عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 




إنبثق الإسلام السياسي في الساحتين العربية والإسلامية ليضع تصورات جديدة لما يجب أن تكون عليه الأحوال العامة في مجتمعاتنا التي ظلت متخلفة لسنين طويلة، تخلف أغرى بعض قوى داخلية مستبدة للإنفراد بالسلطات السياسية والدينية، فيما دفع هذا التخلف القوى العظمى لتوظيف هذا الضعف لإستدامة النشاط الشبق نحو المصالح التي تبحثها في كل تخوم الأرض.
بين قوى الداخل السياسية والقوى الخارجية كان التجاذب حادا حول السلطة، ما أدى إلى بروز طريق ثالث بأفكار لاهوتية تسعى لربط الدولة بحقيقة (ما) طلبتها السماء، وتسعى أيضا لتحييد المسلم إزاء التفكير الحر لفهم الدين. مظنة هذا الطريق أن إبتعاد هذه المجتمعات عن دينها وديانها هو السبب الاساس في عدم نهوضها من الثبات العميق، وأنه إن لم تطبق الشروط الدينية التي أفترعها بقراءات وضعية فإن هذه المجتمعات ستظل عاجزة عن فهم الحقيقة النهائية للإله والسياسة والدين والطبيعة والفرد إجمالا.
على هذا الأساس، واسس أخرى متضمنة في ديباجة التأسيس الدعوي الإسلاموي الأول، وجدت هذه الأفكار تمددا نخبويا ثم جماهيريا. وإقترن هذا التعدد بوقت ظلت فيه الدولة في العالمين العربي والإسلامي عاجزة عن الإستجابة للتحديات القديمة والجديدة التي جابهتها في كل نواحيها. وهكذا ظل إخفاق الدولة، الذي يمكن تفسيره بأكثر من فهم ديني مجتهد، متواصلا دون أن يلوح أي بصيص أمل في معالجة هذا الإخفاق عبر سياسات مشهود لها بالعقلانية، أو الإبداع، أو التسامح.
فوقا عن ذلك فأن ضعف حيلة التيارات السياسية التقليدية والحديثة التي تناوبت في إدارة التركة المثقلة التي خلفها الإستعمار سهل من مهمة الناقدين الإسلاميين لآدائها. وبدا أن هذه الطريقة الناقدة التي دشن بها الإسلاميون برامجهم السياسية قد اقنعت الكثيرين من التائهين في صحراء الإلتزام السياسي للإنضمام إليها. خصوصا وأن جانبا من هذه البرامج يثور العاطفة الدينية للفرد وللمجتمعات معا، وبالتالي رأى فيها النخب التي لم تنتم للتيارات السائدة نموذجا فكريا جديدا للتجريب مع واقع متخلف. فيه من هشاشة الآداء الخدمي للدولة ما لا يخفى، وفيه من ضمور وظيفة الدين ما قد يوحي للبعض أن هناك خللا عضويا في تركيبة المجتمع من حيث علاقتها بالموجودات القيمية. ولهذا غابت ــ بناء على تخريجات الإسلاميين ــ أدوات التطور، وصارت منتجات ومصادر منتجات الدولة نهبا لقوى الإستعمار ووكلاء له من الديكتاتوريين المرتبطين بمرجعيات فكرية، والتي رأي منظرون إسلامويون (بناء على تنشيط عقلي غير مقدس) أنها علمانية وتتصادم مع فكرة الحاكمية لله.
حقيقة السودان التاريخية هي أنه ظل هامشا من هوامش مركزية الثقافة العربية والإسلامية. وهذا يعني أنه يتلقى إنتاجها دائما. والذي عود نفسه أن يقنع بفعل التلقي المستدام إنما، ضمنيا، لا يسهم في إتخاذ موقف نقدي منه، ومن ثم يكون له أثره عليه، وعلى مجتمعه، وعلى المركز أو هوامشه الأخرى.
