حيدر ابراهيم علي
مركز الدراسات السودانية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
يكاد الانسان ان يجزم بأننا شعب – وبالذات نخبته وقياداته – غير جاد رغم التجهم والكآبة المنتشرة، وأننا نسئ تقدير الأمور كثيراً. وهذا ليس حكماً جائراً ومرسلاً ولكن من يتابع كيف نناقش ونعالج مشكلاتنا يتضح لنا ذلك الأمر جلياً. فنحن نتعامل مع أخطر الأمور بكثير من الثرثرة والضجيج. كذلك نخترع القضايا الانصرافية ومعدومة القيمة: اجتماعياً وثقافياً وسياسياً. وهل تكون اللامبالاة شجاعة وحكمة حين تقترب الكوارث منا ونحن في اللهو واللغو منصرفين؟ واحياناً أجد بعض العذر في تراثنا: ألم يعقد اجدادنا سباقاً للحمير وانشغلوا به، بينما الكارثة ستزحف عليهم؟ أظننا ابناء صدق لتاريخ من عدم الجدية. وقد ينبري من يقول انه التوكل، ولكنه توكل دون ان نعقلها او نعقل.
يعيش السودانيون هذه الايام تحديات عظيمة، كل واحدة منها في حجم الزلازل او البركان، واذا لم تكن الاستجابة على قدر التحدي. هناك قضايا المحكمة الجنائية الدولية والأزمة المالية في شكلها السوداني، وانجاز السلام في الجنوب ودارفور. وهذه ليست قضايا سياسية عادية، ولكنها قضايا مصيرية بلا مبالغة، تحدد مصير ووجود السودان هل سيكون او لا يكون؟ على الاقل موحداً. وهي لذلك تكتسب بعداً قومياً يتجاوز حدود المعارضة والحكومة والكسب الحزبي. كما تتطلب جدية عالية وقدرة على تحديد الأولويات في اجندتنا الوطنية والسياسية. ولكن وسط كل هذه الاجواء الخطرة، تجدنا مشغولين بزواج الايثار او المسيار وعيد الحب (فالنتاين) وتسجيل وارغو.. الخ. ويتقدم الحديث عن تعدد الزوجات على مناقشة التعددية السياسية، وكأن هناك من يتمنى ان تحل التعدد الزوجية مكان التعددية السياسية، وبالتالي سوف تحل كل مشاكل الحكم والحب والمعاش والاقتصاد.
كان أكثر ما أثار قلقي وخيبة أملي ان يكون على رأس المشاركين في هذه المجالات علماء اجلاء ندخرهم لقضايا الوطن التي مر ذكرها والا يتحدثوا ويفتوا الا فيها. هل يرى علماؤنا وفقهاؤنا ان زواج المسيار أشد أهمية من خطر المحكمة الجنائية الدولية وتعثر الميزانية دون ان تكمل الشهرين، ومن استمرار الاقتتال في جبل مرة ؟ وهذا يعيدنا الى التساؤل حول جدوى وحكمة ان يؤسس الفقهاء ورجال الدين هيئة للعماء. واعتقد ان قيام مثل هذه الهيئة يحمل من السلبيات اكثر مما يعطي ايجابيات. ولكنني أبدأ بسؤال أولي: هل لهيئات العلماء سابقة أصولية في التاريخ الاسلامي ؟ هل عرف عهد الخلفاء الراشدين وحتى العصور الأموي والعباسي الأول والثاني والفاطمي والايوبي والاخشيدي والطولوني.. الخ، مثل هذه الهيئات ولو بتسميات مختلفة ؟ هل فكر الائمة – اصحاب المذاهب تكوين مثل هذه الكيانات ؟ وهذا يقود الى اهداف مثل هذه الهيئات، وهو الاجتهاد في المسائل المستحدثة – حسب ماهي معلن. والمعروف ان الاجتهاد يبدأ فردياً ويقوم به فقيه عالم وكفء وعارف للحياة والناس، وفكرة الاجتهاد الجماعي حديثة تماماً. وهي لا تهدف الى المؤسسية في الاجتهاد ولكن غرضها مركزية الافتاء ثم احتكار فئة معينة للفتوى. ومن الملاحظ ان قيام مثل هذه الهيئات تزامن مع وجود نظم شمولية وطنية ونظم سلفية تحتاج لتوظيف الدين في تعزيز سلطتها. وفي الماضي كان الفقيه الواحد يساوي سلطة كاملة او سلطان، قول حسن ود حسونة للملك بادي: انا ملكك عرضوه عليّ انا أبيته. وكان الفقيه لوحده مدرسة كاملة للفقه والدين. اذ لم تكن الحكمة في الكثرة بل في المعرفة والبركة فقط.
