الأزمة التي تواجه بلادنا لا تتعلق بإفتراضات مثل غياب القيادة السياسية الماهرة، أو الفكر، كأدلوجة معززة أو كأسطورة محفزة. فأزمتنا المتخثرة إن تعلقت بغياب التوفيق الجمعي للنهوض، أو بضمور آليات التغيير، تعلقت أيضا بإرتباطنا بدورة رأس المال االإقليمي ولعالمي، و تعلقت كذلك بالفشل في خلق تسوية تضبط وظائف الفرد، والدين، والدولة عبر منظومة إدارية تتآلف مع والمكان والزمان. ولعل هذه التسوية الطموحة قد طال إنتظارنا لها منذ أن تفتحت (الأمة السودانية) على وطن مشترك تقاذفته الرياح الهوج للتحولات الدولية والإقليمية وكذلك تقاذفته برامج سيئة للسياسيين، والإقتصاديين، والتربويين، من السودانيين.
ولو شئت فإن هذه الأزمة المستعصية تستبطن كل هذه الإفتراضات كما إستبطانها لذاتها كشأن وجود إنساني ينبغي أن يتم النظر إليه عبر مناهج تحليل متنوعة، وعبر فرق بحث، كما هو شأن بعض الدراسات الأكاديمية التي يتعهدها فريق عمل، متباين في إختصاصاته، ومتنوع في مصادره المنهجية والمعرفية.
وكذا يمكن النظر لأزمتنا عبر مقاربات سياسية تأخذ في الإعتبار النجاحات التي حققتها الدول التي واجهت أزمات مماثلة للسودان. وأبعد من ذلك ربما يمكن النظر للأزمة عبر تحليل خارجي، كونه غير مقيد بالأجندة المحلية الضيقة كما هو حال معظم التحليلات التي نحسنها، ولكنها في واقع الأمر متورطة، في كثير من مراميها الآيدلوجية، والعرقية، والنفسية، والجهوية، والإنتهازية، إلخ.
قد يقول قائل إن السياسة السودانية هي المسؤولة عن كل هذا الإنهيار. وهذا التحليل صائب من ناحية أنه يقصر الإحتكام على حرث السياسيين، وليس المفكرين أو المفسرين للدين. وكما نعرف أن الحل السهل للناس ينزع دائما إلى تحميل المسؤولية للسياسي. والحجة في ذلك أنهم يرون أن التفكير السياسي ينبغي أن يكون رائدا في تهيئة الظروف المناسبة التي تساعد الروافد المجتمعية الأخرى في بلوغ التطور، ومراجعة هذا التطور إن أمكن.
غير أن الحقيقة هي إن السياسيين وحدهم لا يصنعون التغيير الذي يرغب فيه المجتمع. فهم لا بد أن يسيروا على هدى تفكير فلسفي محدد. وهذا التفلسف ليس هو  شغل السياسيين ، فضلا عن ذلك أن السودانيين لم يقفوا عليه ليجمعوا حوله. كل ما هو هناك الإختلاف السياسي غير البناء. ففلسفة التغيير السوداني لم تبن لا على إسلام مذهبي واحد، ولا على علمانية مقبولة، ولا على مسيحية أو وثنية مقدرتين، ذلك منذ أن عرفت حكوماتنا  العسكرية والديمقراطية الخلفية الفكرية الضرورية التي تعضد إستمرارها.
ما أدى إلى فشلنا هو أن حكوماتنا ومعارضتنا لم تقدر بعد على خلق فلسفة للتغيير تستجيب لأكبر قدر من تطلعات الجماهير، الجماهير التي تعين التغيير ماديا ومعنويا في لحظة اليسر والعسر، وهي ذات الجماهير التي تخلق قادتها وليس في التاريخ من قائد خلق أمة. فالقائد ينشأ بالضرورة داخل وخلال نتيجة صراع الأمة نفسها. ولا يأتي القائد من فراغ. فإن خلقته الجماهير عبر مقدمات موضوعية مثلها حق التمثيل. وإن لم تخلقه المقدمات، موضوعيا، مثل بها وأوردها نتائج الإخفاق القاتل.
