Hayder Ibrahim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
تكاد عملية فهم طبيعة العلاقات السودانية-المصرية تدخل في مجال التحليل النفسي(الفرويدي) أكثر من كونها مسألة دبلوماسية أو سياسية.فهي قد تندرج ضمن مااصطلح عليه بعلاقة حب-كراهية،إذ يتحايث الشعوران في آن واحد،ويتعايشان بلا تناقض ملموس.واستمرت هذه الوضعية طويلا،لسبب بسيط يميز الطرفين علي جميع المستويات،وهو:عدم التعبير عن الشعور الحقيقي صراحة.لذلك،يحتاج الطرفان لمن يقوم بمغامرة الكشف عن المسكوت عنه.فنحن نشهد هذه الأيام تدفقا في الزيارات، والمشرووعات، والمشاعر؛ ولكن سرعان ما تخمد هذه الفورة بسبب موسمية العلاقة.وقد صعب عليّ أن أقول مزاجية لأنني لا أدري هل للدول بدورها أمزجة مثل الأفراد؟وخطر هذا النمط من العلاقة أنها تفتقد التواتر والتراكم وبالتالي التطور.فقد سمعنا الحديث الذي يتردد هذه الأيام عن أزلية العلاقة،والمصالح الإقتصادية المتعاظمة،ومستقبل وادي النيل...ألخ، مرات كثيرة.وكان السؤال المركزي المتوقع،هو:ما هي أسباب عدم تنفيذ هذه المشروعات الطموحة، وعدم تحويلها إلي واقع؟
من أهم أسباب قصور التنفيذ أو الفشل،فوقية هذه القرارات وعدم شعبيتها.فهناك إصرار غريب يتمثل في إعتبار هذه المسألة قضية فنية يقوم بها الإخصائيون ثم تُنزل للناس.لذلك،يعوز المشروعات من البداية الحماس الشعبي اللازم،وتظل مجرد صخب إعلامي.وكنا نفسر هذه الفوقية في الماضي بوجود نظم دكتاتورية أبوية،تعتقد أنها تعرف مصالح الشعوب أكثر منها.ولكن هذه المرة،توقعنا أن يختلف الأمر بسبب وجود حكومة منتخبة في مصر.وهذا يعني أن يسبق اللقاءات الرسمية وعقد الاتفاقات بين البلدين زخم من الحوار والندوات والورش لمناقشة كل أبعاد العلاقة بطريقة نقدية ومنهجية تركز علي تقييم التجارب السابقة.ولكن ما حدث هو أن الوفد المصري بقيادة رئيس الوزراء،هشام قنديل،حمل تحت إبطية ملفات مكتنزة،وطار إلي الخرطوم.وأعلنت في خلال48 ساعة خططا تقرر مصير العلاقة لعقود قادمة.ومن المؤكد أن هذه المشروعات الحالمة ينتظرها نفس مصير سابقاتها بسبب المنطلقات الخاطئة.
يكشف تكوين الوفد في حد ذاته عن العقل الذي هندس هذه العلاقة.
فقد سمي في وسائل الإعلام"وفد المستثمرين المصريين"،وهذا اختزال لدور مصر المعروف والمرغوب سودانيا.فهل لم يعد لدي مصر غير المستثمرين فقط لتصدرهم للسودان؟أين نخب الأطباء، والمهندسين،والأكاديميين،والفنانين في كل المجالات؟أين البعثة التعليمية المصرية،وجامعة القاهرة-فرع الخرطوم،والري المصري،والجامعة الشعبية،المركز الثقافي المصري-أم درمان؟بالإضافة لعشرات الأسماء من المفكرين والكتاب الذين ما زال أبناء جيلي يذكر مساهمتهم بكثير من الامتنان والعرفان. هل هذه هي مصر التي في خاطر السودانيين التي ضمها الوفد الزائر للسودان؟ السودان ليس مجرد اراض خصبة ومياه وبنوك؛بل بلد في أزمات تهدد ما تبقي من ترابه ويحتاج لمن يساعده من الاشقاء  في حل مشكلاته التي هي ليست اقتصادية فقط.لم يعد السودانيون – نظام ومعارضة- قادرين بأنفسهم علي الخروج من أزمة الحكم التي تطوقهم. ونسأل - في سذاجة- ألا يخشي المصريون ضياع أموالهم في هذا البلد غير المستقر؟ألم يكن من الأفضل والأجدي أن تقوم مصر  في عهدها الجديد، أولا بمبادرة مصالحة وطنية توقف النزاعات والتوتر،وتساعد في عملية التحول الديموقراطي ليلحق بشقيقته في شمال الوادي.
تركزت الاستثمارات المحتملة علي الزراعة أي إستغلال الأراضي.
