(1)


جعل إسلامويو الإنقاذ من الوطن بعد احتلاله الداخلي، شيئا يطابق لوحة سريالية بامتياز. إذ يختلط الخيال بالواقع، والوعي بالوهم، والحقيقة بالكذب. وتأتي خطبهم واحاديثهم لتصف مكانا غير السودان، وكأنه قد اوحي لهم به جند سليمان. وحين يخطبون في المحافل، تحسبهم سكاري، وماهم سكاري ببنت الكرم، ولكن بخمر السلطة والتي وجدت قبل أن يخلق العقل. ويقدمون هلوسات بجرأة ووقاحة لا نظير لها بين الناس الطبيعيين. تصور أنهم يتحدثون عن صعود الإسلام في السودان، والحرية والديمقراطية، والمساواة في فرص العمل! فالمشكلة أننا نظن أنهم يفكرون مثلنا أو مثل الناس الطبيعيين. هذه جماعة تتميز بالشذوذ العقلي لأنهم لا يدركون أو يتعمدون الهرب من رؤية واقع منهار ومهترئ يري بالعين المجردة ويوميا.   

هذه الحالة الراهنة تشبه كوميديا سوداء، أومسرحية كتبها (بيكيت) أو (يونسكو) ، وقد تكون رواية يسردها (كافكا) مثل: المحاكمة أو المسخ. كل هذا ممكن ومحتمل، ولكن أن  تكون حياة لشعب عظيم مثل الشعب السوداني، يستحق الكرامة والإعزاز؛ فهذا هو الجنون والجحيم والظلم عينه. لذلك من الخطأ والعبث التعامل مع هذه الجماعة بلغة المنطق والحوار والفكر والحديث الراقي. فهذه جماعة أقرب إلي العصابة أو المافيا منها إلي الحركة السياسية. وذلك، لأنها تعشق الكذب، ويخلو صدرها من تأنيب الضمير والوازع الأخلاقي. فعلي سبيل المثال، تزامن مؤتمرهم مع حادثة الصحافية سمية هندوسة، وهو حادث يهز أي ضمير حي. ولكنهم قسّموا العمل: مجموعة تتحدث عن الشوري وسماحة الإسلام في قاعات المؤتمرات المكيّفة، بينما مجموعة أخري من نفس التنظيم  والجسم الحاكم، تقوم بالتعذيب وإذلال المواطنين في مباني الأمن بموقف شندي. وهذا يكفي لتكون مجرد عصابة مثل التي تسطو علي المنازل ليلا. فقد "نطّوا"  علي وطن نامت نواطيره عن ثعالبها، وقد بشمن ومازالت النواطير نائمة أو تطالب بنصيبها من العناقيد.

أعادنا الإسلامويون إلي فترة ما قبل دولة الفونج تماما أو قبل عام1504، ألي أجواء حروب القبائل ، وقطع الطرق والنهب  والمجاعات. يضاف إلي  ذلك سيادة الشعوذة والدروشة والخزعبلات. ومن العجيب إصرار بعض الكتاب الحواة والبهلوانيون علي إعتبار (سنار)  أو السلطنة الزرقاء أول دولة إسلامية سودانية. يكتب (حسن مكي) : ". . . عاش المسلمون ثلاثة قرون لا يكادون يسمعون خبرا سعيدا، حتي جاء ذلك الخبر السعيد والبشرى الطيبة بكسب الإسلام لأرض بكر تعادل أضعاف الأندلس في قلب قارة إفريقيا".  (الثقافة السنارية، عن جامعة أفريقيا، ص35) . ويضيف: "كسب الإسلام في إفريقيا ببزوغ  نجم مملكة سنار الإسلامية وخسرت المسيحية بافول نجم ممالك النوبة وعلوة المسيحية". أو: "ولا عجب أن أدت حركة البعث الإسلامي إلي ازدياد حركة المد الإسلامي في إفريقيا".  (نفس الصفحة) .
لم تكن الدولة الإسلامية تملك أي"مشروع حضاري"، وليس لها طموح لهذا الدور الذي لا يوجد إلا في العقل السحري الغرائبي للكاتب. ويكتب المؤرخون الموضوعيون: "وحتي عند قيام مملكة الفونج كان انتشار الدعوة الإسلامية لا يعدو أن يكون اسميا وفي مرحلته الأولي. فقد اهتّم المبشرون وجلهم من البدو والتجار، وهم من تنقصهم الثقافة الدينية العميقة بالإسلام".  (يوسف فضل، الطبقات. . . ، الطبعة الرابعة، 1992، ص3) وفي موضع آخر: "اعلم أن  الفونج ملكت أرض النوبة وتغلبت عليها في أول القرن العاشر (الهجري) . . . ولم يشتهر في تلك البلاد مدرسة علم ولا قرآن. ويقال أن الرجل كان يطلق المرأة ويتزوجها غيره في نهارها من غير عدة". هل هذه الدولة الإسلامية الجديدة بديلة الإندلس؟ يصطنع الزهانيون تاريخا مزيفا يبعدون به من جدهم الاصلي: ود أب زهانة.

