجد هناك ثلاث أغنيات لبرعي أداها حين بدأ مغنيا كما أفادنا ابنه زرياب، وهو من العازفين الأساسيين في فرقة الفنان محمد الأمين، ونأمل أن يسعى العاملون السودانيون بهذه الإذاعة العريقة لنسخ هذه الأعمال وإضافتها لأرشيف الفنان الكبير الذي لم نجد توثيقا مناسبا لإرثه الموسيقي، وهو الذي طور الوجدان الغنائي السوداني وأوصل إليه أجمل أحاسيس الملحنين والعازفين والمطربين.
وإن كان عبد الرحمن الريح قد أقام جسرا بين الذائقة اللحنية لجيل الحقيبة والجيل الذي نضجت تجربته في الستينيات حتى النصف الأول من السبعينيات، فإن برعي محمد دفع الله كان المجسر بين زمان الملحن المحترف، غير الدارس، والملحن الذي اكتسب علوما موسيقية جديدة مهدت له توسيع آفاق التفكير والإحاطة بموازير المدارس اللحنية الشرقية والغربية، وذلك عبر المعاهد الموسيقية التي درس فيها الموسيقار.
أما إذا كان عبد الرحمن الريح أكثر حرصا على الاحتفاظ بثراء الجملة الموسيقية سمة أساسية في تفكيره اللحني فإن برعي طفق يجدد ثيمات التطريب إلى مستوى متقدم جدا. وحقا يعتبر الملحنان ود الريح وبرعي رائدين لمدرسة التطريب الكثيف، وهما وجهان لعملة التحديث اللحني الحريص على إعطاء اعتبار كبير لخصوصية الميلودية السودانية.
إن برعي بلا شك يمثل أيضا، كما هو حاله في ريادة اللحن، رائدا من رواد الموسيقى البحتة. فعبر مقطوعات برعي، وزملاء آخرين له، تطور تذوق الناس للموسيقى البحتة. وبخلاف أن أعماله كانت تلعب دورا في ترويح المستمعين للإذاعة والمشاهدين للتلفزيون أثناء لحظات الربط بين برنامج وآخر، وأثناء تقديم شعارات البرامج فإن المقطوعات الموسيقية التي ألفها مثلت ركنا أساسيا في تجربته. وأعطت أعماله الشجية الفرصة للموسيقيين للتأليف على نسقها، وإن ظلت مقطوعاته صعبة التجاوز نسبة لإبداعيتها العالية. ولعل ذلك الإبداع يعود إلى سرعة استخدامه لريشة العود، وضعف قدرته على الانتقال السريع من نغمة في أعلى السلم إلى واحدة في منخفضه. كما أن احتشاد ذاكرته السماعية بالتراث الغنائي السوداني جعلت نغماته أكثر سلاسة وتجانسا ورشاقة.
وإذا نظرنا للمقطوعات الموسيقية للجيل الذي جاء بعد جيل برعي لوجدناها، على قلتها، أقل من ناحية كثافتها الإبداعية وتجانس تنوعاتها. بل إن الملاحظ أن المقطوعات الموسيقية لعازفي العود توقفت عند برعي وعلي مكي وبشير عباس. فكل الذين تميزوا نسبيا في هذا الضرب من الموسيقيين الجدد يعتمدون في التأليف على آلات ليست من بينها آلة العود التي استطاعت أن تنقل إحساس الملحنين القدامى. والشيء المؤسف أن أجمل الأصوات التي ظهرت مؤخرا لا تجيد عزف العود، الذي كان يمثل لجيل برعي والجيل الذي تلاه مصدرا أساسيا من مصادر استنباط الألحان والعود هو كذلك الآلة التي يجود بها المغني ضبط صوت النغمة المعنية في السلم (التون). ومن الملاحظ أن الكثير من مطربي اليوم يخرج مرارا من التون مثل خروجه المتكرر عن الزمن، خصوصا عند النغمات التي تتطب (جوابا) خارج السلم و(قرارا) لمدى زمني أطول، وربما يعود ذلك لعدم عزفهم آلة العود.
