بدأت هذا اليوم بمطالعة البيان التأسيسي للحركة الوطنية للتغيير ومع نهايته كنت في حالة حزن وهبوط روحي مكتمل الأركان. ورغم أنني وجدت بين الموقعين كثيرا من الأصدقاء وكثيرا من المعارف، ويتميزون جميعا رغم اختلافات المواقف والرؤى، بقدر كبير من النزاهة وحسن الطوايا.ولكن الحب أو التقدير لا يمكن أن يكون أقوي من الحقيقة وهي أنهم أضافوا للخيبة والتيه وقودا اضافيا في وقت حرج.فقد توقعت أن تقوم هذه المجموعة الطيبة بخطوة قوية وذكية من أجل توحيد هذه الفسيفساء السياسية المشلولة لا أن يضيف كيانا نخبويا لا يرضي غير اصحابه ويرفع عن العتب والشعور بالذنب والتقصير.من أين يكتسب هذا الحكم صدقيته وصحته؟
أولا: أغفل البيان عنصرا يسمي التاريخ والزمن، فهذا بيان كان بفترض أن يصدره المثقفون الحادبون علي وطنهم يوم2 يناير 1956 وليس يوم8 أو9 مارس2014.فقد جاء متأخرا كثيرا بلا جدوي الا من قبيل تبرئة الذمة. ففي اللحظات التي أكتب فيها هذا المقال يكون قد تم اغتصاب ثلاثين طفلا علي الأقل حسب افادات أو تلميحات (الجميعابي)، وتكون عشر قري قد احرقها الجيش أو هاجمها (الجنجويد)، وتكون الآف الدولارات قد وصل الي دبي أو ماليزيا،ويكون آخر جنية من أموال النفرة الزراعية أو الثورة الزراعية قد حوّل لمقاول يشيد بيت أحد مسؤولي الثورة الزراعية.وهكذا هو السودان في وقت صدور بيانكم،تحت استباحة كاملة منذ اليوم الأول لحكم الاسلامويين وحتي آخر تعديل وزاري في ديسمبر الماضي لا يقدم أي وزير جديد اقرار ذمة. فهم لا يحترمون شعبهم ولا يرون أنفسهم محاسبين أو مسؤولين أمامه.فهذا نظام عصي علي التغيير أو الاصلاح من داخله أوخارجه.هذا نظام(نيروني) فقد كان (نيرون)ممسكا بقيثارته ويغني،بينما (روما).ونفس الشئ النظام يغني لحن(الحوار) مع كورس المنظراتية والصحفجية خلفه ليل نهار. والشعار دار ابوك ان خربت شيل ليك منها شلية.والحوار هو كلمة السر لاضاعة الوقت وشغل الانتباه عن الجرائم.فهاهو السيد نائب الرئيس يبشر بأن الاعلان عن الآليات سيكون بعد اسبوعين علما بأن خطاب الوثبة قد مر عليه 41يوما(27 يناير الماضي).
ثانيا: الأمر أبعد من السياسة والسلطة والمعارضة والحكومة،فقد انتجت الدولة الفاشلة -بالقمع والعنف وتزييف الوعي-مجتمعا فاشلا.وهذا ما شخصه بيانكم:"..تمزق النسيج الاجتماعي،وتدهور القيم،واستشراء الفساد،وانسداد الأفق داخليا وخارجيا".والمجتمع الفاشل لا يحتاج لفكركم وتحليلكم بعد أن أحكم النظام تشكيل عقل المجتمع ووعي شعبه.انظروا لأجهزة الأعلام ومن يجلسون علي مقاعد رؤوساء التحرير ومن يطلون عبر القنوات الفضائية! تصور جهة ما تؤسس صحيفة ويجند لها رئيس التحرير أمهر الأقلام وان لم تكن أصدقها. ثم يُنقل رئيس التحرير الي صحيفة اخري، وينقل معه جماعته بكاملهم. لاعب الهلال (هيثم) وضح لماذا انتقل من فريقه، بينما يواصل "المفكرون" في صمت،الكتابة والقيام بالمهام.وبينما يستمر جهاز الأمن في مصادرة الصحف يوميا،يقف صحافيون سودانيون مدافعين عن الحرية،يقومون بوقفة احتجاجية لاعتقال صحفيّ قناة (الجزيرة) في مصر، متجاهلين ما يفعله ولي نعمتهم يوميا بزملائهم في الخرطوم. صحيح الاختشوا ماتوا! هؤلاء هم "قادة الرأي" وهذه هي السلطة الرابعة في البلد الذي تريدون تغييره. ومن ناحية اخري، ولأن أغلبكم له صلة بالتعليم والمعرفة،فليس من حقي تذكيركم بنوع التعليم الذي يشكل عقول وقدرات شباب المستقبل.هذا المجتمع الفاشل لا يحتاج للعلم والعقل وكل ما يوجع الدماغ.وهو بالتالي لا يحتاج الوطن للفكر الوطني الجاد  بل تكفي عمة كبيرة، وجزلان ملئ،وعرضة في أغاني الحماسة،وتعددية زوجية وليست سياسية.وتنضم لهذه الكتيبة، أقلام مستأجرة تدافع عن ثغور النظام –اعلاميا-في لندن والخليج  والبلاد الغربية. فهذه هي "النخبة" الناجحة حاليا والتي يحتاجها النظام في افشال المجتمع، واستمرار حكم الاستباحة.