أجد نفسي للمرة الثانية أزعج المرحوم (ود أب زهانة) في قبره، حين بحثت عن مقارنة للنفخة الكاذبة، والمظهرية، والادعاء، والطفيلية. ووجدت أنهم الأحفاد الطبيعيون للمرحوم وهم خير خلف. ويدعم قولي الباحث (الطيب محمد الطيب) الذي يكتب عن مرحلة سوء الأوضاع في سنار: ". . . وتفرق أبناء ود أب زهانة بهذه الطريقة واختلطوا بجميع أهل السودان فتم التزاوج والإنصهار وظني أن له في كل بيت من البيوتات السودانية التقليدية صلة رحم ، وبالتالي ميراث طبع من  (جد الجميع) السيد ود أب زهانة والجينات تنتقل عبر الاجيال؛ لأني أري كثيرا من تصرفاته وسلوكه ومأثوراته يتحلي بها حفدته الميامين وغير الميامين علي السواء".  (عن : كتاب الشيخ فرح ود تكتوك حلاّل المشبوك. طبعة هيئة الخرطوم، 2010: 58) ومن سخرية القدر أن صار أحفاد ود أب زهانة حكاما لوطن مساحته مليون ولكن فرطوا فيه أسوة بجدهم الذي فرط في أملاك وماشية وأراضي والده بعد كان من الأثرياء القلائل. وضربه الفقر لأنه خامل يردد:  ( البجري جري الوحوش غير رزقه ما بحوش)  أو يكرر القول:  ( الحي رزقه حي، وربنا عايش الدودة  بين حجرين، وربنا ما شق حنكا ضيعوا) . وبسبب تواكل احفاد ود أب زهانة الحكام ، ضاع ثلث البلد والباقي مرشح، كما ضرب الفقر والعوز، والحمى الصفراء، والسل العائد والكلازار، كل أرجائه. ورغم ذلك يواصل الزهانيون الجدد غيّهم وسفههم، وضلالهم. ويواصل القدر سخريته في السودان، فقد كوّن الزهانيون الجدد"حركة فكرية" وأصروا علي تسميتها: إسلامية. وبالمناسبة، فقد خدع الزهانيون الشعب السوداني لمدة 23 عاما، بقولهم أنهم يحكمونه بقوانين الشريعة الإسلامية. ولكن العام بشروا بقرب تطبيق شريعة بدون "دغمسة". ونكتشف أن الزهانيين الجدد، كانوا طوال هذه الفترة، يحكموننا بقوانين (سكسونيا) سرا، ولم يخبروننا بتلك الحقيقة المرة. وصبرنا عليهم طمعا في الحسنات ودخول الجنة، واخيرا ضاعت مننا الدنيا هدرا وقهرا، ومصيرنا جهنم وبئس المصير لأننا احنينا ظهورنا لسياط احفاد ود اب زهانة.  (جملة اعتراضية: للشاعر صلاح أحمد إبراهيم دوبيت هجائي ضد النميري، يقول في مقطع: ربنا ابتلانا عشان نخش الجنّة سلّط لينا دجال إيدو ماكنة مكنّا! ما شاف الدجالين الحقيقيين الذين انخدع ببدايتهم) .  


