إن التطورات الحادثة بشأن تفاقم الضائقة الاقتصادية في البلاد لا بد أنها نتيجة لاستيلاء الإخوان المسلمين على كل مدخلات الإنتاج، من جهة، وفشلهم الإداري من الجهة الأخرى في الحفاظ على سعر العملة الوطنية يوم استلامهم السلطة. والحال كذلك لم يبق قيادي إسلاموي دون حصوله على امتياز عمل للاستثمار، سواء في مجال الصناعة، أو التجارة، أو التعليم، أو الصحة، أو الإعلام، هذا ناهيك عن الاستيراد، أو التصدير، أو غيرها من مجالات الرزق. فغالبية الإسلاميين تحولوا إلى ملاك لاقتصاد، وتجارة، وأراضي، وأعمال الدولة. وحين لم يجدوا مالا لاستيعاب الانتهازيين فرضوا حتى على ستات الشاي، وأطفال الدرداقات، رسوما يومية على ما هم فيه من شظف العيش. ومن جهة أخرى سلم الإسلاميون أراضي الدولة لجهات أجنبية، ومع ذلك يمتلكون الآن القدرة الفائقة لتخوين المعارضين، ووصفهم بالعمالة، والارتزاق، للأجانب.

ووسط هذا السقوط الأخلاقي يهدد حسبو شعب السودان بالقتل فيما ينبح مرتزقة النظام الإعلاميين كل يوم ضد أي فعل معارض، وهم ضمن من تحولوا من زمرة الفقراء الى خاصة الأثرياء، كما قال زميلهم القيادي الإسلاموي عمار محمد آدم. وعندما يهدد حسبو بقطع الرقاب فانه لم يضف جديدا لقاموس الإخوان المسلمين في تهديد معارضيهم. وقد قال قوش من قبل إنه سيقطع الأوصال، ولكن كاد زملاؤه تقطيعه بعد اكتشاف انقلابه، وعفوا عنه بينما السجون مخصصة للمعسرين فقط من غير عضوية الحركة الاسلامية الذين لا يملكون نفوذا حتى يخرجوا منها بقانون التحلل.

وبرغم قرينة الثراء الظاهرة للإسلاميين في ظل تكاثر عدد الفقراء في البلاد فإنهم لا يجدون حرجا في ادعاء قربهم للدين، بينما هم يعيشون، ويربون أبناءهم، على استغلال مناخ الجشع الذي هيأته الحركة الإسلامية لعضويتها في ملابسات ما سمي التمكين في الأرض.

لقد انتهى زملاء حسبو دعاة أسلمة الدولة، وتديين المجتمع، إلى لصوص، ومجرمين، لا يتوانون من استغلال كل شبر من الأرض لمراكمة المال، والزيجات، والنفوذ. لم تسعفهم النظرية التي اتخذوها للأسلمة في اعتماد الشفافية في التعامل مع المال العام، أو أراضي، وموارد، البلاد، أو عدم استغلال قوانينها لعزل الآخرين من فرص النجاح في الكدح. فكل ما تبرره نظريتهم هو إعداد أنفسهم بأنهم ظل الله في الارض، وأنهم وحدهم المستخلفون الذين يحق لهم قتل الآخرين، وحرمانهم من الحياة الكريمة، وتجريدهم من حقوقهم، لصالح دولة الاستخلاف. وبهذه الخلفية لم يهتم الإسلاميون كثيرا بحجم الفقر الذي يتنامى كل يوم حتى إن المستشار القانوني عبد الحميد محمد محمود قال إنه عبر محكمة واحدة بلغ عدد حالات الطلاق خمسة وستين ألف.

لقد تفاقمت الأوضاع العامة، وخصوصا الاقتصادية، في البلاد نظرا لضعف استجابة السودانيين لهذا التسييس الإسلاموي غير التقليدي الذي تجاوز إمكانيتهم في الرد. فرغم كل المحاولات المضنية لإسقاط النظام، والتي كلفت عضوية المعارضة مئات الآلاف من الأرواح، إلا أن هذه الحروب التي شنت ضد النظام لم تسهم إلا في ثراء عضويته، وتمتين استمساكه بالسلطة عبر حيل شيطانية متعددة، وتمزيق وحدة المجتمعات السودانية وملماتها في الداخل والخارج. والأكثر من ذلك أن انفراد النظام بالمبادرة في المشهد السياسي مكنه من توظيف الصراعات الإقليمية والدولية لثراء كوادره من مردود الارتزاق من الصراعات المذهبية في المنطقة، أو من تجاذبات القوى الدولية حول موارد العالم الثالث.