تساءلت هل هذا وقت نقاش زواج المسيار او الايثار ؟ ما الذي استجد حتى يحتل هذا الزواج مكانة متقدمة في النقاش ويتصدر صفحات الجرائد ويتقدم في المنتديات ؟ هل اكتشف السودانيون فجأة ان المفقود في حياتهم البائسة هو زوجات اكثر بتسميات مغرية ؟ هل حقق السودانيون احتياجاتهم الأساسية في التعليم والصحة والطعام والسكن والماء النظيف والطرق ولم يبق الا لهم سوى الاستمتاع بالنساء وتبرع علماء فاضلون ليجدوا لهم المخارج والسبل لزوج أعلى من: ما ملكت يمينكم وأقل قليلاً من الزواج الشرعي السائد ؟ ويسعى الفقهاء لتحويل رخصة تعدد الازواج وفي حالات استثنائية مع شرط العدل الصعب الى فرض او سنة مؤكدة، مع ان هدف الرخصة او الاباحة يقع في باب السعة للمسلمين وليس التضييق، فقط.
هناك سؤال هام هو لماذا تقدم موضوع تعدد الزوجات في الأجندة الدينية والاجتماعية السودانية خلال فترة حكم مشروع حضاري اسلامي ؟ وقد تلازم مع التعدد ظواهر أخرى مثل زواج الفتيات صغار السن من رجال كبار السن – شيوخ وكهول، وما يتبع ذلك من مشكلات وتعقيدات. كما تزايدت حالات الطلاق وتبدو المسألة وكأنها متناقضة مع دعوة التعدد. ولكن يمكن تفسير هذه الظواهر المتناقضة من خلال فهم ثقافة الاسلامويين التي تسعى الى ايجاد معادلة تشمل التدين والترف وتتعايش مع الانحلال والانحراف طالما كان بعيداً عن حرمها. فالاسلامويون يريدون خلق عدو مثلما تفعل امريكا مع الشيوعية ثم الاسلام. فهم يريدون انحلالا وانحرافاً يحاربونه لتبقى شعلة الحماس والتطرف مشتعلة في قلوبهم وفي المجتمع. لذلك كثيراً ما يجعل بعض المتدينين في الانقاذ من قضايا جانبية وتافهة موضوعات في أجهزة الاعلام وفي المجالس التشريعية. ومن ناحية أخرى، يرى كثير من الاسلامويين ان المقصود بالا تنس نصيبك من الدنيا، هو النساء والمال. لذلك يحاولون الاكثار منهما، وكأنهم ينفذون نصيحة ربانية.
من الملاحظ ان التعدد في الزوجات اصبح – مع الانقاذ – ثقافة وطريقة حياة وسلوك. فقط لاحظت تفاخر البعض ودعوتهم الصريحة للآخرين، بغض النظر عن اختلاف الظروف، الى ممارسة تعدد الزوجات. ففي مقابلة صحفية طريفة ولكنها مخزنة مع احد المسئولين يقوم بتمجيد التعدد دون تحفظ ويحاول تجميل هذا الفعل، وقد صممت الصحيفة عناوين مثيرة للمقابلة، مثل (عندما كنت عازباً يثير اعجابي كل متزوج من امرأة) و(ندمت جداً لأنني لم أتزوج أربع نساء مبكراً) و(صدمة الزواج الثاني صعبة على الزوجة الأولى) ويقول عن زوجاته: (اكبرهن عمرها 36 عاماً واصغرهن طالبة ثانوي ذات 17 عاماً) ويختم المقابلة (أتمنى ان يتحلى المجتمع بالفهم الصحيح ويجب التحفيز لكل مشاريع الزواج ويعتبر هذا عمل خير وانا أرى ان مشاريع الزواج تجد القبول والنجاح وانصح بالتعدد وعدم ظلم النساء) (صحيفة الحياة 9/9/2004).
