يجب ان نغير العالم ثم نغير بعد ذلك العالم المتغير.
برخت

بينما كان النظام السوداني يحتفل صباح السبت 10 من اكتوبر في مهرجان بلغت تكلفته600 مليون جنيها، ويملأ الأجواء بالأناشيد والأكاذيب والزيف (حضور83 حزبا)، كان الحزن والخيبة يغمرني. فقد مر هذا السيرك دون أن تظهر المعارضة أي موقف ايجابي معبر يظهر وجودها الملموس في الشارع السوداني. فلم تخرج تظاهرة من خمسين تحمل لافتة تعبر عن موقف الرفض لهذا التضليل، وهذا هو العمل السياسي المؤثر. ولكن اكتفى الجميع بقصف مكثف عن طريق البيانات، ساندته هذه المرة مدفعية الرسائل. وحتي كونفدرالية منظمات المجتمع المدني التي يفترض أن تكون مهمتها التنظيم والتعبئة، شركت ببيان مسبوك جيدا دون أن تختمه بنداء بالتظاهر مثلا أو أي شكل غير لفظي وحنجوري. وهناك أيضا " مبادرة" المجتمع المدني، وكلمة مبادرة تعني التقدم عندما يتقاعس الآخرون، والشد من أزرهم ورفع معنوياتهم. ولكن للأسف، هذه المنظمات التي نضع فيها نحن غير الحزبيين، كثيرا من الآمال، بقيت مخيبة لهذه الآمال، رغم أنها امكانيات مالية وبشرية كبيرة. أما الأحزاب والقوي السياسية، فقد أبدت قدرا من الارتباك والتخبط ساتعرض له بالتفصيل لاحقا.

تستمر المعارضة في اضاعة الفرص للعودة إلي الشارع والجماهير. فهي لم تشارك في المؤتمر ولكنها لم تقاطعه. وفرق كبير بين الموقفين، " عدم المشاركة" موقف سلبي يعني الغياب، و"المقاطعة" تعني الغياب وزيادة أي تصعيد هذا الغياب بحيث تظهر آثاره علي سير المؤتمر. فالعمل المعارض الحقيقي يجب أن يهدف إلي إقلاق النظام وألا يجعله يشعر بالراحة والاسترخاء. ففي حملة " أرحل" امتنع 80% عن التصويت والمشاركة، ولكن العارضة حولت هذه الكتلة الجماهيرية إلي كم مهمل لأنها لم تعمل وسطه بعد الانتخابات. ومن الناحية الأخرى، يقوم نوابال20% بالتشريع للبلاد وحكمها، والتمتع بامتيازات لا يستحقونها من مال هذا الشعب اليتيم.

تتالت في الأيام السابقة لانعقاد المؤتمر كثير من التصريحات وردود الفعل، فمن الواضح أن النظام امتلك زمام المبادرة،لذلك يقول: الحوار بمن حضر.ومن هنا بدأت هرولة المعارضة وارتباكاتها. فيما يلى استجابات استعراض لاستجابات المعارضة:-

أولا، من واجب الاحترام والأدب ، أن تكون البداية ب" المرجعية الدينية" المعارضة، ويمثلها السيد(الصادق المهدي) بحزبه وطائفته.وكان لابد من المقارنة بنفس دور هذه المرجعية في العراق.ففي إحدي احتشادات صلاة الجمعة خلال الشهر الماضي، دعا الإمام(علي السستاني)اتباعه والمصلين، المشاركة في المظاهرات المناهضة للفساد. وفي اليوم التالي- السبت- كانت شوارع بغداد وغيرها من المدن تفيض بالجماهير. أمّا في السودانوجاء عيد الاضحي وقلت انتظر ما ستقوله مرجعيتنا الدينية وسط هذه الأوضاع التى تتدهور سريعا..وصعقت حين سمعت الأمام (الصادق المهدي) مخاطبا البشير: "أمامك فرصة لدخول التاريخ من أوسع أبوابه وترسم معنا خريطة طريق لسلام عادل شامل وتحول ديمقراطي كامل، بأسلوب لا يعزل أحدا ولا يهيمن عليه أحد". ولم تمر الأ أياما قليلة لنقرأ في الأخبار:"رحَّب الرئيس السوداني عمر البشير، الخميس(2/10)، بنداء أطلقه رئيس حزب الأمة القومي الصادق المهدي، دعا فيه الأخير البشير للتجاوب مع فرصة إحلال السلام والتحول الديمقراطي، مبدياً أمله في أن يعبر هذا النداء عن مواقف جميع قوى المعارضة."وأوضح مساعد الرئيس ( عبدالرحمن الصادق المهدى)، أن لقاءه مع البشير كان مثمراً، وركز على الشأن العام خاصة مسيرة الحوار الوطنى والمساعي الجارية لإنجاحه، والاتصال بكل الأطراف، حتى يكون الحوار شاملاً ولا يستثني أحداً. وقال إن الحوار الوطني لا بد له أن يضم الجميع بهدف تحقيق السلام العادل والشامل والاتفاق على أساس الحكم، وحماية وحدة الوطن واحترام التنوع والمشاركة العادلة في السلطة والثروة. (جملة اعتراضية- لاحظت أن(عبدالرحمن) لم يحدث طوال بالقصر الجمهوري أن استعمل كلمة ديمقراطية ولو بالغلط في مثل هذه التصريحات).