وكان من نتيجة هذا التوظيف الإسلاموي لتناقضات العلاقات الدولية الاستنفاع بدخل النفط، والذي ذهب معظمه لمشاريع تجارية خاصة بعضوية النظام، وشراء ذمم النخب السياسية، والثقافية، والإعلامية، والفنية. بل إن سدنة النظام بلعوا مرجعيتهم الدينية بعد أن أحلوا المئات من القروض الربوية حتى ضجت سعاد الفاتح في برلمانهم الصوري بقولها لزملائها: حرام عليكم.

وبعد انفصال الجنوب استعاض النظام بذهب البلاد الذي يستثمر فيه كوادره عبر تشاركات خليجية، وتركية، وصينية. وفي سبيل إلهاء الشباب لعبت الترسانة الإعلامية للنظام دورا عظيما في تضخيم فرص المواطنين للتنقيب التقليدي للحصول على الذهب بينما تستعين شركات كوادر النظام بمصانع للتعدين تضر بالإنسان، والحيوان، والنبات.

إن إسقاط النظام بأي وسيلة ضرورة حتمية لإعادة البلاد الى جادة الطريق الصحيح. ليس هناك من سبيل آخر لإصلاح السودان في ظل بقاء الإسلاميين في السلطة. ويجافي المنطق من يظن أن حل الأزمة السودانية يحتم شراكتهم للانتقال من دولة الحزب إلى دولة المواطنة التي هي لكل السودانيين. ونعتقد أن أي دعوة للحوار مع النظام هي نوع من الترف السياسي الذي لا يبقى ولا يذر، وهزيمة لخيال المعارضة في البحث عن آليات عملية لإحداث التغيير. والذين ما يزالون يراهنون على هزيمة الإخوان المسلمين عبر صندوق الانتخابات تغنينا نتيجة التزوير في انتخابات المحامين الأخيرة من الاستطراد لتبيان عدم صحة تقديراتهم بشأن استعداد النظام لإجراء انتخابات شفافة.

المؤكد أنه مهما تأخرت فرص إسقاط النظام بسبب غياب الآلية فإنه ليس هناك من تفكير عملي، وناجع، آخر للتخلص من تركة دولة الإسلاميين، وبناء سودان جديد هو على نقيض دولة الحزب الواحد التي هيأ لها الترابي الأرضيات. ولذلك فإن التظاهرات المتفرقة التي تشهدها بعض مدن البلاد هذه الأيام هي البداية الصحيحة لإسقاط نظام عاجز عن كل شئ مفيد. وأمام القوى السياسية الفرصة المواتية لتحريك نشاطها، ودعم حركة الجماهير للتخلص من النظام الذي طغى، وتكبر، وأهان كرامة السودانيين.

وحين تخرج جحافل الشعب السوداني المحاصر بالقمع في اللحظة الحاسمة سيدرك حسبو ومن يجاريه في غرور السلطة عندئذ انهم نمور من ورق، وجبناء في الثبات على المبدأ. فالتصريحات العنترية التي أدلى بها تنم عن ضعف، وإفلاس، وجبروت النظام، ولا تنم عن قوة في مواجهة إرادة الشعب. إنَّها تصريحات شبيهة بالوعيد الشديد الذي يبذله الديكتاتوريون حين يحسون أن سلطتهم مهددة بالضياع بعد أن استنفدت كل حيل البقاء. ولعل ما قاله حسبو هو في الحقيقة انعكاس لحالة الخوف التي يعيشها قادة النظام من أن يقعوا يوما تحت إسر الثورة الشعبية حتى يواجهوا العدالة. ومهما اشتدت القبضة الأمنية التي تحاصر شرفاء البلاد هذه الأيام فإن لا شئ يفت عضد جهد كل المنادين بالتحرر من استبداد الحركة الإسلامية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.