(2)

من الأقوال المأثورة ل (ود أب زهانة):
1.    اديّن واتبين
2.    الدين فوق الكتوف والأصل معروف
3.    اكل عجبك والبس عجب الناس
4.    كان كترت الهموم أرقد ونوم
5.    الصبر ضل النبي

وكثرت أمثاله و"حكمه" (بعد أن تضعضع ماله نحو الاستدانة، فكان يقترض الماشية والنقود ويدفعها لمن يمدحونه أو يعدونه بالزواج".  (الطيب. . . ص، 60) وهذا بالضبط  ما يفعله الآن الزهانيون الجدد ،حكومتهم تتدين من كل العالم وهم يتبينون بدعوة العشرات من الإسلاميين وكبار الضيوف، ويصرفون عليهم الملايين: تذاكر، فنادق، ضيافة، ترحيل، هدايا... الخ. ومن المعلوم أن النظام الذي يسند الحركة وتسنده الحركة، يعيش أزمة إقتصادية خانقة لا تسمح بهذا الترف والسفه، لو كانوا عقلاء. ولكنه خمج ود أب زهانة عينه، إذ تصور نظاما لا يستطيع إجلاس تلاميذ المدارس الابتدائية حتي في ضواحي العاصمة ولا توفير الكتب لهم. ويعجز النظام الزهاني عن توفير الادوية الحيوية، ولا مدخلات الإنتاج الزراعي ولا التقاوى غير المسرطنة، ولا معدات الدفاع الجوي لرد الصاع صاعين لإسرائيل. ويصل الدولار لاكثر من6جنيهات وثلاثين، وتعلن الحكومة تقشفا قاسيا. ومع ذلك، تنفق الحركة الإسلامية بمثل هذا الترف.

احتاطت إحدي المسؤولات الحزبيات- أظنها ذات النطاقين- لمثل هذه التساؤلات. فبادرت بالقول: أن تكليف المؤتمر بلغت مليار جنيه، وكلها من جيوبنا أو محفضاتنا! ونحن أعلم بإمور جيوبكم!فانتم لستم وارثين ولا أبناء البورجوازية السودانية: أبوالعلا أو عبدالمنعم أو عثمان صالح أو النفيدي أو شيخ مصطفي الإمين. كلكم أبناء فقراء مثلنا رفعكم التعليم من القاع الإجتماعي ثم سطوتم علي السلطة. وعوضا عن اجتثاث الفقر وتحقيق العدالة والمساواة، قررتم – بحقد – الإنتقام من الفقر والحرمان وتعويض كل ذلك التاريخ بنهب مقدرات البلاد ومحو الخط الفاصل بين المال العام والخاص، بفساد يثير الاشمئزاز. ومما أثار غضبي : لماذا لم ينصحهم رفقاؤهم الإسلامويون القادمون من الخارج بأن هذه الأموال أولي بها أطفال السودان الذي تأتيهم من النصارى ودول الاستكبار؟ ولكنهم ليسوا بأفضل منهم في حسهم الاجتماعي للعدل وضد الظلم. لذلك، قبل الإسلاميون العالميون بأكل أموال اليتامي السودانيين. ألم تخنقهم اللقمة المعجونة بدموع أطفال البجا ودارفور وجبال النوبة؟

(3)

