هناك عشر حقائق أساسية حول مسيرات الخرطوم، وبقية أجزاء القطر، ومسيرات الدياسبرا:

أولا: إن الطاقة الكامنة في شعبنا لم تتفجر كلها حتى الآن. والدليل على ذلك أن روح التحدي الجديد الذي لمسناه في هذه المسيرات فاقت الروح الثورية التي سبقت فض الاعتصام. فالشعب السوداني تستبين قدرته أكثر كلما حاول الطغاة قهره، وإجباره على الركوع. ففض الاعتصام الذي امتصته جموع السودانيين بصبر، وجلد، على ما جلب من غضب شعبي عارم، كان محاولة لإجبار الشعب السوداني على الخنوع بالشكل الذي يحدث لشعوب مماثلة ثقافيا في المنطقة. ولذلك كانت المسيرات المركزية الثلاثة لتواجد السودانيين قد أفرزت طاقة جديدة من الإصرار المثابر، والشحن المعنوي والجسارة المطلقة، التي أحسسناها من خلال تعبيرات الحشود الهادرة. لا أدري لماذا لا يدرك الطغاة أن كل استفزاز للشعب يدفعه لأن يكون مثل البركان في غليانه؟.

ثانيا: إن الفلول، والجهات، التي تحاول ضرب قوى الحرية والتغيير بعضها بعضا لخلق الاصطفاف الأيديولوجي لا بد أن خسئت حين شاهدت هذه المليونيات التي جعلت غالبية الشعب خارج منازله لتأكيد ملكيتها الثورة. وذلك في مقابل أقلية سياسية تجاهد لعرقلة نجاح الثورة حتى لا تبور ايديولوجيتها.

ثالثا: إن تحالف قوى الحرية والتغيير مبني على تنازلات منهجية، وسياسية، وأيديولوجية، وجهوية، وبالتالي هو يمثل الحد الأدنى للتلاقي الوطني. وبهذا المستوى فهو أعلى مراحل تحالفاتنا السياسية على ما في طبيعة العمل السياسي الجبهوي من سلحفائية في اتخاذ القرارات، وصعوبة للتوصل إلى ترضيات لكل الأطراف، خصوصا أن الإنفاق على القرارات الجوهرية يقوم على تراضي الأغلبية على الخطوة السياسية، لا على التصويت. ولهذا يظل هذا التحالف رغم إخفاقات هنا وهناك الضامن الأساسي لوحدة السودانيين. العكس هو أن المجلس العسكري، والفلول، وجهات خارجية، يريدون شق التحالف، وإضعافه، وعندئذ هم الكاسبون. القبول الاستراتيجي المطلق بتحالف الحرية والتغيير مهم مثلما يكون النقد البناء ضروريا متى ما حاد عن جادة الطريق.

رابعا: إن تجمع المهنيين السودانيين ما يزال يمثل الرقيب على مجمل الوضع السياسي العام، أو هكذا حدد طبيعة تكنيكه كجهة نقابية مفعلة سياسيا. وربما من هذه الناحية يمثل التجمع بصورة غير مباشرة رقيبا نقابيا بتطلعات سياسية ازاء الرؤية الحزبية لنداء السودان، والإجماع الوطني، وتجمع الحركة الاتحادية، وبقية المكونات. ولكونه منصة نقابية في الأساس فإنه لا يملك أجندة سياسية تخالف المصلحة العامة، وبالتالي يبقى هو الضابط للإيقاع السياسي للتحالف في مد مجادلاته الحزبية وجزرها. فضلا عن ذلك فإن حاجة الحرية والتغيير للتجمع هو أنه يعفي عضويتها من مسائل الإشراف وحدها على قيادة وتنظيم الحراك الثوري، وإنما يتم تناغم في الأدوار المتعلقة بتطبيق خطط المواكب. وبالتالي يلعب التجمع هنا دورا محوريا من خلال المصداقية التي حافظ عليها، كما دلت المسيرات المركزية للثلاثين من يونيو ٢٠١٩. هذه التجربة التي اكتسبها التجمع ضرورية لكون ان يكون لديه اعتبارا لدى مؤسسي هذا التحالف.

