ماركس لم يزر السودان أبداً..!
(الحلقة السادسة)
حيدر ابراهيم علي
مركز الدراسات السودانية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
خرجت المناقشات المفتوحة والمكتوبة بالذات بعدد من الصعوبات التي تواجه العمل الجماهيري والقيود التي عطلت اتساع العمل، ومنها:
ضعف وجدب الحياة الداخلية للحزب.
لا يتوافر الخط السياسي الواضح، والتكتيكات المعلومة المتفق عليها، والواجبات المحددة المعتمدة على الخط التنظيمي السليم.
ارتباك العمل القيادي في سكرتارية المديرية في فترة شبه العلنية وآثار ذلك الممتدة حتى الآن.
ضعف العلاقات مع القوى السياسية الأخرى وغياب العمل المشترك بالضرورة.
تحاشي دراسة تجارب العمل السياسي الجماهيري وتعميمها وتعميم تجاربها مما جعل المراحل متقطعة.
غياب المعايير الصحيحة لاختيار الكادر القيادي الذي عليه تقديم المساهمات والمبادرات في ظل اوضاع متغيرة باستمرار. (المخطوطة السابقة، ص95).
تمحورت المناقشات بصورة تشبه الاجماع، حول ضعف الكادر لاسباب مختلفة، وقد أثر ذلك على تنظيم الحزب، ونضاله على كافة الجبهات: الفكرية والسياسية والاقتصادية والتنظيمية. ويقول أحدهم: " فلم يعد هناك القادة الشيوعيون المعروفون على نطاق الوطن: بين العمال وقفنا عند الشفيع، وفي السياسة وقفنا عند السكرتير العام (يقصد عبدالخالق) وفي النساء وقفنا عند فاطمة" (المخطوطة، ص178) ونضيف بين المزارعين عند شيخ الامين. ويرى البعض ان قضية الكادر في الحزب قديمة وضعت في أجندة المؤتمر التداولي عام 1970 بالتصويت "ولم تتم مناقشتها بالتآمر"، ظلت محظورة في المناقشة حتى الآن. وكانت النتيجة عدم اكتمال مقومات العمل القيادي وبالتحديد تحسين ودعم التركيب القيادي وتحسين تكوين الكادر الشيوعي، حسب قرارات دورة سبتمبر 1984. ومن أهم مظاهر الجمود والانحراف عدم الالتزام بمبادئ تنظيمية أولية، فعلى سبيل المثال ينص الدستور على عقد المؤتمر العادي كل عامين. ويتساءل بعض المناقشين عن اللجنة المركزية الحالية ومن تبقى منها وكيف تعمل ؟ فقد حل المكتب السياسي محل السكرتارية المركزية. وهذه الوضعية وثيقة الصلة بوجود وغياب اللجنة المركزية لان المكتب السياسي او اللجنة السياسية "هي الهيئة المركزية القائدة لعمل الحزب في الفترة ما بين اجتماعات المجلس العام". وينسحب الأمر على المكاتب المركزية التي تكون لخدمة متطلبات عمل اللجنة المركزية. ومسؤولية المكتب السياسي ينحصر فقط في الاشراف على تلك المكاتب.