حتما على المستوى الآخر من النظر يسهم الضمور الفكري ــ مع تهاون أو جهل الجماهير ــ  في خلق القادة ضعاف النفوس والعزيمة. وهؤلاء يعبرون، في خاتم المطاف، عن مستوى من الخلل في تركيبة الجماهير أكثر من التعبير عن خللهم. ودليل هذا التصور بسيط. فالمجتمعات المتطورة لا يمكن أن تقبل بزعامات مثل زعاماتنا التي أكدت الممارسة ضعفها الفكري والأخلاقي، مع التقدير للإستثناءات. وإذ تتحاشى زعاماتنا الصمود والتضحية أمام المتسلطين من أجل حياة أفضل للجماهير، فإن تلك المجتمعات المتقدمة لن ترضى بوجود أمثلة لهذه الزعامات التي تستثمر ـ مثلا ـ في الدين من أجل أن تكون أبعد عن الإرتباط بأصوله الأخلاقية، وضبطه القيمي.
والحال هكذا فإننا إذا نظرنا للقواعد السودانية لوجدناها بغير فلسفة سياسية جمعية وعظيمة الإعتبار. فهي متناثرة بين قيم تقليدية محافظة ووسطية، وقيم أخرى ليبرالية، معتدلة ومتطرفة. وبالتالي فأن مستوى التلاقي الفكري والسياسي بين هذه القواعد دائما ما يكون نادرا بسبب إختلاف الأهداف والذوائق الفكرية، والسياسية، والنفسية. ومن هنا نشأ التشرذم السوداني وإنعكس على كل مستويات الحياة، بل وربما اصبح من سمات السوداني الفرد إنغلاقه على ذاتياته المتعددة، والتي تبدأ من الذاتية العرقية، وتمر بالذاتية الجهوية، وتنتهي إلى الحلقة الآدلوجية المغلقة والمعلقة: إسلام الإنصار، إسلام الختمية، إسلام الدولة، إسلام أنصار السنة، إسلام الترابي، إسلام الصوفية، إسلام المستقلين، وتذكر أن هناك بقية.
ولا شك أنه ما من أحد يتصور سهولة ربط هذه (الإسلامات) في آصرة سودانية معافاة من الأنانية والهيمنة والتجهيل، ومطرزة في الوقت نفسه بأدب الحوار وقيم العقلانية وتعظيم شعيرة الوفاء للوطن بأقصى ما يمكن. وإذا كنا لا نستطيع الوصول بمكوناتنا المذهبية المسلمة إلى إتفاق مشترك للتعايش والتسامح فما قيمة هذه الإسلامات مجتمعة أو فرادى؟ وما قيمتنا أيضا وسط الشعوب؟ وأكثر من هذا ما هي قيمة ومعاني حياتنا؟
إن إستطالة أمد الأزمة يكمن في كل الإفتراضات الكثيرة، المذكورة آنفا. من بينها غياب الفكرة السياسية التي تحرض الناس على الإجماع المعقول على طبيعة التغيير وكيفياته. ولا يظنن أحد أن التغيير القادم كيفما جاء يمكن أن يمنحنا خارطة التغيير المتوقع والمأمول.
فذات القوى الدينية، والسياسية، والثقافية التي دمرت أي إمكانية للتغيير ورعايته سوف تتسرب في فجوات الظلام لتخلق مثيله على مستوى الحياة العامة. ومع التقدير لكل الإتجاهات السياسية الساعية لنشر وتحقيق المعرفة السياسية، وإنجاز الحرية، والديمقراطية، وإقامة دولة الدستور  لبلادنا إلا أنه توجد هناك فجوة كبيرة بين القواعد السودانية والتنظيمات الراغبة في التغيير. والحقيقة أننا لا ندري الكيفية النظرية والعملية التي تضمن تلاحم الشتات السوداني لإحداث التغيير، وصياغة أهدافه، ورعاية وجوده.
 

salah shuaib [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]