يستلزم التقرير بشأن ماهية المثقف أولا، قبل إتخاذ موقف نقدي من تجربته في الحياة. سواء كانت هذه التجربة تتصل بحيوات سياسية أو ثقافية أو فنية أو مهنية. ذلك أن ماهيات المثقفين معقدة بتعقد (الترب) التي ينبتون فيها. في تصور الكاتب أن تواصل الجدل حول مضمون هذه الماهية يؤكد على أن الإلتباسات (الآيدلوجية والدينية والوطنية) متورطة في تكثيف الضبابية حول هذا المثقف. وهو المثقف الذي كان من الضروري أن ننظر لعمله، فندركه حالا، لا بد. ونختبر سلوكه فنجده مفارقا للسائد. ونتحسس ثمة مواقف إيجابية له من السلطة السياسية، أو حتى الفنية أو الاسرية، فيدلنا توا على روعته، وهكذا. أردت القول إن لكل إتجاه آيدلوجي أو غير آيدلوجي، وطني أو غير وطني، ديني أو غير ديني، بعض فهوم محددة للمثقف الذي يتضامن معه. ومن هنا نشأ الإختلاف الكبير حول إرث هذا المثقف أو تلك المثقفة. على أن هذا الإختلاف نفسه يمثل بشكل أو بآخر جانبا إيجابيا، ما دام أنه يثري الحوار ويعطينا مجالا للتأمل حول مضامين المختلفين ثقافيا. ويعطينا أيضا لمحة عن كيفية تفكير إتجاه نحو إتجاه آخر. والحال هكذا فمن الأهم القول إن ( التثافق هو في جملته تقفي أثر التفكير بالتفكير) لا أكثر ولا اقل. والمثقف، أيا كانت ماهيته، الأصيلة أو المتماهية، إنما هو معلق على ما أنتجه معلقون سابقون.إلى ذلك فإن وضعية المثقفين والمثقفات تتغير من واقع إلى آخر. فإذا كانوا قبل الإسلام يقومون بدور المعبر عن موضوعات قبلية، فهم العلماء، في صدر الإسلام، الذين يفسرون الحديث، ويحضون الناس على إتباع هدي نبينا الكريم محمد (ص). وفيما بعد صار بعضهم، بجريرات معينة، أو لموقف مقصود لذاته، معتزلة يمارسون نوعا من المقاطعة للواقع المفتتن بالخلاف العقيم. وفي فترات لاحقة اصبحوا نقادا للتجربة التاريخية الإسلامية، وليسوا فقط مفسرين للحديث أو معاني الإسلام. ولما وصلت هذه التجربة الإسلامية إلى المثقف المعاصر وجد أن الذين لم يلحدوا يتخذون موقفا عقلانيا من الدين والمتدينيين، والذين كفروا به يتخذون موقفا مضادا للدين من أصله، كونه، بفهمهم، يعيق تطور المجتمع. وما إلى ذلك.!الشئ الآخر هو أن أمكنة المثقفين تختلف بإختلاف أقطارهم ومرجعياتهم الحضارية ومستوياتهم الفكرية والتعليمية. فالمثقف في المشرق عكسه في المغرب. ومثقف الآيدلوجيا خصيم لصديقه الآخر من قبيلة آيدلوجيا القبور أو الجور. والمثقف الذي تخرج في السربون ليس هو ممن تخرج في جامعة القرآن الكريم.فكرة قدح أفكار الناس عن طريق تعريف المثقف الشمالي، ومقابله الآخر الجنوبي أو الغرباوي ليست بعيدة عن التأثر بصعوبة الأحوال المذكورة آنفا للمثقفين وأوضاعهم. ولئن كانت هذه الفكرة مثلا تلغي ــ من ناحية إجرائية ــ الإعتبار للعقلية الإنسانية لتستعين بالعقلية الجغرافية/السياسية، فإنها تعيد من ثم الجدل حول دور (البايلوجيا) في حياة المثقفين. من هذه الناحية يكون التأسيس ــ إن أمكن ــ لعلم (الثقافة الشمالية) والآخرى الجنوبية فكرة للحوار. ولكن تظل الإلتباسات (الآيدلوجية والدينية والوطنية) دائما حاضرة على مستوى الثقافتين بأكثر من حضور العرق والجهة، وإن أغمد البعض سيوف الآيدلوجيا إلى حين.