عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



من أين يبدأ المستقبل؟

لا يوجد في الأفق البعيد شيء معلق نسعي للوصول إليه،يسمي المستقبل.ولم تعد نظرية الخط الصاعد للتاريخ والتطور سارية ومتماسكة.كما يخبرنا الزمن عن السقوط والإنهيار المدوي لإمبراطوريات ودول في قوة :الرومانية،الفارسية،اليونانية،  ولا ننسي الأندلس ،وحتي الاتحاد السوفيتي العظيم!كلها لم  تنجيها عظمتها من السقوط.لذلك،نتساءل:هل أعددنا كسودانيين-عموما-للمستقبل عدته؟وهل شرعنا في وضع الأسس التي سوف نشيد عليها المستقبل؟وهذه الأسس هي: العلم،التكنولوجيا،الاقتصاد والإنتاج،العقلانية،والحرية.يبدأ المستقبل:هنا والآن،فالواقع-الحاضر هي الذي يشكل المستقبل.لذلك،لابد لنا من التخلي عن التفاؤل الساذج،رغم تدهور الواقع المستمر،والذي نقفز عليه خشية أن نصاب بالإحباط.وهنا يحضرني توصيف دقيق،فالمثقف – حسب موريس بار – هو ذلك الفرد الذي يقنع نفسه بأن المجتمع يجب أن يقوم وفقا لمنطقه وارادته هو،والذي يجهل أن المجتمع هو قائم فعلا وواقعا علي ضرورات داخلية قد  تكون لا علاقة لها مطلقا بارادة العقل الفردي.وهذا ما  يسمي الإرادوية،فالمثقف بهذا المعني هو ضحية وهم منطقه  الذي يطل مجرد يوتوبيا/طوبائي.ذلك،يبقي أسير الشعاراتية الخالية من تعقيدات التفكير والتأمل.

