عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

حازت الاستراتيجية الامريكية الجديدة علي اهتمام سوداني كاسح بصورة تثير الدهشة والحيرة. ومصدر الدهشة هو: هل انتقل مصدر القرار السياسي السوداني الي واشنطون.كما يحتار المرء:هل هذه نفس امريكا التي دنا عذابها؟ وقد كان الترقب الذي سبق صدور القرار يوحي فعلا بأن مصير القرار السوداني أو تحديد اتجاهاته قد عبر الاطلنطي الي الولايات المتحدة.ولا أدري لماذا تذكرت الرئيس أنور السادات حين كان يقول بأن 99% من أوراق حل القضية العربية في يد أمريكا.وهل هذه النسبة صالحة  للأزمة السودانية أم أن كل الاوراق وضعت تماما في يد امريكا؟ ويبدو أن النظام والمعارضين له،يشتركون في نفس العقيدة.فقد كان الشريك الأكبر في الحكم – المؤتمر الوطني – قلقا ومرتبكا في انتظار الادانة والعقوبات أو الرحمة، والتي يسمونها الجزرة.وفي نفس الوقت،كان المعارضون يجهزون أنفسهم للشماتة وتخويف  النظام بالعصا الامريكية.لذلك عندما جاءت القرارات والتوصيات مخففة – حسب التقدير السوداني الرسمي – وسخر منهم المؤتمر الوطني ولم يستثني حتي شريكه.وهذه المواقف وردود الفعل تؤكد شيئا واحدا مؤسفا،وهو غياب الارادة الوطنية السودانية بعد أن ضاعت قبلها السيادة الوطنية.فقد صار أمرا عاديا أن تناقش السياسة الوطنية في واشنطن أو برقبة واشراف امريكي في جوبا والخرطوم.فقد أصبح من المعتاد "استدعاء" الشريكين عند بروز أي أزمة أو عقبة أمام اتفاقية السلام الشامل.وهكذا قدمت الولايات المتحدة الامريكية نفسها كضامن وحيد ومطلق لاتفاقية السلام الشامل.

يمكن القول بأن نظام الانقاذ ظل بصورة منتظمة يفرط في السيادة الوطنية ،

بوعي أو لاوعي،وإن كنت أظنه واعيا وقاصدا دائما لما يفعل ،ويمر ذلك من خلال التقليل المستمر من قيمة الانسان السوداني.فقد كانت الاولوية والاستراتيجية الثابتة ةاللامتغيرة هي التمكين والامساك بالسلطة مهما كان الثمن .وهذا السلوك الذرائعي لا يعبأ كثيرا بالوسائل النبيلة ولابد لصاحبه من أن يمتلك ضميرا غير يقظ ولايوخز.لان علي صاحبه أن يرتكب أمورا صعبا في المعايير العادية .ومن أول نتائج هذه الآلية في التمكين السقوط في دورة التدويل الشيطانية والتي لا قرار لها أي بلا نهاية أوقاع،حين يسقط فيها الانسان.وولج نظام الانقاذ بوابة التدويل من خلال سياسة عزل المعارضة وعدم الاعتراف المباشر بها.ولذلك ركن النظام في حل ازماته الي الوساطات والمبادرات الخارجية .وكل ذلك لكي يبعد المعارضة من مناقشة القضايا الوطنية والجلوس معها.لذلك اصبحت ابوجا ونيفاشا والنرويج وبروكسل وحتي جيبوتي أقرب اليه من إي مكان داخل السودان يجمعه مع معارضيه.وهكذا تبعثر دم السيادة الوطنية السودانية في انحاء المعمورة.وصار السودان أكثر دولة في العالم،وقد يكون في التاريخ المعاصر،تستقبل الوسطاء والمندوبين الخاصيين للرؤوساء والدول والمنظمات الاقليمية والدولية.ومن ناحية حركة النظام،يجوب ممثلوه وموظفوه العالم من فنزويلا الي فيتنام.وهذا القول ليس مجرد ادعاء او فرضية،اذ من الممكن بسهولة رصد جولات القادمين والمغادرين من اخبار الاستقبال والمغادرة.وهذا ليس دليلا علي أهمية السودان،بل يدل علي قلق وانزعاج العالم من نتائج سياسيات النظام الحمقاء التي قد تضر بكل المنطقة.ورغم وجود أكثر من سبعة وزراء خارجية ومستشاريين ومقتحمين،لم تعد للسودان سياسية خارجية.بل اصبحت السياسة الداخلية هي السياسة الخارجية للسودان وللمجتمع الدولي.وهكذا افلت الزمام الامور من الحكام وانتقل الي الخارج.                                                                                 