بهذه الخلفية تلقف السودانيون الأوائل فكرة أسلمة المجتمع السوداني على إعتبار أنها الرافد الأوحد الذي يصب في نهر التحديث لبنى المجتمع التقليدية، وأيضا التحديث في ربط قيم الأولى بقيم الآخرة. وهكذا ظل الإسلاميون، منذ الأربعينات، يكدون سياسيا ــ بشكل براغماتي ــ ومجتمعيا ــ بنوع من النشاط الخلاق المدفوع الثمن، آجلا أم عاجلا. وبهذا الصنيع تمددت أفكار سيد قطب وحسن البنا وبقية من منظريين لأسلمة الدولة اشهرتهم المراكز الإسلامية. وللحق فإن جهدا خارقا بذله الجيل الأول من الإسلاميين وظل بمثابة البنيان الذي تراكم عليه جهد الأجيال القادمة لتطويره عبر مناهج سلمية مهادنة، أحيانا، مع القوى الحزبية ومتعاونة، في حين آخر، مع القوى المستبدة وغير سلمية في أحايين أخرىـ سواء تجاه أنظمة مستبدة، أو إتجاهات ديمقراطية بعينها.
حتى إذا وصلنا إلى مرحلة بداية الثمانينات إتضح لنا جليا فيها أن الحركة الإسلامية السودانية بقيت من أقوى الحركات الإسلامية في المنطقة، حيث قامت على قدرات تنظيمية محكمة، أوجدت لها نسقا داخليا إستحوذت به على قسم من الولاء السياسي للحركة الطالبية في الثانويات والجامعات، كما إستحوزت على بعض مناحي العملين الإقتصادي والتجاري. وكذلك إقامة شبكة من العلاقات الخارجية مع التنظيمات المماثلة في الأقليم والعالم. أما في مناحي الحياة الأخرى فإن الإسلاميين رموا ببذراتهم في المناشط الدينية والثقافية والعسكرية والفنية والأكاديمية والإعلامية وظلوا يرعونها بكثير من المثابرة والدقة في التنسيق بين رموز القاعدة ورموز القيادة.
وحينما دخلوا تجربة مايو في أخريات أيامها تمكنوا من معرفة أسرار الدولة ومراقبة وتدعيم أنشطتهم ومثل ذلك الإختراق الأول من نوعه لحركة إسلاموية على مستوى المنطقة، وعندما جاءت الفترة الديمقراطية الأخيرة مثلت لهم الإرتكاز الثاني، والذي من خلاله تطورت مناشطهم. وفي مرحلة الإنقاذ وصلوا إلى القمة والتي بعدها تم الإنحدار إلى أسفل بأنفسهم وبالمشروع الذي تواتت له فرص التطبيق.
هذه الحركة الدؤوبة للإسلاميين مكنت الكاتب السوداني محمد جميل أحمد من رصدها ونقدها بمقال رصين نشر بصحيفة الحياة اللندنية بتاريخ (30 مارس 2009)، ولقد عرف الكاتب بجديته في تتبع القضايا السودانية والعربية والإسلامية ومقاربتها بمقالات راتبة ينشرها في الصحيفة بجانب كتاب ومفكرين من العالم العربي، ولعل هذا الصنيع الفكري لجميل من ما يجعلنا مسرورين لقدرته في إقناع صحيفة الحياة بتمايز خطابه ومعرفيته العميقة وتضمنه للعديد من المقولات المحفزة للحوار. وفي ذلك المقال قال جميل إن "البنية الايديولوجية لمفهوم الدولة الاسلامية، التي تهمل في نسقها المغلق الشروط التاريخية والموضوعية للعالم الحديث، وحال التخلف التي تعكس سقفاً واضحاً في الخطابات الايديولوجية للتيارات الفكرية والسياسية المختلفة في المنطقة هي التي كانت السبب في فشل ذلك المشروع.."
أرى أن أيدلوجيا الإسلام السياسي في نسختها السودانية والإسلامية لا تهمل القراءة التاريخية المحايثة للنص القرآني والآثار التي خلفتها تجربة الإسلام فقط، وإنما قام أيضا على اسس لهدم أية تصورات لتفسير الدين بناء على معطيات علمية، حتى وإن كانت هذه المعطيات تسقط هي نفسها إهمية هذه القراءة التاريخية. ولهذا تستهدف هذه الأيدلوجية الصماء أية دراسة للدين لا تلتزم بمرجعيتها ليس بأسس الحوار وإنما بأسس إنتهازية أداتها العنف والتكفير أو إغتيال الشخصية. وتستهدف أيضا الطرق الصوفية والجماعة الوهابية وبقية الجماعات الدينية التقليدية لكونها إما أدوات للسلطة السياسية التي تقطع الطريق لتسلط التفسير الإسلاموي، أو لأنها أجسام مفسدة داخل المجتمع المفسد دينيا.