إن عازفي العود الماهرين يعدون على أصابع اليد برغم تعدد المغنيين والعازفين في مسيرة الأغنية السودانية. وإذا كانت هناك أسماء فرضت نفسها في اتقان آلة العود فإن برعي يقف على مقدمتها بما لعب من دور ريادي في هذا المجال. وقد يختلف الموسيقيون والذواقة حول مدى تقاطع مقدرة برعي في التعامل مع العود مع مقدرة محمد الأمين، وبشير عباس، وأبو عركي البخيت، وأحمد شاويش، وآخرين، بوصفهم من أكثر المغنيين الملحنين الذين وظفوا العود. ولكن يظل لكل عازف من هؤلاء المبدعين طريقته المميزة في استخراج النغمات الشجية والثرية من هذه الآلة الساحرة. وإذا كان ذلك كذلك، فإنه لا يختلف اثنان في أن برعي محمد دفع الله يتصدر حتى الآن قائمة العوادين المهرة الذين أنجزوا عددا من الألحان والمقطوعات الموسيقية.
ولا ندري ما إذا كان هناك موسيقيون دارسون حللوا هذه الأعمال واعتمدوا عليها لصياغة نظرية سودانية في التلحين، ويمكن أن يعتمد عليها دارسو الموسيقى للتعرف على نمط ثري من أنماط التأليف الموسيقي الذي عبر بقوة عن الوجدان السوداني.
والحقيقة أن تجربة برعي محمد دفع الله في تلحين الأشعار، وتأليف المقطوعات تستحق الدرس والبحث والتأويل، كما أن كفاحه الكبير منذ الأربعينيات لتطوير الغناء والموسيقى في السودان ينبغي أن يصنف ويعرف لمصلحة الأجيال المتعاقبة التي تصبوا، بجدية، إلى ترك بصماتها المختلفة التي تمنحها الصيت والكثير من التقدير. كما أن تدريس (منهج برعي في التأليف الموسيقي) يعتبر بمثابة تكريم له، ورد اعتبار حقيقي ومثمن لما بذله في إسعاد جيله والجيلين الحالي والقادم. وعلى هذا الأساس يبقى برعي هرما من أهرامات الثقافة السودانية التي عبرت عن هويتنا الثقافية وحافظت في الوقت نفسه عليها.
ونظن أن المؤلفين الموسيقيين يعتبرون من أكثر المبدعين الذين عبروا عن هويتنا الثقافية وربما يتجاوز أعمالهم عمق التنظير الأدبي والإبداعي حول الهوية، غير أن انشغال الموسيقيين بتطبيق أفكارهم حول الهوية السودانية أو عدم ميلهم للتعبير النظري المدون حول علاقة الموسيقى بالهوية أحدث نحوهم ظلما كبيرا. فكثيرا  ما تخطتهم محاولات نقاد الأدب والتشكيل لإبراز ونقد تفكير المبدعين السودانيين عموما حول الهوية. والثابت أن مساهمات موسيقي واحد مثل برعي لا تقل إطلاقا عن مساهمات المدراس الأدبية والتشكيلية مثل الغابة والصحراء ومدرسة الخرطوم التشكيلية وربما يستبين الوضوح النظري في مدرسة برعي اللحنية أكثر لما هاتين المدرستين من وضوح نظري في شأن التعبير عن الهوية السودانية.
وما ينبغي قوله في هذا الجانب هو أن مساهمات المؤلفين الموسيقيين في تمثيل هويتنا الثقافية السودانوية كان أكثر معقولية وأعمق أثرا في التعبير عن الوجدان السوداني وتوحيده على مقدرات وذوائق جمالية مشتركة. ولو أن المدراس الغنائية قد اجتهدت في إيجاد القواسم المشتركة لثقافة أهل السودان فإنها بتنوعاتها النغمية والإيقاعية والشعرية الفصيحة والعامية وجدت قبولا متعاظما في معظم مناطق السودان، ونعتقد أن لا شيء يمكن أن يوحد السودانيين أكثر من الذوق الغنائي الذي يملكونه. فضلا عن هذه التفردات التي عرف بها الموسيقيون، فإن رموزهم حققوا صيتا للوجدان الغنائي السوداني في كثير من دول الجوار وأكدوا أيضا القاسم المشترك بيننا والشعوب التي تقاسم وجودنا القاري.