مقترح الثقافة الشمالية قد يحفزنا للبحث عن قراءات إمالة، أو عدمها، وتماسات لون، وموازير أغان، وطرق عدو، وألسن صلاة. بها ربما نكتشف الإتجاهات الفكرية للمثقفين الشماليين. ولكن الاستاذ الذي حرضنا على هذا التأويل أراد أن يبحث في الحركة التاريخية ــ لم يحدد بدء تاريخها ــ للمثقف الشمالي، ومن ثم ربما يبحث عن تيارات ثقافية لمثقفيين شماليين. أيا كانت فكرة مبحثه، فهي محل تأمل من داخلها، وذلك أفضل من تحميلها بإفتراضات لم تستشرفها.الأستاذ جعفر بشير، أحد الكتاب الجادين في تجربة الكتابة الاسفيرية لـ (سودانيزأونلاين) إفترع هذا الجدل الشيق حول المثقف الشمالي الذي عرفه بأنه "أسهم إسهاما كبيراً في خلق الأزمة التي عاشها السودان منذ الاستقلال وذلك بتبنيه الهوية الاسلاموعربية فكرياً وسياسيا ... مستعلياً علي الهويات الأخري ونافياً لها ... إن لم يكن في الوعي فهو يفعل ذلك في لاوعيه والذي يشكل سلوكه التلقائي سواء كان إجتماعياً أو سياسياً ... ولذا إذا ما نظرنا إلي العناصر التي شكلت أحزابنا السياسية الشمالية والتي سيطرت علي مقاليد حكم السودان منذ الإستقلال وحتي تاريخ اليوم نجد أن الخارطة البشرية التي تشكل هذه الإحزاب تعكس فعلياً هذا الاستعلاء والنفي الثقافي ... ولذلك لا نطمح في أن يكون سلوك مثل هذه الأحزاب مخالفاً لطبيعة تركيبتها ..وبذلك اتجهت إلي تكريس السلطة والثروة لصالح ثقافة محددة هي الثقافة الاسلامو عروبية ...إضافة الي الهيمنة الثقافية علي الثقافات الأخري من خلال عمليات التعريب والأسلمة القسرية أو النفي السياسي والبيولوجي في بعض الأحيان.)ويضيف بشير بقوله (هذا الوضع كان من الطبيعي أن يخلق المقاومة لدي الثقافات الأخري ... غير العربية الإسلامية وتصاعدت هذه المقاومة من محاولات سلمية وحوارات ثقافية (لم تجد تجاوباً من الثقافة العربية الإسلامية) إلي صراع بدلاً من الحوار... نتج عنه الوضع الراهن في السودان ...هذا الوضع يمكنه أن يقود الي تفكك وتفتت الدولة السودانية.)ويستطرد الأستاذ جعفر بشير لينتقد سلوك هذا المثقف بقوله إنه (يعكس هذه الحالة في ممارسة إستعلائية علي الآخر (غير الإسلاموعروبي)...هذا السلوك يبدأ اول ما يبدأ كسلوك إجتماعي تجاه الاخرين المختلفين ثقافيا ويتطور مع تطور البنية المجتمعية أو السياسية إلي قمة الهرم ليشكل سلوك متكامل في حالة ما إذا كانت هنالك سيطرة علي هذا المثقف علي مقاليد السلطة حيث يتم وفقاً للحتمية الإسلاموعروبية توزيع الأدوار السياسية والاقتصادية ..."وبعد أن فكر الاستاذ بشير ثم قدر كثيرا رمى لنا بلحمة وسداة همومه: أسئلته المفكرة والتي منها:(..هل كل مثقف شمالي (إثنياً) يصنف ضمن هذا النمط الإسلاموعروبي فكرياً وسياسياً وإجتماعياً؟ هل كل مثقف شمالي (إثنيا) يتحمل مسئولية هذا الإسهام التاريخي في الأزمة السودانية؟ وما هي حدود مسألة التعميم؟..)ربما هناك ناحية أخرى تتصل بمحاولة الأستاذ بشير لإثارة الموضوع واسئلته، وهي ناحية تعاظم فرص العودة إلى (القبيلة/القطيع) أو إلى (الجهة/الإنحسار) هنا وهناك. وهذه العودة قد لمحها كاتبنا الفاضل وأراد بها أن يأخذ موقفا وطنيا من خلال الكتابة المنبهة عن تضاؤل فرص تنمية الثقافة السودانية أو المثقف السوداني، تنمية بإتجاه التعدد وحيويته وتشحيم صيرورته. وربما أراد الكاتب الشاب صنع التجزئة الثقافية التي قد تضرب مضرب العلماء التفكيكيين الذين يضعون (البلوكات) قطعة قطعة للدرس وظنونه، ثم يعيدون ترتيبها، أو قد لا يعيدون. إذن ــ إذا صح تقديري في غياب رد الكاتب ــ فإن بشيرا أراد من حيث إحتسب أو لم... أن يشكك في وجود