وتستبين مظاهر هذه المصادمة بين الحركة الإسلامية والصوفية التقليدية في أكثر من مظهر على المستوى السوداني وتستبين كذلك على المستوى العربسلاموي في السعودية، برغم أن الإسلام السياسي والوهابية يتبادلان تكفير أية قراءة للنص القرآني وآثاره تتعارض مع نتائج القراءة الأصولية. وتستبين أيضا في مقابل الإسلام الأزهري والذي رؤي أنه بشكل أو بآخر وكيل ديني للمؤسسة السياسية المصرية الرسمية، برغم أن حيثيات قراءته الدينية تتقاطع كثيرا مع الحيثيات التي يتوصل إليها مفكرو الإسلام السياسي فيما خص الموقف من عمل المفكرين المسلمين الذين يدرسون الأثر الإسلامي بناء على مرجعيات علمية حديثة.
من جانب آخر أن هذه الأيدلوجيا الإسلاموية لا تهمل، في الواقع، ما أسماه الزميل محمد بـ" الشروط التاريخية والموضوعية للعالم الحديث" وذلك لسبب بسيط وهو أنها ليست في وعي يمظهر لها جدوى تلك الأدوات المعرفية التي تحلل هذا الاثر التاريخي، فبسبب الإنغلاق المفهومي الذي دخل فيه الإسلامويون تكون الرؤى الفكرية الجديدة الناقدة لهم مجردة من الأسباب التي تجمعها مع حقيقة الله التي أدركوها وحدهم، ولا يرون مسبقا أن الحوار معها قد يكشف لهم خطأ مناهجهم وتقديراتهم التي يتوصلون إليها.
ومن جهة أخرى لم تقف تلك الآيدلوجيا بجدية على عمق المناهج الجديدة هذه. وإذا عرفتها لأدركت إهميتها طبعا وإستعانت بها دون إهمال رآه الأستاذ جميل، أو لأصبح تفكير منظري الإسلام السياسي، إذا فهموا مقصد هذه الدراسات العلمية الحديثة، مثل تفكير الساعين بهذه المجهودات المدرسية لموضعة التراث الإسلامي ضمن سياق تاريخي قابل للتأويل، وهو سياق في أصله يعلي من قيمة المتدين بالإسلام ويضع أمامه حقائقه التي يتوصل إليها عبر الدرس كما هي، بل وأنه يخدم غالب المسلمين على حساب الإنتهازية الشبقة للأقلية التي تريد أن تصل بأهداف تفسيراتها إلى اسلمة الدولة والتسلط بها، وهو تسلط يصرف النظر عن المضاعفات الخطيرة التي قد تطبق على حال المسلمين جراء هذه الأسلمة القسرية، ويصرف النظر كذلك عن الصورة المتخلفة التي يبدو عليها فهم المسلمين لدينهم، ولوظيفة الدين بشكل عام. فضلا عن ذلك فإن السلطة الإستبدادية الإسلاموية لا تهتم كثيرا للأثر السلبي الذي ينطبع في أذهان غير المسلمين وهم يشاهدون نموذجا لتفسير ديني متطرف تسقط مبرراته بأي قياس عقلي.
ولكل هذه الأسباب يستهدف الخطاب الإسلامي الأصولي قراءات نصر حامد أبو زيد أو إجتهادات محمد أركون في إستخدامه للمنهج الأبستملوجي ــ المشكل من جماع المعارف الإنسانية ــ الذي يجوهر الظاهرة الإسلامية بناء على معطيات العلم الحديث وينقيها من الحمولات المجتمعية السالبة. بل أكثر من ذلك إن الخطاب الأصولي يعد هذه القراءات المدرسية للنص القرآني وأثره التاريخي منذ تواتره، مجرد خطرفات علمانية تسعى لهدم أصول الدين، ولا يذهب الخطاب الإسلاموي لعمل مقاربة معرفية، على نسق ذلك البحث المدقق الآخر، لمجادلة هذه القراءات الحديثة وإنما كل ما يسعى إليه بضجيجه الإعلامي هو تكفير هؤلاء الباحثين، ولعل مكتبة الأصولية تخلو من دراسات منهجية إسلاموية موضوعية/مخالفة لما تكرم به أولئك العلماء.