دولة بلا مستقبل؟

يقوم شرط بناء المستقبل علي وجود قوى سياسية وأجتماعية فعّالة قادرة علي القيام بعملية البناء المستقبل.ولكن السودان عاني من استنزاف الرأسمال البشري  خلال السنوات ال23 الماضية. وكان الفقد عظيما:من أخذهم الموت الحق أو الموت الخفي.فقد كانت الهجرة ثم الإنسحاب الي غيبوبة عقلية أو تجنب العمل بسبب عواقبه الوخيمة.وقد غادرت دنيانا شخصيات كثيرة.ولأننا نفتقد الاحصائيات الدقيقة،تسقط أعداد كبيرة من الذاكرة والحساب.ولا اظن أن من يموتون في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ،يوميا أقل من قتلي حلب والبوكمال.ولكنها حروب منسية وضحاياها هامشيون.وللموت في السودان جنود من فشل كلوي وملاريا،وتايفوئيد، وسرطانات مجهولة، ووفيات أطفال وامهات في الوضوع.ومن ناحية أخرى،تعطيل لملايين الشباب ليس فقط بين الخريجين بل عدم الاستقرار والحرب،وتوقف المشروعات الزراعية والإنتاحية عموما.
يبدأ أي مستقبل من وجود نظام سياسي يقيم دولة ديمقراطية حديثة ومنتجة.لذلك،لابد من التغيير السياسي بالتحول من دولة الحزب الواحد إلي النظام التعددي. وهنا المعضلة: كيف يمكن إسقاط القائم بأقل خسائر بشرية  وفي أسرع وقت ممكن.لأن أي تأجيل في رحيل النظام يعني اكثر من الكارثة لأن النظام –باعتراف قياداته- استنفذ صلاحية بقائه.فالنظام انتقل من مرحلة الدولة الفاشلة بعد أن فرّط في وحدة ترابه الوطني،إلي مرحلة الدولة المنهارة.ومن أهم ملامح الإنهيار،ما يلي:-
1:- التفكك السياسي إذ لم تعد هناك جهة مركزية لاتخاذ القرار السياسي كما هو الحال في أي دولة طبيعية.فقد أصبح النظام الواحد يتحدث بألسنة متعددة في القضية الواحدة. وهذا ينفي، والآخر يؤكد،والثالث يقول بأن الاثنين غير مفوضين بالحديث.وقد يفصل الوزير شخصا ثم يعيده الرئيس بعد ساعات.ويقرر وزير التجارة فتح باب استيراد السيارات المستعملة،ليقوم الرئيس بالعائه خلال6ساعات.الآن هناك عدد من الحكومات تحت سقف واحد.والمسألة وجود حمائم وصقور-كما هو الحال في كل العالم- ولكن كلها ضباع ضاع منها الطريق.وهذا نظام غريب،يضع استراتيجية ربع قرنية ويلغي قرارته في ربع يوم فقط-6ساعات.أما حكومات الأقاليم فليست لها علاقة بالمركز. ويحق للوالي ان يقول:ذاهب للسودان عندما ينوي زيارة الخرطوم.
2:- الانهيار الاقتصادي وهذا أمر لم يعد يحتمل المغالطات والاكاذيب التي تعود عليها النظام.فهو لن يستطع اختراع أرقام واحصائيات إسلامية يوظفها سياسيا.عندما بداية الأزمة الإقتصادية العالمية إدعي النظام أنه لم يتأثر بها بسبب استقلالية إقتصاده غير المرتبط بالسوق العالمي والمعونات.ثم عند إنفصال الجنوب،أكد النظام أن هذه الخطوة لن تؤثر عليه.وفي الحالتين لايجد النظام ما يعلق عليه فشله غير هذين العاملين.وكان  النظام يظن أن عودة ضخ النفط ستحسن الوضع ولذلك هرول للوصول لاتفاق –طالما رفضه-مع الحركة الشعبية، وقبل حتي بالحريات الأربع رغم ابتزاز الإنفصاليين الشماليين.ولن يتدفق النفط قبل عام،ولكنه لن يحل الأزمة المستعصية.ويري الإقتصاديون أساس الأزمة في البطالة،والدين الداخلي والخارجي ثم زاد التأزم تآكل الرصيد من العملات الأجنبية،وظل التضحم فوق ال40%،ومشكلات القطاع الزراعي مما يضعف التصدير كمصدر للعملات الاجنبية.ويعيش الناس حياة معيشية أقرب للمجاعة.والدعم المتوقع من قطر سوف تجذبه مصر مرسي والأخوان الحقيقيين.
3:- الإنحلال الخلقي والإنحطاط القيمي: حين قال علي بن أبي طالب:"لو كان الفقر رجلا لقتلته" كان يعرف نتائجه.وبالفعل كما يقول مظفر:لا تلم الكافر في هذا الزمن الكافر فالجوع ابو الكفار. ويستحيل أن تفقر الدولة مواطنيها،ثم تقول:تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها.وللقارئ أن يتابع زيادة الاطفال غير الشرعيين وجرائم الشرف،وقضايا الدعارة ،أما الاحتيال والغش والتزوير فحدث ولا حرج.ثم الجريمة المنظمة،والقتل،والاذى الجسيم.
4:- بوادر الإنقسامات والفوضى التنظيمية:يشهد حزب المؤتمر الوطني حراكا في اتجاه التمرد والإنقسام تؤكده مذكرات ناقدة،وتصريحات خارجة عن الخط الحزبي،وكتب مراجعات وكشف أخطأ. ونتوقع انشقاق الكثيرين،ليس لخلافات مبدئية ولكن بسبب التقشف الذي سيطال امتيازات الكثيرين الذي جاءوا للمؤتمر  لأسباب مالية ومصلحية صرفة.ولن يخجلوا من المغادرة مع توقف الامتيازات.
نحن أمام نظام لا يمتلك أي مقومات للاستمرار،فمن أين أتت مقومات بقائه في السلطة حتي اليوم؟ لا يكمن السبب في قواه الذاتية،ولكن في ضعفنا نحن المعارضون له.مع غياب الرؤية، والتشرذم، وعدم الجدية والصدق،والعجز عن التضحية والتفاني في العمل الجماعي؛سيبقي هذا النظام معتمدا علي القمع.ومع غياب التأييد الشعبي،يزداد اعتماده علي الأمنوقراطية فقط.