كان السيد (الصادق المهدى) يتحرك هذه المرة بخطى ثابتة وبلا تردد للمصالحة يشروط الطرف الآخر ،لأنه – ببساطة – لم يغيّر ميزان القوة أو القوى ، لصالحه. كان ينوى أن يهدد بسيف (الجبهة الثورية) ولكنها كانت في أسوأ حالاتها القتالية، فهو أصلا لم يكن ليتحالف معها لو صعّدت القتال ضد نظام " إسلامي". فالمهدى يرى أن ما في السودان، نظاما إسلاميا وله فيه سهم.وهو يحناج لترميم ومراجعة لعبر عن أشواق الإمام لاستعادة إسلام الصحوة. والدليل علي وجود المشترك، هي الطريقة التى عارض بها نظام النميري(المتهم بالشيوعية).كما أننا نتذكر ، عندما قبض علي (المهدى) يقول فيها أنه لديه الشرعية ولديهم القوة، ويدعو لصيغة "وسطية" بين الوضعين.وهنا جاءت  إلي خاطري صورة(سلفادور اليندي) وهو علي شرفة القصر الجمهوري واقفا برشاشه يدافع عن "الشرعي" في وجه القوة. ويضاف الي ذلك، أن (المهدى) صرح اكثر من مرة، علي أنه كان علي علم بانقلاب الإسلامويين وأن ابنه أوصل إليه معلومات في حضور( الترابي).

ولكن لابد من تحية صادقة ل(حزب الامة القومي) والذي نجح في وقف هرولة الإمام نحو الحوار. وقد أثبت بأنه حزب " السودان للسودانيين" كما عرفناه تاريخيا. كما أن في هذا الموقف دحضا لفكرة " حزب الأسرة"، وحتي هز فكرة الطائفة التي تنقاد لإمامها دون تساؤل.شكرا لحزب الأمة لقطعه الطريق لاستمالة بكل الطرق. فمن المعروف، أن النظام في النهاية طلب من (المهدى) مخاطبة المؤتمر بالاسكايبي فقط. كانوا يريدون اسغلال رمزيته، ولكن الحزب العتيق الصلب، حرمهم حتى أضعف الإيمان. ونتمنى ألا يحدث ما يفسد هذا الموقف خلال الشهور الثلاثة القادمة.  

ثانيا، من مضحكات المعارضة المبكيات، هوجة الاحتفال بانتفاضة سبتمبر2013 التي خذل الجميع فيها، ثورة الشباب، في الفترة السابقة للمؤتمر. ففي هذا العام،  تحمس الكثيرون من تنسقيات وأشخاص لاحياء الذكرى الثانية شهداء انتفاضة سبتمبر المجيدة. تصور انتفاصة شعبية يقدم فيها شباب مثل رياحين الدنيا، أرواحهم، تتحول إلي طقوس وحولية مثل حوليات البرعي والبرهانية والختمية. لو كانت المعارضة جادة  لرفعت من اليوم الأول شعار " الثورة مستمرة" أو "ثورة حتي النصر".ولقامت بدراسة أسباب الانتكاسة في حينها، وحاسبت المتقاعسين والمُخذّلين.ولكن لا تستغرب أيها القارئ الكريم لحماس ذكرى السنة الثانية، فالمسألة دخل فيها زيارة وفد الاتحاد الأوربي لأسر الشهداء.وبالتأكيد حيكون اعلام  وفضائيات واخبار واحتجات حكومية وفلاشات ومقابلات. وتفتق العقل النضالي بفكرة مبهرة ولكنها جاءت بعد 24 شهرا. فقد دعا (ياسر عرمان) الأمين العام للحركة الشعبية لتحرير السودان، إلى إنشاء صندوق لدعم أسر الشهداء يساهم فيه جميع السودانيين في جميع أنحاء العالم ليردوا الصاع صاعين لإساءة البشير للشهداء عندما عرض على أسرهم التعويض ودعا إلى أن يشمل هذا الصندوق كافة شهداء الثورة السودانية في المدن والأرياف.فلنتصور جرحى ومعاقين نتذكرهم بعد عامين وهم منتظرهو العلاج والعناية.هذا الاقتراح قدمه قي وقته تماما رئيس تحرير حريات(الحاج وراق) باقتطاع 100 دولار.ولكن الأجهزة  النضالية جمدته أو تجاهلته بسبب توجهات جهوية أو قل عنصرية.فقد تساءل البعض لماذا الدعوة الآن ولا عشان في الخرطوم واولاد بحر؟ وتلاحظ  شبهة هذا التوجه في نهاية دعوة(عرمان):" أن يشمل هذا الصندوق كافة شهداء الثورة السودانية في المدن والأرياف".