ولان السودان لم يعد سيد أمره،فيجب الا نستغرب  وجود الآلاف من القوات

غير السودانية – ولا تهمني تسميتها هجين أو دولية – ولكن المهم أنها غير سودانية ومكلفة بحفظ السلام داخل التراب الوطني.هل يوجد تفريط وانقاص للسيادة الوطنية        أكثر من هذا؟ويضاف للقوات الاجنبية، المنظمات الانسانية الاجنبية والتي تقوم بالمهام التي تقع في صميم دور الدولة الوطنية وواجباتها تجاه مواطنيها.وحين اخذت النظام غضبة عليها بسبب موقف بعضها من المحكمة الجنائية،تم طرد بعضها وطلب من المنظمات الباقية أغرب طلب ،أريد به تأكيد سيطرة النظام علي البلاد.فقد طلب منها توصيل الاغاثة الي السودان وليس لها حق توزيعها!علما بأن الدولة الوطنية ترفض فكرة" الاغاثة" الاجنبية اساسا،وليس رفض توزيعها فقط!وهذا يعني أن أعدادا هائلة يتم اطعامها وعلاجها وتعليمها وتوفير المياه لها من قبل جهات ليست لها صلة بالدولة الوطنية.وهذا بالتأكيد خصما علي السيادة الوطنية وبالتالي ايضا هو اضعاف للارادة الوطنية.                                                                          