ورغم أن للأراضي في السودان قوانين للتمليك والاستخدام،ولكن النظام الشمولي السوداني يقوم بمنح مئات الالوف من الفدادين دون الرجوع لأي جهة تشريعية، أوقضائية، أو شعبية.إذ يتعامل النظام مع الأراضي كإقطاعيات قد يمنحها الرئيس أو وزير الزراعة في احتفال شعبي حماسي.
ومن المتناقصات أن مصر الثورة أعادت  النظر في كل حالات الأراضي الممنوحة للإستثمار باعتبار وجود تجاوزات.ومن الجدير بالذكر،حدوث احتجاجات شعبية ورفض للتنازل من الأراضي في (أرقين) وفي (الجزيرة)
بسبب مشروع (دريم لاند) الذي خطط علي حساب ملكيات فردية قائمة.هل طرح الوفد المصري أي تساؤلات حول أصول الأراضي وأوضاعها  القانونية؟وهل تلمس موقف الناس العاديين من الأراضي التي ينوي استثمارها؟
من الثابت أن نجاح التنمية الزرعية في السودان،محاط بمشكلات وتعقيدات تحتاج لأموال كثيرة وخبرات فنية كثيفة.وهذا هو سبب عجز السودانيين بأنفسهم عن تنمية القطاع،إذ تنقصهم الكهرباء، والمياه،                                                        والمواصلات بأنواعها المختلفة.وهذه كلها تجهيزات تتطلب أموالا طائلة بالإضافة لاتفاقيات مع دول الجوار.بخصوص التمويل،من المعروف أن مصر تقوم بجهود  جبارة لجذب الاستثمارات الأجنبية بهدف الخروج من أزمتها الراهنة.فهل ستوجه هذه الأموال-في حالة الحصول عليها -  للسودان أم تعطي الأولوية للداخل؟أمّا توفير المياه اللازمة للري،فهذا يطرح مشكلة حسم اتفاقيات مياه النيل والتي تسبب صداعا مستمرا لمصر.أما ترحيل المنتوجات في هذا القطر الشاسع والوعر،فيمثل تحديا يحتاج إلي تفكير يختلف عن الطريقة الحالية التي نعالج بها المشكلات.                                             
إن أساس أي تكامل بين البلدين لابد أن ينظم حركة البشر بين البلدين بطريقة غير معقدة وبلا حساسيات في التعامل. كانت الدولتان قد وقعتا ما سمي بإتفاقيات الحريات الأربع،وعلي رأس بنودها:حرية التنقل،والعمل والتملك،والإقامة.وشرع السودان فورا في التطبيق،بينما ظل كثير من السودانيين يعانون من اجراءات الحصول علي تأشيرة دخول مصر.كما يطلب من السودانيين القادمين لمصر إبراز كرت الحمى الصفراء والذي يشتري في السودان من السوق دون تطعيم!ولكن عدم إبرازه يعني حجز الشخص في كورنتية الحميات بالعباسية لأيام.وأمّا العمل والإقامة،فأقرب الي المستحيل.                      
قد تكون حرية التنقل غير المرشدة بمثابة قنبلة موقوتة تنسف كل الإنجازات.فقد تدفقت علي السودان أعداد كبيرة من العمالة غير الماهرة، والباعة الجوّالين،أي فئات غير منتجة وغير مرغوبة في ببلادها.ويدخل هؤلاء في احتكاكات يومية خلال التعامل بالذات البيع والمفاصلة،أو عدم الإلتزام.وهذه بداية تضر بالصور المتبادلة بين المصريين والسودانيين،وهي أصلا ليست إيجابية تماما.وهذه مسألة يجب ألا تترك عشوائية وللصدفة بلا تخطيط يحدد المهارات والتخصصات، والأعداد. فالهجرة من المفروض أن تدرس جيدا ويخطط لها بطريقة تساعد  في تعظيم الفائدة وتحقيق الجدوى.
وهذا بعد ثقافي واجتماعي لا يهتم به المستثمرون كثيرا،فقد يعتبر المال، والآلة، والبشر؛شيئا واحدا.ومن الجدير بالذكر،أن مصر ستينيات القرن الماضي كانت تحرص علي نوعية المصريين الذين يوفدون للسودان والبلدان العربية.
في الختام،هذه محاولة الفرصة الاخيرة لتأسيس علاقة ايجابية مستدامة لا تحكمها التقلبات السياسية وردود الفعل.وهذا يعني في الظرف الراهن عدم النظر إليها كعلاقة بين نظامين يجمعهما توجه إسلامي عام،بل بين شعبين تجمعهما اشواق وطموحات مشتركة للتنمية،والديموقراطية،
والتقدم.هناك إمكانيات هائلة-بشرية ومادية-يجب إلا تهدر بسبب سوء التقدير وقصر النظر،وتكرار اخطاء الماضي.