التكريم الحقيقي والصادق لشهداء أن نبحث بجدية في لقاءات جامعة، قضايا مثل: لماذا لم تتسع وتستمر تلك الهبة الشعبية؟ ولماذا تظل مثل هذه الهبات محدودة وغالية الكلفة؟ وهذا العمل ليس موسميا واحتفائيا مثل الحوليات بل عمل ثوري يومي دؤوب وليس ذكريات وكرنفالات.

ثالثا، من الواضح  تراجع الجبهة الثورية أو الفصائل المسلحة، بطريقة غير منتظمة، مما يوحى بأنها تعرضت لنكسات ميدانية.ولكن ما ادهشني، ان تعلن الفصائل الثورية " وقف العدائيات ". ما تقومون به يسميه الثوار الحقيقيون:"الكفاح المسلح" أو " الردع الثوري".ولكن أن يستخدم "الثوار" نفس لغة النظام في وصف نضالهم وكفاحهم، فهذه فضيحة سياسية وثورية.هل صد عدوان نظام مارس القتل الجماعي علي شعبكم عدائيات؟ سموها وقف اطلاق نار أو هدنة أو استراحة محارب؟، ولكن عدائيات غريبة.كأنكم لا تعلمون ماذا تفعلون؟

رابعا، وتكملة للكرنفال المعارض البهلواني، يطل علينا بيان من:"شعبة الإعلام- التجمع العالمي لنشطاء السودان بمواقع التواصل الاجتماعي" جاء فيه أن رئيس التجمع العالمي لنشطاء السودان يطالب دورة الأمم المتحدة المنعقدة حاليا بجنيف بعدم افلات السودان من أحكام الرقابة والإشراف.وهنا يتجلي بيع الوهم بكلمات كبيرة "إرهابية" مثل التجمع  والعالمي.ولكن لا أحد يدري متى اجتمعت جمعيته العمومية ولم تنشر لنا لوائحه الداخلية ولا ندري كيف ومتى تم انتخاب معالي السيد الرئيس.

تذكرني كثير من قيادات وزعامات المعارضة الافتراضية ب" مارشال المديرية" أو مارشالات المديرية المعارضين. والمرشال هذا للجيل الجديد، كان رجل اختل عقله فتصور نفسه مارشالا فكان يلبس زيا عسكريا ويرصع صدره بالنياشين المزيفة ويحمل عصا المارشالية.خصص له أحد ضباط المجلس غرفة صغيرة ويأتي بانتظام من الصبح حتي نهاية الدوام، ويتصرف كالمارشال.وهكذا ابتلانا الدهر بعدد من المارشالات يتوهمون أنهم يقودون هذا الشعب في طريق الثورة وتغيير النظام. كما نجد هؤلاء المارشالات كثيرا، في التحالفات والتنسيقيات والمنابر في كل مدن وقرى الكون ، دون أن نجد مثلا تحالف القوى المعارضة-فرع الخرطوم، مثل جامعة القاهرة.

هذا عمل معارض للتسلية وتزجية اوقات الفراغ وقتل الضجر في تلك المنافي الباردة، أو محاولة تجاوز حصار الاحباط الزاحف علي النفوس، أو مجرد تبرئة للذمة فقط. والعمل الجاد والصادق يبحث في كيف نستطيع نحن في الخارج دعم وتنشيط الداخل، عوضا عن التجمعات والتظاهرات أمام مكاتب الأمم المتحدة والبرلمانات. لأن مثل هذا النشاط كان حتى عام 1996 مجديا ورمزيا، أما اليوم فمجرد عبث وتسلية وتلاعب بقضايا مصيرية.وليس من المطلوب حل هذه التكتلات، لأن وحدتها مكسب ضد غلبة النزعة التشرذمية لدي النخبة السودانية. ولكن المهم توظيفه بطريقة ايجابية ومفيدة ،فالمطلوب نقد وتجديد الوسائل الفاشلة المجربة، والاعتراف بلاجدوى هذه الوسائل .وفي تقديري، أن مهمتنا في الخارج يجب أن تتمركز في مجالين:الدعم المالي والتبرعات المقطوعة المنتظمة بقصد دعم لجان الانتفاضة الشعبية في الاحياء،والمساعدة بالخبرة في تكوين لجان الانتفاضة بالاضافة لإحياء النقابات والاتحادات الطلابية،والروابط الاقليمية البديلة.

وفي النهاية، اسوة بالفاتح جبرا: شنو أخبار القناة الفضائية حقت المعارضة ؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.