كان (محجوب شريف)حقيقة لا مجازا،حنجرة هذا الشعب،فقد كان لسانه ولسان حاله حين يحاول الطغاة  اسكات ذلك اللسان.
كان محجوب شريف هدية الفرح والأمل والحلم الساطع حين يحاول اليأس والإحباط ان يغوي إرادة الشعب،فيرفعه محجوب عاليا ويذكره بأنبل ما فيه..
كانت موهبته تكمن في تلك القدرة المدهشة في التقاط الكلمات العادية من الطين والتراب ليجعل منها فراشات تفيض بالجمال والسحر،ويحولها إلي لغة كأنها من نحت فدياس أو من أوتار زرياب،في حسنها ودقتها وتأثيرها.فقد انفرد محجوب برفع العادي والمعتاد الي عوالم متع العقل والقلب،وتحويله الي محفزات للتفكير الثاقب،وسند لإرادات  قلب لا يخاف ولا يتردد.
كانت قصائد محجوب زوادة للروح في أزمنة عسف العسكري الفرّاق والعسكري الكذّاب.تسند ظهر الشعب حين تتعب قدماه من الصمود، ويحاصره الإرهاق والعناء.فتأتيه مثل الأذان منبهة ومذكرة أن الطريق طويل وشاق، ولكن يهزمه الأمل والنضال المستمر واليقظ الذي لا تأتيه سنة ولا نوم..
ويكتب(محجوب) بهذه اللغة الجديدة البسيطة،قصائده السهلة، والتي تمتنع علي كل من يحاول ان يقلده،أو يكتب مثلها.ويحرق اصابعه لأن تلك اللغة والاحرف ليس لها من مطوع غير اصابع محجوب.وهذا أيضا من اعجازه المحير لغة نتداولها يوميا ولكنها نجدها وقد ارتقت عنده الي ما أذن سمعت.
هذا عن شكل قصيدة (محجوب) ،ولكنه يكرر نفس الإعجاز في مضمونها،حين يحوّل الحدث اليومي العادي إلي قضية عظمي وهم إنساني يستوقف كل غافل لا يشغله ما حوله لأنه مستغرق في احلام عصافير، وهو يري العادي من هموم الكون.وهنا(محجوب) يريد أن يقول ليس في حياة ووجود الإنسان ما لا يستحق التوقف والاهتمام.وهذا منبع الاشتراكية الانسانية التي ميزت فكر(محجوب شريف).فالانسان هي القيمة العليا التي لا تعلو فوقها قيمة.وكأنه يردد دائما:لقد خُلق السبت من أجل الإنسان،وكذلك صُنع الحزب من أجل الإنسان.فقد كان الإنسان هو "اللائحة"والنظام،والصلاة.كان يري في أي حدث الإنسان، فيمسك بهذا الإنسان.ولذلك كان يقبض علي هذا الجوهر وصارت له القدرة الخفية علي اقتناصه من وسط كل ما هو عابر أو ضئيل او تافه.
كان(محجوب) في قلب قافلة نبلاء رفعوا شعار:" اللغة من أجل الشعب".فنراه دائما مع (بيرم التونسي)و(أحمد فؤاد نجم)و(صلاح جاهين)و(مظفّر النواب)و(والت ويتمان)والاخير الذي وصف أبناء قبيلته:"لقد حملوا الغذاء الي الطيور الزّغب التي عليها الآن أن تنهض وتطير وتغرد بنفسها".
جاء شعره في أصعب الاوقات، ولكنه آمن بأن الجمال ممثلا في الشعر يعيد ترتيب العالم ويجعل الحياة تستحق أن تعاش رغم صعوباتها.وقد تحمل بجسارة مسؤولية إعادة النظام لفوضي العالم،وأن يطارد القبح من حياة الوطن.وحاول ان يسكن الشعب في الحلم واجب التحقق رافعا أياه من عذابات وخيبات لا تنتهي،تبثها وتحرسها انظمة العجز والجحيم.ورغم ان شعر(محجوب)ورفاقه تنوشه أسهم النقد التي تتهمه بالمباشرة وعلو الصوت.يري الكثيرون أن الغموض هو ميزة جمال المرأة والشعر.كما أن (مندور) و(نازك الملائكة)،جاءا الينا بمفهوم "الشعر المهموس" الذي يذهب الي القلب مباشرة دون الارتطام بالأذن. ولكن ناس (مجحوب) اسسوا لجمالية وحساسية شعرية جديدة تقوم بتجميل المباشر قبل أن تنقله كما هو للمتلقي.ويضاف الي ذلك أن هذا الشعر يغني ولا يقرأ أو يتلي فقط.الغناء واللحن يضفي علي المباشر المعلن والواضح جمالا يتشابك مع الطرب والترديد فيعلو درجة علي أي شعر آخر.يستحيل أن يهرب الشعر الملتزم من المباشرة ،ولذلك فهي ليست نقيصة في هذه الحالة لأن للشعر وظيفة الي جانب المتعة والتذوق.فشعر(محجوب)ورفاقه ليس صاخبا أو ضاجا،بل مهمته أن يزلزل ولا يدغدغ تلك النفوس التي غطاها الكري والفتور.