يشكو المناقشون من عدد من السلبيت نتجت عن الحالة التي يعيشها الحزب منذ المؤتمر الرابع رغم الظروف الموضوعية التي مرت بها البلاد سياسياً واقتصادياً، والظروف الذاتية التي عاشها الحزب وبالذات تداعيات 19 يوليو 1971. وهذه السلبيات لابد من مناقشتها لمعرفة مداها والقدرة على التخلص منها وتجديد روح ودور الحزب الشيوعي في هذه المرحلة الحرجة. وهي تتمثل في ضعف الكادر القديم، ضعف مستوى فروع الحزب وقد أشارت وثيقة التحضير لمؤتمر الفروع المنعقد في 25 مايو 1967: "من بين الاختلالات الأساسية في اداء الفروع بل أولها: غياب وجهة ومناهج العمل في مختلف الجبهات اي غياب المرجعية التي تعبر عن العقل الجماعي للفرع". وجاء في العدد الثالث من النشرة الداخلية "الشرارة":
(امتلأت الساحة السياسية بالمغتربين السودانيين في بلدان عديدة، يفيض من التنظيمات الحزبية الجديد والمنابر والتجمعات الفكرية والتيارات السياسية، جميعهم يدعون تمثيل القوى الحديثة ويرفعون شعار وحدة القوى الاشتراكية او وحدة قوى اليسار. ويطرح اغلبهم شعار حل الحزب الشيوعي. وجهتنا العامة هي ان نصارع كي لا يبني هؤلاء تنظيماتهم على انقاض الحزب الشيوعي. نحن حقيقة لا نمثل كل القوى الحديثة. ليس لدينا الرغبة في ان نكون عراب هذه القوى او الأب الروحي لها. وندرك تماماً ان الشعار المناسب اليوم لتفعيل المقاومة الشعبية ضد نظام 30 يونيو الفاشي، ليس شعار وحدة قوى اليسار او جبهة القوى الاشتراكية بل هو لواء التجمع الواسع، ولكن آن الأوان كي ينتقل الفرع من العام الى المحدد والملموس. أليس من المهم ان يرصد الفرع في اطار عمله السياسي، هذه التنظيمات والمنابر؟
تشكو الحياة الداخلية من العقم – كما ذكر بعض المناقشين – حيث يكشف جدول اعمالها عن ذلك، اذ لا شئ سوى "نقاط ميتة" وترديد: تنظيم، مالية، ميدان.. الخ. وفي نفس الوقت يهمل العمل في عشرات الميادين من العمل الاصلاحي في الأندية والتعاونيات والعمل الثقافي. ويضيف البعض "بان مديريات بأسرها تنزع اعضائها من حياتهم وارتباطهم بالجماهير وتحشرهم في اجتماعات طويلة حملة مرتين في اسبوع: واحد تنظيمي والثاني سياسي ولا يدري احد ما الفرق" (صلاح 74). ورغم ان عبدالخالق قد تعرض لهذه الممارسة عام 1963 الا انها ظلت قائمة لانه لم يتم اصلاح الخطأ، يقول: "وطول الاجتماع دون مبرر هو تعذيب للاعضاء. صحيح اننا ننجز ماهو مطروح من أعمال في اجتماعاتنا، ولكن فرع الحزب الذي يجتمع بالساعات الطوال لابد ان يكون مرتكباً لخطأ ما. فلو ان الاجتماع حضر له بعنايته ومسئوليته (....) فان ذلك الاجتماع سيكون مريحاً ومثمراً، ان الكثير من العناصر المناضلة وخاصة من العمال يحومون حول الحزب خوفاً من تواتر الاجتماعات وطولها الذي يسل الروح من الجسد. كما ان الكثير من العناصر الثورية التي انضمت الينا فرت بجلدها بعد ان جربت تلك الاجتماعات" (صلاح، ص39) ويهتم بهذا الموضوع باعتبار ان الاهتمام بالاجتماع الحزب هو مسؤولية فيما يختص بصلة الحزب الشيوعي بالجماهير.
ركز كثيرون في المناقشات على اتجاه خلق الجديد رغم محاولات فرض القديم البالي. ويرى البعض ان ضعف الامساك بقضية الخط التنيظيمي وعمليات البناء تحتاج لرفع حالة اليقظة الثورية التي لا تزال ضعيفة ولا ترتقي لمستوى التآمر ضد الحزب والديمقراطية. وطالبت المجلة الداخلية "الشرارة" باعادة النظر في مفهوم الطليعة والتعامل مع الديمقراطيين وطرحت توصيات لتبني القضايا التالية كأرضية مناقشة:
قضايا العصر (المتغيرات).
برنامج العمل السياسي.
التعددية الحزبية.
مفهوم الديمقراطية.
طابع التغيير.
ترتيبات الفترة الانتقالية.
قضايا المناطق المهمشة.
حقوق الانسان.
المغتربون (المهاجرون).
دراسة التحالفات المهنية والتوجه اليها كمجموعات.
اجراء الرصد الدقيق في فروع الحزب للعناصر الديمقراطية وتلمسها وتحديدها والوصول اليها.
مزيد من النقاش لتحديد معنى التحالف مع الديمقراطيين بصورة دقيقة.
ضرورة الخروج للجماهير ونبذ روح الانكماش والتوجه بصيغ علمية ملموسة.