عمل نظام الانقاذ في سبيل التمكين،علي افراغ البلاد من المواطنين،ولا أتحدث

عن نزيف الكفاءات،بل عن حرمان المواطن من حق العيش علي تراب وطنه والانتماء له.وأصبح الوطن حقيبة سفر،تحريفا لدرويش،اذ حرم المواطنون من حق العمل والتعليم المجاني والعلاج اللائق بالاضافة لعدم ضمان حريته كاملة والتي تهددها قوانين استثنائية فظة.ولذلك،علينا الا نستغرب حين يتدافع  السودانيون عبر صحراء سيناء الي اسرائيل،الا يقول لسان حالهم:الموت أحبّ اليّ من ذلك الوطن الذي لا يضمني؟وهنا لابد من جملة اعتراضية،حين يتحدث عن اكتساح الانتخابات،فهي ليست مجرد صناديق في دوائر محددة،فهؤلاء المهاجرون وغيرهم صوتوا باقدامهم وتذاكر سفرهم ضد الانقاذ والمؤتمر الوطني.ومن أسوأ مظاهر التنازل عن السيادة الوطنية، موقف النظام من الدفاع عن مواطنيه المجودين في الخارج حين يتعرضون للظلم والاضطهاد. فالنظام – غالبا – ما يضع مصالحه في كسب تلك الدول علي حساب الدفاع عن مواطنيه.وأمامنا الاخيرلمعاملة السودانيين في ليبيا،وبالمناسبة لقد دأب النظام السوداني علي الصمت عن ممارسات ليبيا تجاه السودان عموما.فالنظام يطمع في أن تقوم ليبيا علي الضغط علي الفصائل الدارفورية للتفاوض مع النظام ،وهذا لن يحدث ابدا. وذلك لأن هذه الفصائل هي الورقة الفعّالة للضغط علي السودان،وابقائه في حالة خضوع أو صمت.ويستحيل ان يثور السودان علي ليبيا مهما فعلت في المواطنين السودانين،حسب صفقة التنازل مقابل وهم حل أزمة دارفور بجهد ليبي.ويمكن متابعة اهمال النظام لمواطنيه في حالات كثيرة مؤكدا تراجعه المستمر عن تأكيد سيادته الوطنية.ولا اريد الدخول في تفاصيل معاملة جواز السفر السوداني،اذ عليك ايها القاريء زيارة اي سفارة أو قنصلية أجنبية وتري منظر تدافع السودانيين في الهجير.واغلب السفارات لا تكلف نفسها بناء مظلة ولا تسمح لهم بالانتظار في الداخل.ويغيب عن قاموس الدولة الوطنية السودانية مفهوم يسمي :المعاملة بالمثل.وقبل فترة قصيرة هددت مصر علنا دول الاتحاد الاوربي بأنها سوف تلجأ الي هذا المبدأ لمعاملة رعايا تلك الدول حتي الدبلوماسيين منهم. أما في الداخل،فهناك وطنان وليس وطنا واحدا يتسع للاختلاف والتدافع،فقد تدخلت السلطة السياسية لاعادة توزيع الحقوق بانحياز معلن يفرق بين اصحاب الولاء والمخالفين.وهنا يساعد النظام في اضعاف الشعور بالانتماء الوطني،لأن المواطنة ببساطة حقوق وواجبات.وقد حرمت الانقاذ غالبية السودانيين من أبسط حقوقهم الاساسية.واجبرتهم علي أن يقفوا متفرجين لما يدور في الوطن وما يحدث له.ويستحيل في مثل هذه الوضعية أن تمارس أي دولة سيادتها الوطنية لأن شرعيتها مشروخة بسبب انفضاض مواطنيها عن مساندتها.ولذلك هي تجبر الناس – ترغيبا أو ترهيبا – علي الخروج لتأييدها.ومن ناحية اخري،تضعف الارادة الوطنية لأن المواطنين اصبحوا مجرد رعايا فاقدين لحق المشاركة الايجابية في ادارة شوؤن وطنهم.                                                                      

لا يسمح مقام مثل هذه المقالات بالاسهاب والتفصيل،لذلك ما تقدم هو رصد

سريع لمظاهر التراجع والتنازل عن السيادة الوطنية ،ولوهن وضعف الارادة الوطنية؛والمبدأن مترابطان.ولذلك،كانت الاستراتيجية الامريكية الاخيرة استغلالا جيدا لهذه الوضعية،وتتويجا لنجاح الضغوط الامريكية التي لا ترضي بالقليل.ولكن الكثير من المسوؤلين مارسوا الانبطاح التام حين تحدثوا عن بعض الايجابيات في وثيقة أكدت علي الابادة الجماعية.وقد نسي هؤلاء أو تناسوا أن كل المواقف الدولية ومدي تشددها أو مرونتها يقوم حول:هل هناك ابادة جماعية أم لا؟أما الأمر الثاني الهام،فهو التدخل السافر في الشوؤن الداخلية من خلال تحديد ماذا يجب أن يفعل السودان لكي يكسب ود امريكا؟ وأشد ما استفزني الحديث عن الحوافز! هل يعقل أن تنتظر دولة ذات سيادة حافزا خارجيا لكي تحسن معاملة مواطنيها أو أن هذا واجب طبيعي ومن صميم فعل الدولة الرشيدة؟ كان من المفروض أن يصيح اصحاب الحناجر الذين  يقلقون مضاجعنا في اتفه الموضوعات في وجه امريكا،رافضين ان تحفزّهم للقيام بالواجب والامانة الشعبية والربانية.ولكن يحدث العكس فهم يفتحون افواهم في انتظار الحوافز.هذا وضع غريب وشاذ ان تنتظر الدولة المتحكمة بنا شهادة حسن سير سلوك من دولة الاستكبار.وفي نفس الوقت ترفض أي  نصيحة أو مطلب يأتيها من جوبا أو ام درمان.وهي عنيفة وغاضبة وهددة ومتوعدة حين تأتيها مثل هذه النصائح الخجولة والمؤدبة.وتتلاطف في استقبال وعيد ناظر المدرسة العالمية.وصدق من قال:أسد عليّ وفي الحروب نعامة.                                                                      