البديل التائه

رأيت في الاحتجاجات الشعبية التي انتظمت ارجاء البلاد في يونيو الماضي،تجسيدا واقعيا لما يسمي السودان الجديد،أو القوى الحديثة،أو لبنة في بناء مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية.وكان يمكن أن نري بوضوح غروب شمس القوي التقليدية والذي تسببت فيه –أي الغروب - بنفسها فقد تهيأت لها كل ظروف إسقاط نظام بهذا القدر من الفساد ،والانحلال الاخلاقي والسياسي،والوهن الروحي. ولكنها عجزت عن مقاومته وهزيمته،فاستمر 23  عاما.فقد ساهمت القوى التقليدية في انجاح عملية التسريح السياسي التي اختطها النظام وقصد بها ابعاد الجماهير في الداخل عن النشاط السياسي.فقد توقفت هذه القوى عن تحريك الجماهير والعمل وسطها.ولم تقف عند هذا الفشل،بل كانت تُمني الشعب بوصول جيوشها من الخارج لتخليصهم من الطاغوت.وبعد الاغاني الوطنية:سلم مفاتيح البلد!جاءوا الي السودان في صفقة تعيسة ودخل12 من التجمع الوطني(عدا حزب الامة)البرلمان واعتبرهم النظام شركاء في تمرير قوانين سيئة الذكر ومن بينها،قانون الانتخابات.وعجزت القوى السياسية التقليدية عن تحريك مظاهرة واحدة من ميدان(ابي  جنزير) طوال هذه السنين.                                   
لذلك، رأيت في ذلك الحراك تدشينا لقيادة القوى الحديثة لمرحلة     
الإنتفاضة الشعبية الراهنة.فقد جاءت المبادرة لهذه الانتفاضة من قبل ائتلافات الشباب المستقلين وشباب الاحزاب المختلفة دون الرجوع للقيادات.ووقع العبء الأكبر علي الطلاب الذين نزلوا مبكرا للشارع،واصروا علي عدم التوقف مهما كانت الاعداد .واستفاد الشباب- مثل غيرهم- من تطور وسائل التواصل والاتصال.واخيرا،خذلت القوى التقليدية الثورة ولم تعطها زخما.وقد استنجدت إحدي المتظاهرات:وا أحزاباه! بل نادت فيهم قيم:يا مقنع    الكاشفات!ولكن القيادات التي ندخرها لمثل هذا اليوم سكتت تماما.وتذكرت – بمرارة-قول الهمباتي وأظنه الضرير،يلوم تخاذل رفاقه:                         
واحدين في الفريق مكبرين عمامن
قطعوا الحركة والزول اب عوارض لامُن
لا يوجد من يقول بأن منظمات المجتمع المدني،أو هذه القوى العفوية من النساء والشباب والطلاب،عي البديل.ورغم تواضع العددية،إلا أن كيفية العمل والدينامية،أعلت من قيمة تلك الإنتفاضة القصيرة العمر.وهذه التجربة تفرض علينا مسؤوليات عظيمة في تجديد أساليب العمل:-                 
أولا: التحول من معارضة النظام لمقاومة النظام،وهذا يعني استعمال كل الوسائل السلمية-المدنية أو العنيفة لإنتزاع الحقوق الأولية في المشاركة وتقرير مصير الوطن،وألا ينفرد النظام بذلك،ويكفي اتفاقية السلام2005.       ويجب ألا تضيع التضحيات سدى،ومثال  ذلك تضحيات ابطال ثورة1924،تضحية عبدالخالق محجوب ورفاقه،وتضحية محمود محمد طه  والإخوان الجمهوريين،و ضباط ابريل1990،ومواكب الشهداء الافراد.فقد افتقدت  الانتفاضات السودانية،خاصية التواتر والاستمرار،ولا يكفي الاحتفال بالذكري. فقد قدم الشباب في يونيو الماضي،تضحيات عظيمة  ولكن سرعان ما لفها النسيان.ضرورة البناء عليها واستمرار تراكم التجارب الثورية بلا انقطاع.                                                                                
ثانيا:- التغيير الجذري في أساليب العمل الجماهيري: ثقافة وقيما وعلاقات.نحن لا تنقصنا البرامج الجيدة والتحليلات الدقيقة،ولكن نفتقد أخلاق وقيم المقاومين والمناضلين الحقيقيين. فالقوى الحديثة  تسلك طرقا  تقليدية ممعنة في الرجعية حين تننقل من الكلام إلي الممارسة.ويتحول أهل الحداثة والتقدم إلي ممثلين بأداء سيء ومتهافت بسبب إنعدام الصدق فنحن لا نعبرعن مشاعرنا الحقيقة تجاه بعضنا وفي نفس الوقت لا نملك شجاعة الصراحة والمواجهة في علاقاتنا،وتحل محلها القطيعة والنميمة "وأكل لحم أخيك حيا".نحن لا نحب ولا نحترم بعضنا.واعتبرنا  النفاق (نسميه الأدب والمجاملة) من مظاهر الحداثة،ويسنده التآمر والسرية ثم الاستلطاف والشللية.ولذلك فشلت كل التجارب السابقة،وسوف تفشل القادمة لو سلكنا نفس الدرب.وهذا يعني أن أي عمل مستقبلي لابد أن يبدأ من النقد والنقد الذاتي – الدواء المر لدي النخب.                   
ثالثا: نحتاج الي لغة جديدة وبالتأكيد خلفها أفكار جديدة.لابد من التخلص من اللغة الخشبية، ومفردات مثل:  جبهة، تحالف، تجمع، ائتلاف،القوى...، ندين،نشجب،ميثاق،أجندة وطنية، مؤتمر شامل...الخ.هذه المفاهيم صارت خاوية بلا مضامين لأنها لم تُحول الي واقع.وفي احيان كثيرة نتمسك بلغة وأساليب عمل مرحلة معينة رغم ان التاريخ تجاوزها.فقد كانت صالحة حتي عام 2000 ولكن منذ ذلك الحين كان علينا ابتكار لغة ثم وسائل جديدة،ولكننا نجتر القديم. وعلي التنظيمات الجديدة عدم القفز علي اسباب الفشل السابقة.
رابعا: لابد من تجديد  وإصلاح بل بعث الأحزاب الحالية؛وهذا لا يعني رفض قيام أحزاب جديدة. ولكن الحياة السياسية – قديمها وحديثها- قامت وتقوم علي أسس خاطئة بسبب الجفوة بين الفكر والتنظير من ناحية والسياسية والحزبية من ناحية أخري.لابد من فكرنة السياسية،وهذا هدف تواجهه عقبة كؤود،هي الارتهان للطائفية.                                                        
خامسا:- المجتمع المدني والذي كان يفترض أن يكون دافع للتحديث والتعبئة والحراك الجماهيري، نقل امراض الحزبية التقليدية.ومن أبرزها   ظاهرة الانشقاق والتشرذم، وخلف كل ذلك عوامل ذاتية وشخصية وليست خلافات موضوعية.كما أنه بسبب سودانيته يرفض ايضا النقد والنقد الذاتي. لذلك، سكت عن السلبيات مما جعل البعض يتجرأ ويعمم، متهما كل المجتمع المدني بالعمالة
والناشطون صامتون.صحيح قد لا ينفذ البعض المشروعات والمقترحات الممولة.وفي هذا تقصير وفساد ولكن ليس عمالة؛لأن العمالة هي الإضرار بالمصالح الوطنية مثل الدعوة لتقسيمه مثلما يفعل الطيب مصطفي وعصبته.
سادسا: ضرورة المقاومة الدؤوبة والمثابرة التي لا تسمح للنظام بالراحة وان يكون دائما في حالة دفاع عن النفس.وفي بالي موضوع الفساد،وتحدثت كثيرا مع المحامين الديمقراطيين حول تبني رفع قضايا تستند فقط علي تقارير المراجع العام. كذلك،الوقفات الاحتجاجية بسبب القضايا الفئوية وهي كثيرة ومتجددة.