ولاء لثقافة سودانية شاملة، تكشف عن مثقفها وتضبط تفلتاته الجهوية المرئية وغير المرئية، أو حتى تفلتاته الإنتهازية والأجنبية. فحد تفكير الكاتب جعفر بشير لم يشح ضمنيا بوجهه عن حصر الجغرافيات لتكون مناطق للثقافة، ما دام أنه رأى أن بعض المثقفين الخادمين لهذه المناطق يتحملون وزر إعادة القبيلة والجهة إلى مسار الجدل الوطني. وإلا لما كانت لبشير حاجة ملحة إلى إفتراع ذلك (البوست) الذي كلفه المتابعة، وتحمل سلاطة ألسن الذين يتحاورون بالأنترنت.على اية حال، إن زميلي في الكتابة الاسفيرية، والذي لم إلتقه أو أحادثه من قبل أو أعرف أين يقطن في الدياسبورا أو الوطن، ينبغي أن يشكر على ما يثيره من آراء واسئلة، وينبغي أن يشجع المثقفين وأهل الأكاديميا أن يفكروا حول المثقف الشمالي أو الثقافة الشمالية وجودا أم عدما، فرية أم طيف خيال (زارنا ومضى)، وأن يمنح الإعتبار ويشكر بجزالة على ما يبذل لتكبير الوعي الذي يعم ولا يخص. فالكاتب، ولا بد أنه من الجيل الجديد كما تدل صورته، يشق طريقه الناقد بجدية من خلال أكثر من موضوع كتبه لملأ فراغ النقد الثقافي والسياسي الموجه للمثقف السوداني (المفترض وجوده إذا لم نصدق تقسيمات بشير للمثقفين والمثقفات). ولم لا؟ فهو ربما وجد أن كل الكتابات والكتب التي قرأها لم تشف غليله للإمساك بتلابيب المثقفين السودانيين الذين ظنهم بأنهم يهتمون بقضايا المركز والهامش على حد سواء حتى يكتبوا عند الله كمثقفين سودانيين وليسوا مثقفيين دمازينيين أو فوراويين أو عسيلابيين أو سلفابيين!، ولكن دعني أجدف بالعودة إلى بدء:لا شك أن الشمال والوسط الجغرافيين لعبا دورا محوريا في تشكيل قسمات ما إصطلحنا عليه بالثقافة السودانية بإيجابياتها وسلبياتها. فالرموز الناشطة في مجال السياسية والفكر والغناء والمسرح والصحافة والأكاديميا لعبوا ذلك الدور المثقفي ولا يزالوا يدلون بدلوهم سواء على مستوى التقرير لحاضر أو مستقبل السودان. الأسباب التي عمقت دور المثقف المنتمي لإثنيات الشمال والوسط في تكوين جوهر الثقافة السودانية تتنوع وتتفرع لأسباب تاريخية وذاتية. فمن الناحية التاريخية لعب التعليم الباكر في (تمكين) المثقف المنتمي جغرافيا للشمال أن يفرض تصوراته وأحاسيسه لما ينبغي أن تكون عليه الأوضاع العامة، حتى إن تمدد التعليم حاول مثقفو الهامش لفرض تصورات معدلة للمعطى السوداني الموروث في كامل جوانبه أو عارض جزء منه، سلميا أو حربيا،  أو تحفظ على بعضه.وعقدا فعقد وجدنا أن الأطراف جميعها تسعى للمشاركة في إثراء التجارب في تلك الحقول المركزية المذكورة وأصبح من الممكن أن تكون هناك بعض أصوات سياسية جديدة على مستوى الأحزاب، ومفردات متميزة على ناحية التفكير والإبداع إجمالا وإجتهادات هنا وهناك لأهل الهامش في جلب الأغنية المناطقية للمنافسة والتأسيس لمسرح مختلف أو محاولة تسجيل صوت لوم هنا وهناك في الصحافة للدولة المركزية وسياستها الإقصائية التي تمكن لسودانيين دون سودانيين آخرين.إذن فإن أثر التعليم وتزايد الوعي فرض تنافسا بين مثقفي الهامش والمركز للقبض على مكامن المبادرات الإصلاحية في النواحي السياسية والثقافية خصوصا، وبرغم أن عطاء الهوامش الثقافية يتمايز ويتقاصر في حيله وتكتيكاته السياسية إلا أن هناك رغبة متواصلة للمتعلمين الذين تفرزهم الجامعات لإثبات وجودهم في كل مناحي الحياة السودانية، برغم صعوبة الظروف التي تواجههم والتي إن إرتبطت بغياب السند الحكومي إرتبطت أيضا بقلة علاقاتهم العامة مع الممسكين بمفاصل الحيوات السودانية، وإرتبطت أيضا بعدم وجود إصلاحات جذرية للنظام الداخلي لسيرورة هذه المناحي الحياتية.