إلى ذلك فإن تورط الإسلاميين في مقتل محمود محمد طه الذي حاول تأويل النصوص القرآنية بناء على إجتهاد، يقنن إهميته الدين نفسه، يؤكد لنا أنهم حتى الآن لم يستوعبوا المنهجية التي إستخدمها زعيم الحزب الجمهوري وتلاميذه للوصول إلى نتائج جديدة، وبالتالي لا يستطيعون مجادلتها بضبط منهجي وكل ما يستطيعون فعله هو مقابلة الجمهوريين وغيرهم بالسباب والتشكيك في تدينهم أوالإرزاء بهم. ولعل ذلك التورط الإسلاموي في قتل طه يعزز القول إن تطبيقاتهم المأزقية لفكرتهم سبقت وصولهم إلى السلطة.
من ناحية ثانية وجدنا أن الظروف التي جابهت المفكر نصر حامد أبو زيد من قبل سلطات التفسير الإسلاموي في الأزهر بسبب تأويلاته للنصوص القرآنية يوضح لنا، ليس فقط كره الإسلاميين لهذا النوع من القراءات التي تستجيب للشروط التاريخية وإنما جهلهم بفهم العدة المنهجية التي يستخدمها أركون وأبو زيد وسيد القمني وعبدالله النعيم ولقد لاحظنا كيف أن حركات الإسلام السياسي قد طالبت بإهدار دماء بعض من هؤلاء المفكرين دون أن تملك الحجة لمناقشة أبحاثهم.
فجهل الإسلاميين بمعرفة المناهج الجديدة إنما يعود إلى الصمدية التي دخلوا فيها عبر التفكير الإسلاموي، وهي صمدية حسمت مسبقا لهم أمر التفكير في وظيفة الدين وكل ما أتصل به من مقدس وغير مقدس. والشئ الذي يكذب هذا الزعم هو توفرنا على مقاربات إسلاموية حديثة للإشتغالات الفكرية التي بذلها أركون والقمني وطه وعلي حرب!.
ويقول جميل "وكان هناك ذهول عن توقع عقبات وعراقيل تنشأ من تطبيق حكم اسلامي في المنطقة وما يمكن أن يجره من كوارث وفق تلك الحيثيات المركبة للواقع الاجتماعي الاقليمي والدولي، ذهول ظل مهمشاً لأسباب وشعارات ايديولوجية وجدت في الأثر عن الخليفة الراشدي عثمان بن عفان: (إن الله ليزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن) حجة بالغة، للتعجيل بالحكم الاسلامي وبناء الدولة الاسلامية بناء فوقياً متجاوزاً الحيثيات المنطقية والشرعية"
إن الاصولية الإسلاموية لا تعبأ بهذه الكوارث التي يتحدث عنها الأستاذ محمد جميل، فهي ذات طبيعة وصولية ولهذا لا يجد حملة معانيها مانعا من أن يجسروا لأهدافها بملايين الموتي وبركام بنى المجتمع ــ البنى التي كانت تتطور بسوالبها وإيجابياتها وتحتاج فقط إلى المزيد من الحرية والديمقراطية ليسفر عن ثمة أفكار سياسية للإصلاح، تلك التي تتوصل إليها قطاعات المجتمع جميعها بالحوار وليس بالقمع او تغذية بيئة التكفير.
والحقيقة إنه في ظل قناعة العقل الإسلاموي بـ"الكسب" السياسوي الإسلاموي يبقى الحديث عن ضرورة إحتفاظ المجتمع لروابطه القومية والعشائرية ووشائجه الإجتماعية أو المحافظة على أبنية الدولة وتنميتها، أو الكشف عن قيم رسالية للدولة المسلمة، أو تمديد أسس العدل والمساواة، أو تحقيق القضاء العادل، أو توفير مناخ للحرية والتسامح والعلم الخ، ضربا من ضروب التوهم الذي ينتابنا نحن (الموسومين بكل سوء وغرض) من قبل الذين لا يناقشون خطابنا ويفندوا خطله حتى يردونا إلى صوابهم.