كانت حياته شعره،وكان شعره حياته.فقد كان يتوق أن يري ما يتمناه وينشده قد أصبح واقعا خلال حياته.فقد  احتوت قصائده علي "مانيفستو" أو بيان أو نداء: حرية،وتنمية،وسلام.من يقرأ شعره جيدا يجده يحتوي كل تفاصيل برامج الاحزاب، وتوصيات المؤتمرات.وكان يتوق أن تكون حياته وحياة وطنه كما قالت قصائده، فردوسا ارضيا،وكان هذا ممكنا.فقد كان من حقه أن يعيش حياة طبيعية:يدرس التلاميذ،وينظم الشعر،ويجلس مع بناته في مرح،ويشرب شاي المغرب بانتظام في بيته ومع أصدقائه.ولكن شئنا لوطننا أن يكون ساحة سجون ومطاردات وملاحقات ومراقبة،وصار نصف السكان يطارد النصف الآخر. ويُصرف علي الأمن ضعف ما يصرف علي التعليم والصحة.هذا وطن شاذ،قضي(محجوب) فيه عمرا قصيرا بلا راحة: سجينا، أوملاحقا،ومفصولا من العمل.ويتكرر نمط حياته علي آلاف السودانيين الشرفاء.فكيف يُرجي لمثل هذا البلد تقدما؟لقد أصيب الوطن بقرحة العسكر والاستبداد، وظل ينزف منذ الاستقلال وحتي الآن،وقد اقترب من الاحتضار.فقد أهدر السودان كل طاقاته وامكانياته في أمن وتأمين السلطة،فحرم(محجوب) والكثيرين من السودانيين من حق طبيعي بسيط:أن يكون في وطنه وأن يعيش بالطريقة التي يختارها ويريدها. ولكن سُلط القمع اقتطعت جزءا مقدرا وخصبا من حياة(محجوب)وتدخلت في هبة القدر في حياة طبيعية.

لقد مات محجوب شريف واقفا وعينه الي السماء لم يتراجع ولم يهادن حاملا قضيته حتي انتقاله الاخير.وهذه فكرة عظمة الصمود حتي النهاية،وهذه هي القصيدة -الدرس الذي أبي محجوب إلا يكمل بها صورة حياة المناضل الحق،واتساقها فكرا،وقولا،وفعلا.فقد صمد(محجوب)مسلحا بشعره وحزبه،وكان أحساس أنه ليس بمفرده يملأه بالعزيمة القوية والأمل الذي لا يخيب:
يمه السجن مليان رجاله ما بتنداس
الخاتو قبلي الساس
والشالو هم الناس
يالهم من رجال عظماء شامخين ،ولكن بالمناسبة أين هم الآن يامحجوب؟ فقد عرفناهم(كليتون)وطليعة ومقدمة جسورة،وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر.
يحرجني مرأي العابرين: مصطفي سيداحمد، وحميد، ووردي،والدوش، فقد رحلوا مبكرا قبل أن يروا الفجر الذي غنوا وأنشدوا له.لذلك شملنا الحزن المضاعف
برحيلهم: الفقد والحلم المُعطل.واليوم يلحق بهم محجوب.نحن مطالبون باعتذار لهم ولك يامحجوب، لأننا تركنا ماتحلم به يوماتي مستباحا لعصبة من المشعوذين والطفيليين،ولم نشرع في بنائه بجدية وعزم. وتظل"حنبنيه" تطاردنا  وتلاحقنا مثل بومة الصدى"حتي تقول الهامة اسقوني".فقد تأخرت"حنبنيه" وظلت أملا مستقبليا ولم تتحول الي فعل وضع اللبنات لما تحلم به.ولكن قد حدث ما خشيته:-
أخاف الطريق..
اللى ما بودى ليك
وأعاف الصديق
اللى ما بهم بيك
للأسف ،فقد ضاع الدرب أو الطريق الذي يؤدي إليه من الجميع،كما تحول كل الاصدقاء الي الحلول الفردية .ولكم الحق في أن تعافهم لأنهم لم يعدوا يهمون به،ولم يعدوا مهجوسين يومياتي به وببنائه.
أخيرا،يعزينا (درويش) بأن أمثال (محجوب)خالدون وكانوا علي مر التاريخ يهزمون الموت،وأكرر قوله المحبب:-
هزمتك ياموت الفنون جميعها
هزمتك ياموت الاغاني في بلاد
الرافدين.مسلة المصريّ،مقبرة الفراعنة،
النقوش علي حجارة معبد هزمتك
وانتصرت،وأفلت من كمائنك
الخلود...  
فاصنع بنا،واصنع بنفسك ما تريد.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////