عاد الإسلامويون بالسودان إلي مطلع التسعينيات، حين عوّل علي مساندة الخارج لفك عزلته الداخلية والتي تجددت هذه الأيام مع تفاقم الأزمات الإقتصادية والأمنية. فقد اشتاقوا لأيام : المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، وهوس: أمريكا وروسيا قد دنا عذابها. وجاء في الأخبار: " وحضرت إلى الخرطوم 120 شخصية إسلامية بينها محمد بديع المرشد العام “مصر”، وراشد الغنوشي، وعبد المجيد النجار “حركة النهضة بتونس” ومحمد الهلالي “حركة الدعوة والإصلاح الجزائرية”، وسعد سلامة وبشير الكبتي “حركة الإخوان المسلمين بليبيا". وكنت اتوقع أن يكون سؤالهم الأول لمستقبليهم: هل صحيح سلم (قوش) قوائم كاملة بأسماء من حضروا مؤتمرات الترابي؟ وماهي الضمانات بعدم تسليم معلومات عنّا لو اقتضي أمر رفع العقوبات ذلك؟ ما علينا هم يعرفون بعضهم جيدا.

ومن أسباب حضور المرشد المصري - كما جاء في الأخبار:
"وتوجه «بديع» للسودان للقاء قيادات الإخوان بالخارج، أثناء حضورهم مؤتمر الحركة الإسلامية، الذى يستمر 3 أيام، بعد تراجع الجماعة عن استقبال «إخوان الخارج» بالقاهرة، لحضور اجتماع مجلس الشورى العالمى للجماعة المقرر فى أوائل ديسمبر المقبل، تفادياً - كما قالت مصادر إخوانية - لـ«إحراج» الرئيس مرسى، بحضور قيادات الخارج الاجتماع ومن المقرر أن يلتقى المرشد بجميع مراقبى الجماعة العرب لحثهم على دعم حكم الرئيس مرسى، وأبرزهم إبراهيم المصرى، أمين الجماعة الإسلامية اللبنانية، ونائب المرشد العام للجماعة، وهمام سعيد، مراقب إخوان الأردن، عضو مكتب الإرشاد العالمى. وأوضح الدكتور على عزالدين، عضو مجلس شورى الجماعة، أن المرشد سيلتقى رجال أعمال سودانيين، ضمن سلسلة لقاءات تبحث دعم غزة مادياً، عبر حملة لفتح حسابات مصرفية لمساندتها، فى جميع الأقطار العربية".  (المصري اليوم 16/11/2012)           

يستغل الإسلامويون في البلدان المختلفة، عنتريات أحفاد (ود أب زهانة)  فالذي يحرج الرئيس المصري ،لا  يحرج الرئيس السوداني ،لأنه لا يضع حسابات دقيقة لمواقفه وقراراته التي كانت تزداد سخانتها مع سخانة دقات الدلوكة. ثم لماذا يدعم رجال الأعمال السودانيون غزّة ماديا، ولكنهم يتقاعسون بدعوى الأزمة الاقتصادية حين يتعلق الأمر بوطنهم؟  كما أن  (الإخوان المسلمين)  كانوا -قبل الإنتخابات- ينأون بأنفسهم عن أي مقارنة أو علاقة بالإسلامويين السودانيين. وكان (راشد الغنوشي)  من أكثرهم نقدا وتجريحا للتجربة السودانية، علما بأنه كان يعتبر نفسه من تلاميذ  (الترابي) وألف معه كتاب (الحركة الإسلامية والتحديث) الصادر عن دار الجيل عام1984 . وهو في تناقض واضح في التعامل مع السودان بسبب الإنشقاق الإسلاموي. ويعمل علي تبرير مواقفه السابقة، وفي مواجهة معه اكتوبر2011 في الحمامات (تونس)  قصدت استفزازه. واتهمته بالعنصرية لأنه وقف ضد دكتاتورية (بن علي)  بينما أيد دكتاتورية الترابي/البشير وكأن الشعب السوداني غير جدير بالديمقراطية. واحرج كثيرا واعتذر عما حدث. وأكد لي خارج الجلسة، أنه أسقط في طبعة (دار الشروق)  المصرية ما كتبه  في كتابه: الحريات العامة في الدولة الإسلامية (مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993) عن التجربة السودانية (ص266 و282-286) ولكنه عاد في المؤتمر الحالي  ليقول:
" إن السودان كان الأول في دعمهم وقت الشدة ولا يزال يدعم قضايا الأمة الإسلامية وإنه يعتز بأنه كان يحمل جواز سفر دبلوماسيا سودانيا. وأضاف أن تمكين الإسلام في المنطقة انطلق من السودان رغم تآمر الغرب عليه وتسببه في انفصال الجنوب. ورأى أن أرض الإسلام الآن في تمدد وليس نقصان وأن على السودانيين أن يعلموا أن زمن الانتقاص من أرضهم قد انتهى".