********                                                 
ليست من مقاصد هذا المقال تقديم توصيات أو نصائح،ولكنه يهدف الي تحريك الساكن والتفكير في اتجاه آخر.فالنظام آيل للسقوط سريعا وفي هذه الحالة سوف يسقط علي رؤوسهم ورؤوسنا معا. سيكون الإنهيار ذاتيا إن لم تبادر المقاومة في تسريع سقوطه،وأن يكون البديل جاهزا،شرط ألا يكون بدلا عن العمل اليومي مع الحماهير.فالفصائل التي تعارض في الداخل مشغولة بالبيانات والمواثيق والاجندة الوطنية والدستور علي حساب تعبئة الجماهير.وحتي الليالي السياسية والتجمعات لشرح هذا الكلام الكثير الكبير ليس من بين غايات عملها  السياسي،فهي غائبة في نشاطهم.                  
هذه دعوة للتحول من المعارضة للمقاومة والشروع في بناء حركة اجتماعية شاملة لا تقوم علي تحالفات وائتلافات حزبية وتنظيمية وهمية،وأقرب الي تحالفات "حكومة البرنامج الوطني"التي يقودها المؤتمر الوطني.فهناك أحزاب هي مجرد لافتات وزعماء ولا تبلغ عضويتها المائتين في اقصي تقدير.لذلك،الأكرم لهم ان يأتوا للحركة الإجتماعية فرادي.وهذا الأمر ينطبق علي مجموعات الشجب  والادانة المتناسلة،فهي تكرر  حديثا سمعه النظام منذ عام1990 وتعبت منظمات الأمم المتحدة وجمعيات حقوق الإنسان من الاحتجاج والإدانة وإرسال الممراقبين.والنظام لا يعير كل ذلك اهتماما لأن فكره وبرنامجه يقومان علي انتهاكات حقوق الإنسان لأنها- في نظره- الوسائل الناجعة للقمع والتخويف – أداة تمكين لن يتركها بسبب الإدانات التي ما قتلت ذبابة.
لابد من وسائل جديدة وعلاقات جديدة بيننا نحن – أولا- كمعارضين أو مقاومين محتملين:قبول بعضنا وألا نبخس الناس اشياءها ،خاصة إذ كنا معا في نفس الخندق.