ما يؤكد كل هذا الزعم هو ما بدا في العقد الأخير من تنازلات أساسية يقدمها المثقفون المنتمون للشمال الجغرافي سواء نحو هامش الجنوب أو الغرب. فالمكاسب التي حققها المثقفون الجنوبيون لأهليهم من سيطرة تامة على أقليمهم هو ما حفز أقليم الغرب ليثور مثقفيه حتى يجدوا القدرة التامة على إدارة أقليمهم والمشاركة في قسمة السلطة التي ظلت ثقافة السياسي الشمالي السلطوي تحصرها على المتحدرين من أبناء الشمال وإن تكرمت منحت بعض الأصوات المحتجة ببعض مناصب وإمتيازات عسى ولعل توقف إحتجاجات أخرى أو توأدها.وسط كل هذه الحروبات والمطالبات السياسية التي طالت الدولة المركزية ظلت غالبية مثقفي الشمال يناضلون لتأكيد أن الأولوية السياسية بالنسبة لهم هي إنجاز النظام الديمقراطي، والذي يرون من خلاله تسوية وطنية لقضية الهوامش المتظلمة ولقضايا الذين يعيشون على هامش المركز السلطوي. بينما ظلت الأولوية السياسية لغالبية المثقفين في الهامش هي تحقيق اكبر قدر من المكاسب الوظيفية والخدمية عبر الأنظمة العسكرية أو الديمقراطية، ولعلهم يرون في هذا الإجراء محاولة ضرورية لإغتنام ما يغتنمه المثقف الشمالي السلطوي.بين الأولويتين (الديمقراطية والمطلبية) تشتت مجهودات مثقفي السودان وبقي، بعد تعقد الأزمة السودانية، من النادر أن يلتقي المثقفون المتحدرون من الشمال والوسط مع مثقفي الهامش الثائرين، وأن يحققوا تحالفا تقوم فكرته على ضرورة الدفع نحو إنجاز المؤسسات الديمقراطية التي فيها تتم إعادة هيكلة الدولة بما يحقق العدل في نسب الوظائف الحكومية، وتنجز على المستوى الآخر نظاما مستداما للرد الحقوق والمظالم، لا يضعف عبر حروبات، مثل التي إستهلكتنا لما يقارب الأربعين عاما، وبعد أن أوقفت التنمية وأهدرت الموارد الإقتصادية والبشرية(حرب الجنوب)، أو عبر الحرب التي تضع كل البلد في محك سياسي خطير قد يذهب بشوكة الدولة (حرب دارفور).الصورة الماثلة الآن ــ يا أستاذ جعفر بشير ــ أن غالب مثقفي الهامش، وأولئك المتحدرين من الوسط  والشمال يعانون كثيرا في بناء ثقافة سودانية متكاملة الأطوار عبر تنازلات حتمية هنا وهناك. وفي ذات الوقت فشلوا في تحقيق نماذج للمثقفين السودانيين الذين يحسون بآلام السودانيين جميعا دون تحيز في الهم القومي لهذه الجهة أو تلك.ربما إحتجنا إلى (أوباما سوداني) ذلك الذي يخرج على حين غرة من بين صفوف الجماهير، ويأتي ليصوغ خطابا يجمع به شعث المركز والأطراف من خلال سند المهمشين آيدلوجيا وسياسيا ودينيا وإقتصاديا وجندريا وجيليا. وحتى ذلك الحين دعنا نقول إن هناك معطيات لثقافة سودانية ــ وإن كانت سماتها شمالية ــ يسهل جدا البناء عليها، بعد إحداث تسوية قومية شاملة. وأن هناك مثقفا سودانيا ــ وإن كان المتحدر من الشمال والوسط مؤثرا فيها بما لا يقارن، ويحتاج فقط أن يكون أكثر إحساسا بدوره.وهنا يبقى السؤال عن ماهية هذا المثقف: نزاهته، وعيه، تحرره، إستثنائيته، صموده، مثابرته، صدقه، إيثاره، وأخيرا إنسانيته. أترك الإجابة للدكتور بدر الدين سليمان، أو الدكتورة بدرية سليمان! نقلا عن (الأحداث)

 salah shuaib <عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.>