(4)

يصف (الطيب محمد الطيب) أهم نقائص (ود أب زهانة) أنه كان سمّيعا، يسمع ويصدق كل ما يقال له، صدقا كان أم كذب. فهوإن قيل له: أنت أكبر من ملك سنّار صدّق، وإن قيل له: إن قارون لا يساوي غناه وبر إبلك، آمن وصدق.  (ص57) ومن آفاته حب الفخر والنفخة. ينتقد الإسلامويون العرب في الخارج، وعندما يحضرون للخرطوم يقولون لأحفاد (ود أب زهانة): أنتم أهم ثغور الدفاع عن الأمة الإسلامية، وأنتم أول دولة إسلامية عربية في العصر الحديث.  
كل هذا النفاق والتذبدب في مواقف الإسلامويين العرب، ما هو إلا خطة لتوريط الزهانيين المحبين للنفخة الكاذبة، في مواقف لا يريدون هم دفع ثمنها الباهظ دوليا. وبالفعل ما أن سمع أحفاد (ود أب زهانة) هتافات من طراز:
" الله أكبر لتحرير القدس الله أكبر لنصرة الصومال . . الله أكبر لكسر شوكة المعتدين. . لا للأمم المتحدة ولا لمجلس الظلم الدولي . . كفانا هوانا وإستضعافا".
حتي إنفعل أعقلهم: علي عثمان محمد طه، الأمين  العام السابق، وجاء في الأخبار:  أنه دعا إلى نظام عالمي إسلامي جديد على أنقاض منظومة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وقال إن حركته بصدد طرح مشروع نهضوي للأمة الإسلامية. وإن على الشعوب الإسلامية النهوض وإستنفار الهمم بعيدا عن الخطابات العاطفية. وقلل  من تأثير المجتمع الدولي على الإسلاميين في السودان وطالب دول المنطقة بالتعاون وقطع الطريق أمام التدخلات الأجنبية. وتوعد إسرائيل بالرد على قصفها لمجمع اليرموك الحربي قائلا:  إن كانت قدراتنا على الرد الآن لا تمكننا فإن  عزمنا على الرد قائم وإن طال المدى. وذكرت الحركة في البيان الختامي أنها "حركة جهادية لكنها لا توظف الجهاد في العدوان أو الإستعلاء إنما صولة على المعتدين".