من الضروري التوقف عند قضية "حل الحزب الشيوعي" كما وردت في المناقشات، فهذه فكرة قديمة لم يتوقف طرحها داخل الحزب، خاصة في فترات الأزمات، ولكنها في الظروف تبدأ بالغاء او حل او دمج الحزب الشيوعي واحد جديد. ففي بعض التجارب وبالذات بعد قرار حل الحزب الشيوعي عام 1966، ظهر اسم الحزب الاشتراكي السوداني عام 1967 وحزب العمال والفلاحين عام 1968 ثم جاء انقسام 1970. وفي تلك الفترة كان البحث عن الشرعية وتجنب الملاحقات القانونية، سببا في الدعوة الى اعادة النظر في الاسم. وذلك لان الاصرار على الاسم القديم يعني تحول الحزب الى السرية وهذا نفي لشعار المؤتمر الرابع – لاحقاً – تحويل الحزب الشيوعي. وكان رأي عبدالخالق ان السرية لن تمنع محاربة الافكار الماركسية تحت اي مسميات أخرى طالما استمرت القوى التقليدية والرجعية في تصعيدها حملتها ضد الشوعية والاحساس بخطورتها على وجودها. كما رفض اتجاه ابعاد الماركسية والتركيز على الاشتراكية العلمية بوصفها بديل كامل ومقبول، باعتبار ان الماركسية اللينينية تمثل فرعاً من فروع الماركسية. وهي ذات مفهومات مختلفة حين استعملت في بلدان عربية وافريقية وقد دخلت في تنظيمات تلك البلدان عناصر البرجوازية الوطنية من لديهم مواقف ضد الماركسية. وتعرض لخشية البعض اتهام الحزب الشيوعي بالعمالة للخارج والالحاد، وتوصل الى ان هذه المسائل سيبرهن على تهافتها بالفعل لا بالقول ان نشاط الحزب الشيوعي نابع من الوطن ويستلهم مصالح جماهير الشعب، كما لا يستفز مشاعرها الدينية والقيمية عموماً.
ليس من الممكن ختام هذا الجزء الخاص بالتنظيم دون التعرض لقضية حازت على كثير من الاهتمام وهي شخصية زعيم الحزب الشيوعي، عبدالخالق محجوب، وانقسم حولها الشيوعيون اكثر من انقسامهم حول قضايا الحزب الفكرية والسياسية، فقد كان عبدالخالق شخصية كارزمية كاسحة داخل حزب طليعي مكون أساساً من مثقفين طموحين وناقدين باستمرار. فقد تطلب مستوى المجتمع والثقافة السائدتين في السودان وجود أب او زعيم قبيلة او شيخ او شرتاي او رث على رأس الحزب، يملك صفات تلك الشخصية بالاضافة الى قدرات سياسية حديثة، فالاحزاب داخل النظام الاجتماعي الأبوي او العشائري تكتسب أغلب قوتها وجاذبيتها من شخصية الزعيم الكارزمية وليس العكس. ورغم ان أجهزة الحزب هي التي تصعد الزعيم، الا ان وجوده هو الذي يعطيها الشرعية وتستمد منه القدرة على جذب الناس للتنظيم. لذلك لا تتغير القيادات الحزبية من خلال الوسائل الحزبية العادية، الا بالموت او حل الحزب وفرض قيادة أخرى مثلاً وهي تولد ميتة.
كان عبدالخالق هدفاً جيداًَ للشيوعيين المغادرين للحزب، فقد نقرأ عن "الشيوعية الأصول" او الستالينية عند عبدالخالق، حسب وصف د. فاروق محمد ابراهيم، او دكتاتور مسؤول عن تصفية الحزب حسب احمد سليمان المحامي او وصفه الشاعر صلاح احمد ابراهيم باناني – الإله والساحر الافريقي، وغيرها الكثير من الأوصاف والنعوت. ولا اكرر قصة خروتشوف مع الشيوعيين الصامتين زمن ستالين، فقد صنعوا ستالين وهنا عبدالخالق ثم انقلبوا تبرئة للذمة فقط. وذلك لأن عبدالخالق لم ينزل من السماء بل اختارته وحمته أجهزة الحزب وقبلت به وشاركت في ابعاد زملاء من الحزب، وردد الاتهام ضد بالانتهازية والتحريفية، وساعدت بهمة في عمليات اغتيال شخصية جرت داخل الحزب. كانت مسؤولية جماعية والخروج المتاخر او القسري لا يغدرهم ولا يعطيهم الحق في جعل عبدالخالق حائط مبكى او قميص عثمان. ويبدو ان الشعور بالذنب يلاحقهم طويلاً خاصة وان الشيوعي يخرج من الحزب ولكن الحزب لا يخرج منه مهما فعل.