ثالثا: تتسم النخبة السودانية بعدم التعامل مع التاريخ جديا بقصد تراكم تجاربها ،والتقدم عوضا عن التكرار وعدم نقد الماضي.يدور هذه الايام حديث عن دور لاساتذة جامعة الخرطوم،فتذكرت الخبر التالي:-" افتتح مدير جامعة الخرطوم أمس(27/4/2009):منبر السياسات الذي ابتدرته جامعة الخرطوم بخطاب قصير في جلسة ترأسها السيد أبيل ألير،قبل أن ينتقل المؤتمر لمناقشة المحور السياسي والدبلوماسي التي قدمها الدكتور صفوت فانوس وورقة المحور القانوني التي قدمها الدكتور محمد عبدالسلام والمحور الاقتصادي الذي قدمه محمد محجوب هارون.وأشار مدير الجامعة في ورقته للدور القيادي الذي لعبته الجامعة في القضايا الوطنية عبر التاريخ والمبادرة التي اطلقتها مؤخرا لمعالجة أزمات السودان".(الأيام28 ابريل2009).ولم يوضح لنا أي شخص هذه الايام ماذا حدث لتلك المبادرة وما الدرس الذي يمكن أن يتعلمه اساتذة الجامعة ذات" الدور القيادي" في العمل الوطني؟هذا نظام شكل تاني، وكان لابد من تقييم التجربة قبل البدء في محاولة جديدة. وبالمناسبة قبلها بفترة قصيرة ،كان ملتقى (مبادرة أهل السودان) الذي عُقد في الفترة من 16/10/2008م حتى 29/10/2008م بقاعة الصداقة  ثم كنانة وانتهاء بقاعة الصداقة .وقد صرفت عليه أموالا طائلة، وصاحبه ضجيج اعلامي هائل،والآن لا يسأل أي شخص عن تلك الجهود الضائعة والوعود المعسولة.
وعلي مستوي آخر قرأنا في الصحف قبل أعوام:"وقع حزبا المؤتمر الوطني والامة القومي مساء امس في ليلة احتفالية كبيرة امها عدد كبير من قيادات الحزبين وقعا علي اتفاق التراضي الوطني حيث وقع عن المؤتمر الوطني المشير عمر البشير رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر فيما وقع عن حزب الامه السيد الصادق المهدي رئيس الحزب. وفيما يلى نص الاتفاقية:
ديباجة: إدراكاً من الحزبين بأهمية الحوار بوصفه الوسيلة الفعالة في معالجة القضايا والمشكلات الوطنية، ووعياً منهما بضرورة أن يكون هذا الحوار في إطار البيت الواحد حواراً سودانياً سودانياً خالصاً.. واستشعاراً منهما بالمخاطر والتحديات والمهددات التي تواجه البلاد.. واستلهاماً لتطلعات الشعب السوداني في التحول الديمقراطي والسلام العادل والشامل عبر جمع الصف الوطني، صوناً للبلاد تراباً وهويةً وإنساناً.. وسعياً نحو حشد الطاقات وتكامل القدرات للإرتقاء بالوطن نحو آفاق الحرية والديمقراطية والشورى والسلام والعدالة والتنمية والاستقرار والكرامة والرخاء والعيش الكريم، انعقدت اللجنة المشتركة بين الحزبين وعقدت ستة عشر اجتماعاً امتدت لفترة أربعة أشهر في جو يسوده الوضوح والصراحة والصفاء والود والإحساس الغامر والعميق بالمسئولية الدينية والوطنية وبمتابعة متلاحقة من مؤسسات الحزبين، ركزت اللجنة المشتركة بين الحزبين جهودها حول سبعة موضوعات..." تم اعتماده من قبل رئيسي الحزبين في : 13 جمادي الأولى 1429هـ الموافق 20 مايو 2008م السيد الإمام الصادق المهدي المشير عمر حسن أحمد البشير رئيس حزب الأمة القومي رئيس المؤتمر الوطني .(سونا)من جرب المجرب حلت عليه الندامة!