فآيدلوجيا الإسلام السياسي بالأساس قائمة على تفسير نهائي للواقع وهي في حل عن أية تنازل لصمدية فكرية اخرى أو لأي فكر آخر يرى بأفضل من ما ترى. فالذي يهم آيدلوجيا الإسلام السياسي بالأساس هو تدعيم المجال الذي يستطيع فيه تنظيمها السياسي الميكافيلي الإنتصار على الإرادة المجتمعية وإستعبادها قسريا أو ترغيبيا لمقتضى الإستمرار في وضع تنحط فيه قيم الدين والسياسة معا، ويبقى الفرد فيه مشوها عقلانيا ودينيا، حيث لا يتطور في إتجاه وعيه السياسي الذي فيه يبدع، ولا تكفل له هذه الأصولية الجديدة فرصا وأمثلة لتنمية تدينه أو إعادة التفكير فيه بحرية بدافع التيقن أكثر فيه.
وفي ظروف كهذه لا يهم شكل التطور الذي تضيفه الأصولية الحاكمة لنواحي الأنشطة الإنسانية في الدولة، ولا يهم بعدها إن كانت الدولة قادرة على إرساء قيم ديمقراطية أو عقلانية قابلة للنقد أو الحوار، ولا يهم بعدها أيضا مستوى التردي الإقتصادي أو التعليمي أو التنموي أو خيابة القدرة في الدفاع عن مصالح الجماعة أو إعطاء أمثلة عملية ــ من قبل الإسلاميين ــ لنصوص القرآن التي تتحدث عن قيم الإيثار والسلام والزهد، إلخ. وحتى النقد ــ الإسلامي الطابع أو العلماني ــ الذي يفعل فعله لتبيين هشاشة الدولة المحكومة بالإسلام الأصولي، يجابه بالتسفيه والترهيب مهما إستند على مرجعيات دينية أو إنسانية، ومن ثم يكون الكتاب والنقاد والناشطون في المعارضة، ممن قدروا كشف مساؤي الأصولية وسياساتها وتصورها الإحادي للدين، هدفا مستمرا للإستهداف الشخصي، وتتنوع اشكال الإستهداف وقد تصل ذروتها إلى القتل.
وإذا كان الفكر الأصولي يقوم أصلا على نفي الآخر فإن أخطاءه التي تسبق وصوله للسلطة، وكذا الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها حين يستأسد عليها، دائما ما تجد التبرير بفقه ديني وحين تفشل في ذلك لا تستنكف من الإعتماد على معارف علمانية لتعضيد وجهة النظر المخالفة لقراءات الناقدين لها.
ولعل ما يعني هذه الأصولية في المقام الأول هو هدم هذه الأنساق المجتمعية السابقة للدولة وإحلالها بأنساق جديدة تحقق للإسلامويين مجالا للعمل والإستئساد على نواحيه بحسب أنهم يرون أنفسهم هم الأقدر على تقعيد اسس الصلاح للدين والمتدينيين، وبحسب أننا ــ على ذمة الظن الأصولي ــ أقل إيمانا وبالتالي يجب سوقنا بالقوة والقهر نحو النموذج الذي تتحقق فيه إنسانيتنا السوية.!
ويقول الأستاذ محمد جميل مقالته بقوله إن "أهم ما كشفت عنه التطبيقات الايديولوجية لمفهوم الشريعة والحكم الاسلامي عبر الانقلابات العسكرية والسياسية، في واقعنا المعاصر هو: أن مشكلة المسلمين في الحقيقة ليست مع ربهم أو مع دينهم، وإنما مع فهمهم الايديولوجي والمتخلف للدين.."
والحقيقة أن مآزق التطبيقات الآيدلوجية للإسلاميين إنما بدت في واقع السودان قبل وصولهم إلى السلطة، وتبدو أيضا الآن على مستوى جماعات الإسلام السياسي التي لم تصل للسلطة في أندونيسا والجزائر وباكستان وأفغانستان والصومال ومصر إلخ.
