عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تتخذ الايديولوجيات المتعصبة الانسان وسيلة لتحقيق اهدافها،ولا يعني الانسان لها أي شئ.ولا قيمة أصيلة للانسان الا بمقدار ما يخدم أغراض تلك الايديولوجيا،فهو مجرد وسيلة.لذلك يمكن التخلص منه بوسائل متعددة لو مثل عقبة أو مشكلة في طريق تقدم أو نجاح الايديولوجيا.وهذا سبب تخلص ستالين وهتلر وبول بوت من الآف الاشخاص دون أي تردد أو شعور بالذنب والخطأ.فالايديولوجيا فوق الجميع،وارواح الناس مبذولة للفداء،وما هتاف بالروح بالدم نحميك يا فلان، الا الاستبطان الصريح لتلك الفكرة.لذا لم يكن غريبا أن تضحي الايديولوجيا الاسلاموية ممثلة في انقلاب الانقاذ بمئات السودانيين لضمان استمرارها.وضحت بالكثيرين من الطرفين في الجنوب ودارفوروفي حوادث اصغر،وب28 ضابطا في لحظات لحماية السلطة،خاصة وانها في هذه الحالة تدعي الدين وتنتسب له. وليس بالضرورة أن يكون الموت من خلال القتل المادي المباشر،فهناك قتل من خلال الشعور بالاحباط والظلم والغبن والاضطهاد وتقليل القيمة والتهميش.

يمكن القول ،أن أعظم جرائم وخطايا الانقاذ- وهي كثيرة- هي عملية القتل المعنوي للانسان السوداني من خلال الحرمان من حق العمل بالفصل التعسفي وتعطيل الشباب والخريجين (والتي تسمي خطأ العطالة بينما هي تعطيل مقصود لأنها تقع علي شباب مؤهلين وذوي كفاءات). يعتبر الحرمان من حق العمل قتلا معنويا لأنه ينزع عن الفرد الميزة التي جعلت منه انسانا.فتاريخ التطور الاجتماعي والبيولوجي يري أن الانسان اصبح عاقلا بالعمل حين استخدم يده وبالطبع عقله وعينيه.وبعد العمل كوّن الانسان المجتمع ومضي صاعدا في سلم المدنية والتقدم.فالعمل ليس مجرد حاجة مادية،ولكنه حاجة نفسية وروحية.أما علي المستوي السياسي وحقوق الانسان،فإن حق العمل يعني الانتماء والمواطنة،وإن المرء يشارك في بناء.فالمسألة ليست  مجرد الحصول علي مرتب،بل الشعور بالمشاركة والقيمة المكتسبة من شعور المساهمة في بناء الوطن،مهما كان حجم المساهمة.لذلك،يعتبر تعطيل مواطن وابعاده قسرا عن المشاركة في تطوير وطنه من خلال العمل والانتاج ، هو التهميش الحقيقي والذي يفوق أي اقصاء  أو إبعاد آخر مهما كانت اسبابه:اثنية أو دينية.

        وكثيرا ما يهمل السودانيون التمسك بحقوق إنسانية أصيلة،أو قد يجهلون هذه الحقوق في احيان كثيرة.فقد اكدت مواثيق حقوق الدولية علي حق الانسان في العمل.فقد ورد في الاعلان العالمي لحقوق الانسان،خاصة المادة(23) ما يلي:-                 

1-لكل شخص حق العمل،وفي حرية اختيار عمله،وفي شروط عمل عادلة ومرضية،وفي الحماية من البطالة.

2- لجميع الافراد،دون أي تمييز،الحق في أجر متساو وعلي العمل المتساوي.

3- لكل فرد يعمل حق في مكافأة عادلة ومرضية تكفل له ولاسرته عيشة لائقة بالكرامة البشرية،وتستكمل،عند الاقتضاء،بوسائل اخري للحماية الاجتماعية.

4- لكل شخص حق انشاء النقابات مع آخرين والانضمام اليها من أجل حماية مصالحة.

هذه حقوق واضحة وصريحة في ميثاق دولي وقع عليه السودان ويفترض أن يكون ملزما له وان يكون السودان ملتزما بلا تردد بهذه المواد والبنود.ولكن النظم الشمولية مثل نظام الانقاذ تري في التوقيع أوالانضمام للاتفاقيات الدولية مجرد تبرئة ذمة واستباقا لأي ادانة حين ينتهك النظام تلك الحقوق.لذلك،تظل الاتفاقيات مجرد حبر علي ورق،ما لم تفرض الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقة علي النظام احترام تلك العهود والمواثيق.فهذه قضايا بدهية:الحق في العمل والعمل حسب المؤهلات وأن يكون الأجر أو المكافأة أو الدخل ملبيا لتحقيق الحاجات الاساسية لحياة كريمة.وشوارع السودان ملئية بالآف المحرومين من هذا الحق ويقبلون وضعيتهم وكأنها قضاء وقدر وليس من صنع بشر متسلطين.        