ظن (الزهانيون الجدد) أن هذه المواقف والتصريحات تنتهي بالهتافات والتكبيرات داخل القاعة المكيّفة، ولا يسمع بها أحد. ولكن (العميد ضاحي خلفان) مدير شرطة دبي، أو (ميسي)  مواجهة الإسلامويين، سجل فيهم هدفا سريعا بفضح خطتهم الجديدة. وأكملت صحيفة (العرب) اللندنية في عدد الجمعة16/11/2012 كشف الاستراتيجية كاملا. كتبت: " أن مؤتمر الحزب الحاكم بالسودان ليس سوى واجهة للقاء هام يعقده التنظيم الدولي “إثر نهاية فعاليات المؤتمر العلني” لاستكمال ما قرره الاجتماع الذي عقد بمكة المكرمة على هامش أداء مناسك الحج، وحضره الرجل الإخواني البارز يوسف القرضاوي".  (غاب بسبب المرض) . وتضيف: " ومن المنتظر أن تناقش الاجتماعات التي تتواصل ثلاثة أيام مقترحا قطريا بتأسيس واجهة سياسية علنية مقرها القاهرة تجمع فعاليات إخوانية عربية وإسلامية، ورشحت لها الدوحة خالد مشعل الذي أعلن أكثر من مرة عزمه الاستقالة من مهمة رئاسة المكتب السياسي لحماس". ونقلت الصحيفة اللندنية عن مصادر من قلب المؤتمر قولها “إن الواجهة الجديدة للإخوان ستكون في شكل منظمة سياسية  (شبيهة بالمؤتمر الإسلامي، أو الجامعة العربية)  تتولى التكلم باسم الإخوان الذين يحكمون الآن في تونس ومصر، ويحضّرون للانقضاض على السلطة في أكثر من بلد. وفي هذا الصدد قال قيادي سوداني: " إن المؤتمر سيدرس تقديم مختلف أشكال الدعم لما أسماه “انتفاضة” الكويت والأردن، وسيكون على رأس هذا، الدعم التحرك الإعلامي القوي الذي يركز على مهاجمة القيادة السياسية، وعلى الفشل الاجتماعي والاقتصادي لسياساتها". وأشار إلى أنه ستتم في الاجتماع مراجعة الخطوات المتخذة في سبيل إنشاء قناة الإخوان الفضائية الدولية وسيكون مقرها القاهرة. .

(5)