وتمثلت هذه التطبيقات في شكل العنف الذي دشن به الإسلامويون بعض برامجهم، وهو عنف يتناقض مع جوهر الدين، وتمثلت في غياب الإستقامة في الحراك السياسي والإقتصادي والإعلامي. فالفرد الإسلاموي يعلي من المكسب السياسي لتنظيمه على حساب ضرورة بذر أمثلة قيمية من الإسلام. ولهذا أعتمد الإسلاميون على منهج براغماتي يتصادم مع قيم الدين فضلا عن ذلك فإن هذه الحركات الإسلاموية لا تعترف بقيم الآخر المسلم أو غير المسلم أو الحوار والدعوة بالحسنى وبالتالي ظلت الإستقامة المطلوبة في تلك الحراكات أثرا بعد عين.
الاستاذ محمد جميل أحمد في مقاله الموحي عن أزمة الدولة الإسلامية في السودان يصل للقول إن "موضوع الدولة الاسلامية الآن وفي هذا الواقع المعقد للعالم الحديث وموازين القوى الدولية والمعرفية والتكنولوجية فيه، هو قضية جدلية افتراضية بامتياز أي قضية سابقة لأوانها، فالحروب الأهلية التي نشأت عن قيام دولة طالبان، والمحاكم الاسلامية في الصومال وحماس في فلسطين، كل ذلك لا بد أن يحيل الى مراجعات جادة في ذلك المفهوم."
للأسف الشديد أن هذا المتوفر من التجارب الإسلامية التي إستند عليها الاستاذ جميل، كسبب يرجح إهمية مراجعة الإسلاميين لفكرة الدولة الإسلامية التي يتصورونها، لا يلزم دعاة الإسلام السياسي للإعتبار وإعادة الإعتبار للإعتبار.
فالتفسير الجاهز عندهم هو أن كل ما أعترض هذه المشاريع الإسلاموية الخاسرة هو التآمر الخارجي. ولا يذهبون أبعد من ذلك ليتفحصوا التكتيك السياسي المتبع الذي أدى إلى فشل تلك المشاريع، أو معرفة طبيعة فرص النجاح أو الفشل المتوفرة عند الخطو لإنجاز الدولة الإسلامية المتخيلة.
ولعل تجربة هذه الدولة في السودان تنهض دليلا على أن المتحصل من مراجعة المفكرين لتراث الإسلاموية دائما ما يقابل بالرفض ويتم التعتيم عليها، لكونها تضع الفكرة من اساسها في موضع التشكيك في جدواها، بل وتضع المسؤولين عنها في موضع المساءلة والمحاكمة إذا كان هناك قضاء عادلا ونزيها، نتيجة للضرر الذي حاق بالمجتمع والدولة والفرد من خلال الحرث العنيف لتعبيد الطريق نحو إنتصار الغسلاموية.
على أن منجز التجربة الأصولية الإسلامية لم يكشف بعد عن هذه الاسس للمحاسبة المجتمعية، والسبب يعود إلى أنها لاتعترف بسلطة المجتمع ومصلحته قدر إعترافها بسلطة النص، وإذا كانت الاصولية الاسلاموية تولي قدرا من حراكها النشط لإعطاء أمثلة في كيفية نقد تجاربها، نقدا جادا ومسؤولا وملموسا لما إنتهت إلى هذه التجارب النيئة في إدارة مؤسسات الحكم أو المعارضة، ولما كلفت مواطنيها كل هذا الرهق.
إن تجارب طالبان والمحاكم الإسلامية في الصومال وسياسة حماس الحكومية، آنذاك، بالإضافة إلى تجربة السودان والمعارضة الإسلاموية الجزائرية ومجهودات الإسلاميين حول العالم، للتصادم معه كعدو، لا تعدو إلا أن تكون ملمحا من ملامح أزمة الخطاب الاصولي، والذي لا ينمي ذاته بالنقد الملحمي بل هو خصم لدود له، سواء جاء من داخله أو خارجه. والسؤال هو كيف يسهم إنغلاق الفكر في إنفتاحه؟!

 


نقلا عن (الأحداث)