رابعا: دأبت النخبة السياسية السودانية علي تغيير مواقفها كما تغيّر أحذيتها.وقد تكون التحولات سمة بشرية ولكن هناك ضرورة للشرح والتوضيح –لماذا حدث ما حدث وما الذي استجد؟ فالكثيرون تجاهلوا مواقفهم القديمة وقفزوا عليها.ومن النماذج الدالة: يكتب الاصلاحي (غازي صلاح الدين العتباني) في (الشرق الأوسط) بتاريخ 20 أبريل2010 عن الانتخابات:" ستعيد الانتخابات السودانية التى جرت اخيرا،تركيب البنية السياسية بأكملها في السودان،حيث أنها اضخم وأعقد عملية انتخابية جرت في وقت واحد في أي مكان في العالم".وينتقل من هذه الميزات التي تبدو شكلانية ليتحدث عن حزبه الذي قام بهذا الانجاز:" وبالنسبة للمؤتمر الوطني فقد أثبت أهليته لأن يكون حركة سياسية ومعاصرة،لا هي طائفية ولا قبلية ولا جهوية،بل هي حركة سياسية واجتماعية مفتوحة لجميع السودانيين الراغبين في الالتحاق بها والعمل من خلاله".أيها الاصلاحي الصنديد لماذا تخرج من حزب بكل هذه المميزات؟أنها النزوات التي تحكم كل سلوك النخبة وخياراتها.
خامسا: الحركة ستضيف رقما الي التشرذم.حقيقة لا ادري الحكمة من هذا العدد الهائل من الجبهات والتجمعات والتنسيقيات وفي نفس الوقت لا ينقطع الحديث عن المطالبة بوحدة القوى الوطنية والثورية وال...هل توجد بالفعل حاجة موضوعية لهذا الكيانات الاميبية بل هي مجرد طاووسية ونرجسية النخبة بما فيها الشباب الذي تعلق عليه الآمال؟هل يعلم أحدكم عدد هذه الكيانات التي توقع علي البيانات التي تطاردنا كل يوم والنظام ثابت ويزيد.التغيير لن يتم باضافة حركة أوتيار ولكن بتوحيد ما هم موجود.وما ورد في هذا البيان التأسيسي مكرر ومستهلك،نقرأه منذ اكتوبر1964، وميثاق الدفاع عن الديمقراطية ومؤتمر القضايا المصيرية في اسمرا،واخيرا الفجر الجديد.
جاء البيان التأسيسي شعاراتيا بامتياز لأن لم يقدم أي مقترحات لآليات عملية، وخطة عمل وبرنامج زمني محدد وغير مفتوح.بل اكتفي وكرر شعارات مثل: "دعوة للحوار"و "الانتماء للوطن"وهل قال هؤلاء الحاكمون أنهم لا ينتمون للوطن؟ كما جاء فيه كثير من التلاعب اللفظي بلا دلالات،وكلام كبير وفخم عن :الانفتاح،الاختراق واعادة التركيز؛مجرد كلمات خاوية لا يوجد لها مقابل موضوعي في الحياة والواقع .فقد جاء أقرب الي التمارين الذهنية والاستعراضية.كما أن التعبيرات ليست دقيقة،فعبارة مثل"اعادة بناء الوطن" هي ابعد من مجرد فكرة التغيير التي قد يقوم علي نفس البناء القديم.ولو قصد البيان الهدم لما هو قائم ثم اعادة البناء ،فهذا هو المعني الصحيح والمطلوب.ولكن "التغيير"بمعني "الاصلاح" لما هو قائم، فهذا حرث في البحر.
أخيرا،ألم تلاحظوا أن كل الموقعين فوق الستين؟ وأن بعض الموقعين يعيش في الخارج؟وأن من القي البيان ترأس حكومة جاءت بعد انتفاضة شعبية أي وجد فرصة للتغيير؟ المستقبل غائب في بيان الحركة، والأزمة وصلت درجة الانهيار والسقوط.وبالتأكيد قرأتم في التاريخ ماكتب عن سقوط الأمم عند ابن خلدون واشبلنقر وجيبون وغيرهم.وكل المقدمات التي عددوها  كأسباب في انهيار الأمم التي بادت، ظاهرة يوميا في سودان اليوم.ولا تظنون أن السودان كما يقول وهم الامتياز والاستاذية،سيكون استثناء لا تطاله احكام التاريخ والدهر علي الأمم والمجتمعات الفاشلة.احفظوا للموت وقاره ،وقد يكون السودان الآخر القادم مثل طائر الفينيق، يأتي التغيير من رماده ولكن ليس من تعديل ما هوقائم وماثل.
e-mail:عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.