وصحيح أن فرص انتشار غناء وموسيقى برعي أفضل من فرص انتشار لوحة الصلحي، أو شبرين، أو قصيدة محمد المكي إبراهيم. ولكن يظل الغناء بوصفه الحاضن للوجدان أكثر تمثيلا للذات السودانية التي قبلت الخماسي الذي حافظ عليه برعي في كل أعماله، وهي ذات الذات السودانية التي لم تقبل السلم السباعي الآتي من الخارج، كما أن المقامات السباعية السودانية خرجت بطابع سوداني منحها القبول في كل بيئات السودان.
والسؤال هو: لماذا انتشرت الفكرة التي أتت من المركز العربي بينما فشلت النغمة العربية في أن تجد مكانا في الذائقة السمعية السودانية؟ ولعل في الإجابة يكمن حقيقة ارتباط مؤلفي الغناء بجذر سودانوي صرف ولعلهم هم الأكثر وعيا بمكنونات الذات المتلقية لإبداعات الصوت واللحون والإيقاعات المصاحبة له.
لقد كان برعي، بعد كل هذه المساهمات المتفردة في مجال العمل الإبداعي والإداري، ضحية من ضحايا السياسيات الإنقاذية الأولى، ففي تلك الفترة شهد الفنانون كرها مضمرا نحوهم عبر تطبيق الدولة لسياسات رعناء بالنسبة للمؤسسات الثقافية، وعليه أصبح المبدعون في هذا المجال هم الأكثر تضررا من تلك السياسات.
إن المسؤولين عن الإنقاذ آنذاك جاؤوا بعدد من الإسلاميين الذين لا علاقة لهم بالإبداع، ولم يسبق لهم أن قدموا إنتاجا في أي ضرب من ضروب الفنون، كما أنهم كانوا لا يدركون خصوصية المشهد الثقافي والفني ولهذا أصدروا العديد من القرارات التي أضرت بالإنتاج الفني، وألحقت الأذى بالمبدعين الذين كانوا يرفدون الأجهزة الإعلامية الرسمية بالعطاء الإبداعي الوفير.
لقد جاء عوض جادين بغير سابق تاريخ مشهود في مجال الإعلام والفنون، ونتيجة لخلو ذهنه من أي معيار موضوعي أو علمي لتقييم المبدعين والإبداع نفذ سياسات عليا بإيقاف عدد من الموظفين بالإذاعة قضى بعضهم أكثر من أربعة عقود فيها. كما أن المتعاونين الذين يعتبرون الشريان الأساسي الذي يغذي نبض الخريطة البرامجية أوقفوا من العمل بالإذاعة ودخولها، وبالتالي حرموا من مصدر للدخل ثابت، رغم ضعفه.
ولقد طال الاستهداف الموسيقار برعي محمد دفع الله الذي صدر قرار بإيقافه عن العمل ومنع من دخول الإذاعة ومعه عدد من رفاقه الذين أسسوا اللبنات الأساسية للعمل الإذاعي حينما كانت الإذاعة تبث نصف ساعة من إرسالها عند كل أسبوع. ولقد تسبب ذلك القرارا في دخول الأستاذ برعي في نوبة حزن شديد لما آل إليه جهل المسؤولين عن هذه الأجهزة القومية. بعد ذلك القرار الجائر أقسم برعي للمقربين منه بألا يدخل الإذاعة مرة ثانية في حياته. وقد أوفى بقسمه إلى أن توفاه الله في يوم خرجت فيه بانت والموردة وحي الضباط وأبوكدوك لتشييعه بشكل مهيب إلى مثواه الأخير.
للموسيقار الكبير الرحمة. ويبقى أن أجمل ما قيل عن برعي قد أبرزه مداد المبدع يحيى فضل الله:
"وتر ينتمي الآن لعزلة في الصمت. يشتهي بمقدار من لوعة و حنين تلك الأنامل وهي تعطيه حياة في الرنين وخلودا في محراب النغم. وتر يستدعي إلفته في احتمالات الروح وهي تبني مركبات اللحن. وتر يكاد ينطق دون ضغط تلك الأنامل ويعلن عن غلظة صوته العذبة ويكاد أن ينتمي إلى قدرة أوتار ربابة (الشيخ إسماعيل) صاحب الربابة وهي تعلن عن قرب جسد الشيخ منها، فتضج وحدها بالرنين دون لمس، ويسيل منها عسل النغمات"

نقلا عن السوداني
salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]