ولأن أحفاد (ود أب زهانة) ليسوا رجال حارة وظنوا المسألة مجرد أضواء، فقد روعوا من ردود الفعل، خاصة من الدول ذات اليد العليا(صاحبة القروض والمنح). فسرعان ما ظهرت بياناتهم من قبيل: " لقد تداولت بعض وسائل الاعلام والمواقع معلومات لاتخلو من الغرض عن المؤتمر وهى تتنافى مع طبيعة المؤتمر وجدول اعماله ولقد اكدت رئاسة المؤتمر وضيوفه على اهمية الوحدة والتماسك فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الامة وتجنب الدخول فى محاور او برامج استقطاب يمكن ان تؤثر فى استقرار المنطقة او دولها. ان الحركة الاسلامية فى السودان فى علاقاتها الخارجية مع الحركات الاسلامية تحترم سيادة الدول ورغبات الشعوب ولاتقوم على محور موجه ضد اى احد وان لها رسالة لا تتقاطع مع الحكومات والدول بل تبحث عن نقاط الالتقاء والتعاون والمشاركة لاجل التعامل مع التحديات التى تواجه المنطقة وشعوبها. "
تراجع الزهانيون الجدد سريعا، لأن الأمر ليس فيه إسلام ولا حركة(ممكن حركات الجيش!). ألم تقم نفس قيادات هذا المؤتمر عام 1999 بعد المفاصلة بحل الحركة الإسلامية واستبدلوها بالمؤتمر الوطني؟ إن اللقاء الحالي هو تعاون علي الإثم والعدوان علي الشعب السوداني وتقوية لنظام فاشي علي شعبه. فقد أراد نظام الخرطوم من هذا اللقاء ترحيل أزماته الداخلية المتصاعدة للخارج، وتقديم نفسه كدولة ممانعة ومقاومة أسوة ببشار الأسد. وبالفعل، تردد الحديث عن العدوان علي غزّة والسودان!وبعد مرور يوم واحد فقط، نقرأ في الأخبار: " اجتمعت في الخرطوم أكثر من سبعين منظمة غير حكومية محلية ودولية، في جلسات مؤتمر للتضامن مع السودان ضد العدوان الإسرائيلي المتكرر على أراضيه، وطالب المجتمعون بتشكيل تحالف دولي للدفاع عن حقوق الإنسان وملاحقة إسرائيل قضائيا". وأكد ممثل المجلس السوداني للجمعيات التطوعية، إبراهيم محمد إبراهيم، أن المؤتمر يبحث خلق تضامن عالمي ضد الاعتداءات الإسرائيلية على السودان، والخروج برؤية مشتركة لكيفية وقف الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، مع ضمان عدم إفلات إسرائيل من العقاب.  (الصحف19/11/2012) .
الحقيقة هذا النظام علي أبواب الانهيار بعامل التآكل الداخلي مقضيا علينا وعلي نفسه. ولذلك، يدعي النظام أن السودان الآن في حالة مقاومة ودفاع عن الأمة العربية والإسلامية، وسوف يرفع النظام شعار: لا صوت يعلو فوق المعركة! وبالتالي يبرر كل أشكال القمع والاضطهاد، ويعتبر أي معارضة للنظام خيانة وطنية تصب في صالح العدو!فالمعارضة موعودة بتصاعد القمع وتنوع أدواته. وهذا يفرض علي المعارضة فكرا وفعلا جديدين في حجم المستجدات القادمة. فالشعب غير مطالب الآن بالنزول إلي الشوارع واحتلال السفارات. هذه دعوة عبثية بدون تعبئة وتوعية الجماهير وضمان حمايتها من شراسة الأجهزة الأمنية.من ناحية اخري، فالانتفاضة القادمة سلمية ومدنية ولكنها يجب أن تكون محمية بسلاح معارضين آخرين، عند الضرورة، لهم نفس الهدف: إسقاط النظام وتصفية آثاره. والمعارضة الآن يجب ألّا تضيّع الوقت في جدل ترتيبات المرحلة الإنتقالية والدستور بينما النظام حي وجاثم علي صدورنا. هذا عبث ودون كيشوتية مارسها المرحوم  (التجمع الوطني الديمقراطي) في أسمرة والقاهرة بلا جدوي؛ بل إنتهت بهم إلي داخل برلمان النظام الحالي. وشاركوا في وضع دستوره بالصمت وعدم الفعالية. وساعدوه في  شرعية بانتخابات مزيفة. كما أن المعارضة لن تستفيد من الرحلات المكوكية في الدوائر الغربية ومقابلات المسؤولين في الكونقرس ومجلس اللوردات ووزارات الخارجية. فالغرب لا يغير ما بقوم حتي يغيّروا ما بأنفسهم: ألم تقرأوا تجربة العراق والآن سوريا؟ كذلك،المعارضة لا تريد هذا العدد من الجبهات والائتلافات والمنابر، بل تريد معارضة واحدة وموحدة. ولتتوقف هذه التوقيعات علي البيانات المتعددة فهي تكريس وشرعنة لهذه الكيانات الأميبية، وليست دليلا علي الاتفاق والوفاق. فالمطلوب أن تحل نفسها جميعا وتعمل في جبهة واحدة ليست  قائمة علي تحالفات. لسنا في حاجة إلي قادة وزعامات اضافية، ولا إلي طاوويس ونرجسين جدد. بل في حاجة لمبادرين يضحون بوقتهم ومالهم وراحتهم بلا أضواء أو مقابل مادي أو معنوي.
علي المعارضة نقد ذاتها والتخلي عن سلبيات الماضي وتكرار الأخطاء. وهذا يعني أن تتحول إلي مقاومة وليس معارضة تسلية واستعراض اضاعت23 عاما في هجاء النظام وكشف عوراته، دون أن تغيّر ميزان القوى لصالحها.
ينقدني البعض بأنني لا أقدم البديل واكتفي بالنقد. البديل:

1.     البدء من قبل الشباب والنقابات البديلة، والأحزاب، والمجموعات الإثنية؛ في تشكيل وبناء لجان الإنتقاضة الشعبية في الأحياء ثم المدن ثم المديريات. وهي ليست تحالفا يأتيها الناس فرادي كل  حسب عطائه الفردي مع الاحتفاظ بحزبيته في النشاطات الاخري.
2.     أن يشكل السودانيون في الخارج لجان دعم الإنتفاضة في الداخل من خلال التبرعات، وفرض اشتراكات شهرية ثابتة حسب الدخول، بالإضافة للإعلام، وطرح قضايا انتهاكات حقوق الإنسان.
هذا اقتراح مبدئي وخام مطروح كبديل، للنقاش.




Hayder Ibrahim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]