يبدو عنوان المقال وكأنه يتحدث عن امة الامجاد – حسب النشيد المعروف-وكأنه

سوف يعدد امجاد وانجازات واشراقات السودان أو أمة  الامجاد التي يصفها النشيد في أحد مقاطعه:

امتي ياامة الامجاد والماضي العريق

يانشيدا في دمي يحيا ويجري في عروقي                    

الي أن يقول:-                                                  

امتي سيري إلي المجد وجدي في المسير

حققي بالعمل البناء احلام الدهور                     

واصعدي بالعلم والاخلاق للنصر الكبير

اصعدي ياارض اجدادي وامي وابي      

وحدد الشاعر وسائل الارتقاء الي المجد وتحقيق احلام الدهور في العمل والعلم والاخلاق.ولكن امة الامجاد المقصودة في هذه المقال تتكون من سائقئ ومالكي سيارات الامجاد.فهم في غالبيتهم مهارات وقدرات العمل مع خصال وفضائل العلم والاخلاق.فقد حظيت كزبون دائم للتنقل بسيارات الامجاد،بالحديث والدردشة مع سائقي.وقد اكتشفت أنني حيال فئة اجتماعية يمكن أن تكون حكومة ظل لديها كل التخصصات والخبرات مع الوعي ومحبة الوطن رغم كل المرارات.فأنت تجد بين سائقي الامجاد ضباط من القوات النظامية في عز شبابهم وقوتهم احيلوا الي المعاش للصالح العام!مازلت لا اعلم صالح من هذا الذي يشرد المؤهلين لاسباب حزبية بحتة.وتجد بين السائقين ،شبابا من الخريجين في مقتبل العمر واصحاب تخصصات دقيقة مثل هندسة الكمبيوتر والكهرباء ومن يحضّرون  لدراسات عليا في العلوم السياسية أو الاعلام.وفي صباح الاثنين الماضي ركبت مع شاب يدعي علي حسن،وعلمت من الدردشة أنه متخصص لغات:انجليزي وفرنسي،وله المام جيد بلغات اوربية اخري لأنه عاش لفترة في اوربا.وفشل في الحصول علي وظيفة مترجم.

السؤال كيف تكونت امة الامجاد هذه؟المنبع الاول هو الفصل التعسفي وتعطيل الخريجين عن العمل.فقد اتخذت الانقاذ  من حملات الفصل التعسفي آليات لاذلال المعارضين من خلال التجويع خاصة وأن الدولة حين المشغل الرئيس للمواطنين.وأعرف الكثير من الحالات التي تم فيها فصل الزوج والزوجة معا وفي نفس اليوم.وقد صاحب هذه الوسيلة آلية تسهيل هجرة المفصولين بقصد افراغ البلاد من المعارضين،وكان بامكان الأمن حظر سفر الكثيرين.ومن لم يفكر في الهجرة أو فشل فيها،فله مكان محفوظ خلف مقود احدي الامجادات. أما الشباب المعطّل عن العمل،فالسبب في حرمانهم من العمل يعودالي أن شروط التعيين ليست عادلة ولا حرة ولا نزيهة(وهذا مصير الانتخابات القادمة!)فمن الواضح ان نظام الانقاذ اختار وبلا حياء تفضيل اها الولاء علي اصحاب الكفاءةوبالتالي لم تعد المنافسة مبنية علي التأهيل والتفوق والكفاءة.اذ يطلب من المتقدم للعمل ايراد اسماء ثلاثة يمكن الرجوع‘ففي البلدان المتقدمة تكون هذه المرجعية من الاساتذة الذين درسوا المتقدم ولكن في السودان يراد بها معرفة صلة المتقدم للوظيفة باشخاص في التنظيم.واصبحت القبيلة ذات اهمية في ارانيك التقديم،خاصة في المؤسسات ذات المرتبات العالية والامتيازات وقد صارت محتكرة لمؤيدي والمتعاطفين مع النظام.

ومن الواضح أن السودان قد اصبح دولة ووطن الحزب الواحد الذي اعطي نفسه حق حرمان السودانيين من حقوقهم في العمل.وهذا وقد اصبحت موارد الدولة حاكورة رمزية يمتلكها النظام.وظاهرة "امة الامجاد" تعري نظام الانقاذ ،والذي يزوّر تسمية:حكومة الوحدة الوطنية،فهي تبين ان الانقاذ هي تجديد لقصة مدينتين حسب ديكنز.مدينة الانقاذ مقابل بقية السودانيين،إذ غابت المساواة بين المواطنين.كما اختلت مبادئ الرجل المناسب في المكان المناسب.وقد سلحت الايديولوجيا الجهل والركاكة بالسلطة المطلقة. وتعمل علي اضعاف الولاء للوطن لان الوطن لم يعطهم شيئا،خاصة الشباب الذين يرون آباءهم الدافعين دم قلوبهم لتعليمهم والآن تملأهم الحسرة والغيظ لأن آمالهم في فلذات اكبادهم طوحت بالميل.وهكذا تهدر امكانات الوطن من أجل مشروع ثبت فشله حيث اعاد البلاد للمجاعت رغم انتاج النفط،ورمي بالاستقلال الذي جاء بلا شق ولا طق في احضان الوصاية والانتداب الامريكي الجديدين.