من الصعب في ثقافة الانقاذ الاسلاموية النظر الى المجتمع وظواهره بطريقة منهجية وعلمية. فالقضايا لديهم مجزأة ولا تحتاج الى تسبيب وعقلانية. ففي الوقت الذي يروجون فيه لتعدد الزوجات تطفح الصحف باعلانات طلب الطلاق بسبب الاعثار او الغيبة. هذا غير حالات الطلاق المتزايدة يومياً بسبب ضيق الحياة، والتي لا تصل المحاكم. وتدل ظاهرة الطلاق على الجزء المكمل للنظرة الدونية للمرأة. وأوردت إحدى الصحف تغطية لظاهرة الطلاق والتي بلغت حالاتها 57.870 حالة خلال عام 2007. ولكن ما أثار انتباهي اكثر عنوان التقرير وهو: زوجة منتهية الصلاحية !! (صحيفة الرأي العام 1/7/2008) لقد بلغ تشيؤ المرأة اي تحويلها الى شئ درجة بعيدة في ثقافة الانقاذ. ففي مثل هذا العنوان انتزاع لأي انسانية يمكن ان ننسبها الى المرأة وتصبح في نظرهم مثل السيارات والثلاجات وكروت الشحن. وقد كان من المتوقع في مثل هذا الوضع المتدني ان يهب العلماء – الفقهاء الى نصرة المرأة وابراز قيم التكريم التي أكدها الاسلام تجاه المرأة والرجل. ولكن اكثرهم يظهر اهتمامه بالتعدد الزوجي اكثر من القيم الدينية الأخرى.
تفتقد المرأة حسب رؤية الانقاذ وفقهاء هذا الزمان قيمتها الذاتية كأنسان وهي تعرف وتحدد بغيرها – اي الرجل. فهي اذا لم تتزوج تفقد قيمتها كشخص مستقل ومكتفي ذاتياً اي يمكن ان يحقق ذاته دون حاجة لآخر. فهي تعرف كزوجة او أم فقط قبل ان تعرف كعالمة او كاتبة او ناشطة. لذلك انتشرت في ثقافة الانقاذ فوبيا عدم الزواج وما يتبع ذلك من مشكلات نفسية وعاطفية واجتماعية للمرأة المفردة. وتكمن المشكلة في استبطان المرأة لهذه الفكرة وأصبحت ترى نفسها من خلال هذا المنظور. وضمن هذا السياق كان بعض الصحفيين التعساء يهاجمون كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية السابقة، حين تتشدد في مواقفها تجاه السودان، ويصفونها بانها (عانس) وكأن هذا يلغي كل قدراتها وكفاءاتها الأخرى. ويحاول بعضهم (تخفيف دمه) ويعرض عليها الزواج. وفي هذه الاجواء ايضاً، عثرت على ورقة في مكتب حكومي متبادلة بين الفتيات ويتم تصويرها وتوزيعها، تشتمل على ما يسمى دعاء الزواج، تقول (اللهم اني اسألك يا الله ان ترزقني ابن الحلال اللهم يسر لي أمر الزواج يا الله أرزقني زوجاً صالحاً يعبد الله ننجب اولاد يعبدوك ويوحدوك – تدعي بهذا الدعاء ربنا يرزقها بابن الحلال!).
أثار لديّ نقاش الفقهاء لموضوع زواج المسيار والايثار كثيراً من الافكار والتي تعالج ادواء هذا المجتمع نتيجة ثقافة الانقاذ، وكنا نرجو من علمائنا الكثير لاخراج المسلمين من هذه المنخفضات الدينية الانصرافية الى تجديد ديني يخاطب العقل ويهتم بقضايا النهضة والتنمية والانطلاق والتقدم. ولا تعودوا بنا الى علماء المماليك الذين ظنوا ان سفن نابليون البخارية تحارب بقراءة البخاري. هذا السودان المسكين يحتاج الى مسيار في معيشته وفي مشاكله المتزايدة، أعملوا لتيسير حياة المواطنين وجعلها اكثر سعادة. وفي هذه الحالة يمكن قيام الهيئات لان مبررها سيكون التعاون على البر والتقوى. وهنا عليكم ان تجتمعوا لنصيحة الحاكم لو كان جائراً ولردع الفاسد ومطالبته برد الاموال ولتذكير المسئولين بواجباتهم نحو المواطنين. وحينئذ نقول لكم بملء الفم جزاكم الله خيراً، لانكم تحولتم من فقهاء السلطان الى فقهاء الانسان. وهذا يعيدني الى العنوان باعتبار اننا بحاجة الى التعددية: السياسية والثقافية والدينية والاثنية. لأن في التعدد بعث للديمقراطية وتقوية لها. الأولوية والضرورة والحاجة الآن للتعددية، بينما التعدد شأن خاص تستوجبه ظروف غير عادية ولا يصح ان يشغلنا في مثل هذه الظروف الصعبة.