خامسا: إن قواعد المسيرات المركزية الثلاثة كما لاحظنا أكدت أن هذه الثورة ما تزال تعمق لدى كل السودانيين أهمية التوحد على كل المستويات الجغرافية. ذلك رغم أن المجلس العسكري حاول استخدام خطاب المركز والهامش بصورة هشة لضرب المكون الثوري، وذلك من خلال خطاب برهان في امبدة حيث أومأ إلى استقطاب جغرافي لصالح مجلسه. فضلا عن ذلك فإن محاولات حميدتي لتوظيف الإدارة الأهلية تكسرت من خلال التقاء كل أبناء الإدارة الأهلية حول تحالف قوى الحرية والتغيير. وكما ندرك أن تحركات حميدتي الأخيرة في هذا المجال تسعى لخلق تصادم بين الإدارة الأهلية والقوى الثورية، واستخدامها ككرت نجاة، ولتأييد احلامه المستقبلية.

سادسا: إن المجتمع الإقليمي، والدولي، في هذا الراهن لا يمكن أن يفرض أجنداته للحفاظ على مصالحه مهما بذل من جهد إذا استهدف تجاوز غالب الإرادة السودانية. فالمسيرات المركزية الثلاثة وضحت أنه ليست هناك جهة في الأرض اليوم يمكن أن ترسم الاستراتيجية السياسية لدولة السودان في ظل طبيعة علاقة السودانيين بالمستبدين. الدليل على ذلك أن المجتمعين الإقليمي والدولي فشلا في الثلاثين عاما الماضية في حل جوهر مشاكل البلاد، أو تثبيت نظام الإنقاذ عبر عدد من الاتفاقيات، والتعاون العسكري، والاقتصادي، والإعلامي، والتجاري، والأمني. كل الاستراتيجيات الجيوسياسة التي شارك فيها خبراء أكاديمون، وبيوت خبرة فكرية، ومحللون استراتيجيون أجانب حطمها شباب وشابات السودان الثائر يوم التاسع عشر من ديسمبر ٢٠١٩.

سابعا: إن فلول النظام المستترين أو المتناثرين في الدولة العميقة، وبعض القوى التي انشقت عنه بعد الثورة، وانتهازيي الدولة، لن ينجحوا في خداع الرأي العام، وكسب المعركة مهما طالت مدتها. وللأسف يهدرون طاقاتهم. ربما يكسبون لبعض الوقت بعرقلة الانتقال السلمي. ولكن على المدى البعيد فلن ينجحوا. وقد جربوا ذلك طوال ثلاثين عاما، ولكنهم لا يعتبرون حتى الآن.

ثامنا: إن الرغبة لحل قضايا السودان عارمة. وهذه المسيرات من خلال مكونها الجغرافي خصوصا تمثل إجماعا على أن انتصار قوى الحرية والتغيير، وتشكيلها منفردة للحكومة المدنية، يمثل الأمل لحل قضايا الحرب، وضبط العلاقة بين المركز والمديريات، والمشاركة العادلة في الثروة والسلطة، وخلق دولة المواطنة التي لا تفرض مذهبا دينيا، أو ايديولوجيا، أو ثقافيا على السودانيين المتعددي المشارب، والخلفيات، والمعارف.

تاسعا: إن اعتماد المجلس العسكري على القوة العسكرية والأمنية الضاربة، والإعلام التضليلي، وشراء ذمم النخب، واستغلال القواعد المجتمعية والإبداعية، والاستعانة بالأجنبي، وشراء الزمن، وانتهاج السياسات الاستبدادية، وترميزات التسلط، لن يخلق استقرارا لحكومة، أو دولة، ولن تصنع كاريزما لقيادة ما. وتاريخ الثلاثين عاما دل على هذا، فالبشير بكل ما وجد من إمكانات الدولة، وخصوصا الإعلامية التضليلية فهو الآن يشيح بوجهه عن الكاميرات في دخوله وخروجه من السجن.

عاشرا: إن الوحدة المتينة عنصر أساسي لنجاح قوى الثورة، ومن يساندونها. فأي محاولة غير محسوبة بحكمة لاتخاذ مواقف فردية لهذه القوى دون مشورة الآخرين يسهم في دعم الأطراف المعادية. وقد اتضح في السابق أن جانبا من استمرار النظام طوال هذه السنين هو استثماره للخلافات السياسية للمعارضة. ولذلك فالحاجة إلى الجدل حول هذه الخلافات داخليا ضرورية، وينبغي عدم اثارتها على مستوى الرأي العام حتى لا تخلق إرباكا، وإحباطا، ومللا للثوار، وغالب الشعب السوداني، وحتي لا يربح دعاة توطين الاستبداد، وحتى لا تتصعب إمكانية لإعادة بناء الوطن.