لاحظت وسط هذا الضجيج والضوضاء،استدراك بعض المسوؤلين وشعورهم

بأن دولتهم ذهبت بعيدا في الانبطاح.فقد صرح الدكتور غازي صلاح الدين،مستشار رئيس الجمهورية،في لقاء صحفي:-" نحن نؤمن بأن مشاكل السودان يحلها السودانيون أنفسهم، وسنظل نعمل وفق هذا المبدأ،ولكن أي مساهمة نزيهة للمساعدة في معالجة تلك المشاكل نقبل بها وسنتعامل مع امريكا وفقا لذلك،مقيدين في ذلك بمبادئنا ومصالحنا الوطنية."(الاحداث20 اكتوبر2009)وهذا ما قلنا به دوما ولكن السلطة المتمكنة ذات اذن صماء.وللأسف نقول للسيد المستشار لقد تأخر الوقت كثيرا بعد أن وضعتم كل اوراق اللعبة في يد امريكا،وعليكم التعايش مع علاقة الحب/الكراهية حتي يقضي الله أمرا كان مفعولا.والأمر الآن أقرب من حبل الوريد.كذلك طالت الصحوة الدكتور مصطفي عثمان إسماعيل،مستشار رئيس الجمهورية،وصرح بأن الحكومة بصدد دراسة وصياغة استراتيجية سياسية للتعامل مع الولايات المتحدة الامريكية تقوم علي مبدأ المعاملة بالمثل(كنت اظنها موجودة اصلا!).ويؤكد اهمية هذه العلاقة.ولكن السودان لن يتخل عن ثلاثة مبادئ،وهي: الاحترام المتبادل،والمصلحة المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.واضاف:-"إن الاستراتيجية التي عرضت بصورتها الحالية نحن نرفضها رفضا باتا".(التيار24 اكتوبر2009).ويأتي علي رأس اشكال الاحترام المتبادل ضرورة اشتراط مقابلة المبعوثين لرئيس الجمهورية كرمز لسيادة الدولة.ولايوجد أي مبرر أن يتجول المندوبون في بلاده ،رامين بأي كياسة أو دبلوماسية.والعجيب قبول المسؤولين السودانيين لهذه الوضعية وتجاهل الدلالات التي تحملها من إهانة لنا كلنا كمواطنين سودانيين.فأنا كمواطن سوداني رغم معاضتي لسياسات الحكومة،ولكنني اجد في هذا السلوك اهانة شخصية لأنه يحكم السودان بغض النظر عن طريقة الحكم وطريقة الوصول الي الحكم.فكما احمل جنسية سودانية وجواز سوداني وأقف للسلام الجمهوري،فالرئيس ضمن هذه الرموز،اعارضه وأعمل علي اسقاطه في الانتخابات ولكن لا اقبل ان يتجاهله الاجانب وعلي أرضه.وهنا يمكن أن يكتمل الاحترام ياسيادة المستشار،ولكن أن يتجول قريشن في السودان وكأنه في دولة بلا رئيس،فانتم تفرطون في السيادة الوطنية عمدا.

يظهر في هذا المقال التركيز علي السيادة الوطنية أكثر من الارادة الوطنية.

ولكن هذا التمهيد يقودنا بسلاسة الي موضوع الارادة الوطنية في المقال القادم.