عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.




أبدأ المقال الثاني من الثلاثية بإعادة المقطع الأخير من المقال الأول،بقصد التذكير واستمرار التسلسل:                                       
من تناقضات التاريخ السوداني تزامن قيام مؤتمر الخريجين1938 وهم الذين آلوا علي انفسهم هزيمة الطائفية والرجعية الدينية،مع تحالف الطائفية والخريجين.ويصف(سامي سالم)ببراعة هذا التحول:-"...كانت لحظة الهروب من مؤتمر الخريجين الي أحضان الطائفية هي اللحظة التي وقّع فيها المثقف السوداني ضك إنهياره،وقد تكلل مشروع الهرب بالخيبة التي لا  زالت مستمرة الآثار،إنها اللحظة التي قطعت الطريق علي المشروع العلماني في الحياة السودانية وفتحت الباب أمام النفوذ الديني الذي تسترت به الطائفية".(مجلة الدستور اللندنية،25/9/1989ص47).
ومع بحث الخريجين عن الشعبية والجماهيرية،سلكوا الطريق السهل،وهو الاستيلاء أو الاحتيال علي الجماهير الجاهزة التي سيطرت عليها  الطائفية واعتقلت عقولها واحتكرت حركتها وفق الإشارة.ولكن النتيجة كانت كسب الطائفية للإثنين:الخريجين والجماهير،وتجييرهما لخدمة مصالحها.ومع بحث الخريجين عن دعم القيادات  الدينية،بدأت بوادر الانتهازية السياسية ولعبة المناورات(والمكايدات-حسب لغة الترابي)،وتغيير المواقف مثل تغيير الاحذية.وصارت اللامبدئية هي المبدأ الوحيد في السياسة السودانية،وصارت كلمة سياسي في القاموس السوداني مطابقة أو مرادفة للكذب والتحايل والاستهبال.وعندما يقول رجل الشارع العادي:فلان دا سياسي!يقصد أنه غير صادق وقادر علي تمرير أشياء غير مقنعة دون أن يثير الريبة أو الشك.وكذا اكتسبت السياسة في السودان-مبكرا- سمعة سيئة، مما جعلها تتميز بالانقسامية والإنشطارية والخلافات غير المبدئية والعجز عن العمل الجماعي.ودشن الخريجون الخلافات في انتخابات اللجنة الستينية ،حين تنافس الفيليون والشوقيون،ولم يرتكز الخلاف علي أي مبادئ محددة أو مواقف مميزة.ويلاحظ(مدثر عبدالرحيم) هذا الوضع:-" ليس هناك أي دليل علي أن أي فريق من الفريقين الذي أسفر عنهما الإنشقاق كان له أي برنامج سياسي معين،أو أن الإنشقاق كان في الأساس علي أي شئ أكثر من تصادم بين شخصيات أدي تفاقمه الي فشل لجنة العشرة".(الإمبريالية والقومية في السودان،1971:106).
كان ميلاد الأحزاب من أحشاء هذا الكيان المتخلف والمتنافر والذي تخلي بناته عن أهم مبادئهم:محاربة الطائفية.وقد مهدوا للطائفية بكل رجعيتها وتقليديتها أن تكون الحاضن لظاهرة حديثة هي الأحزاب.وخرج لاحقا من هذا التعميم أحزاب صغيرة شكلتها القوى الجديدة المعارضة للطائفية وشبه الإقطاع.ولكنها ظلت محدودة الجماهيرية حتي اليوم،وذلك لأن الكتلة الضخمة من الخريجين الإنتهازيين وقفت مع الطائفة المحتضرة،وظلت تنفخ فيها الحياة كلما حان أجلها.وتشكلت الاحزاب التقليدية من صراع انتخابات الخريجين العقيمة.وفي منتصف الاربعينيات44-1945 بدأ ظهور حزب الأمة،الاتحاديين،الأشقاء،الأحرار،وحدة وادي النيل،وغيرها.وكانت العضوية مجرد تجمع فضفاض لكتلة من أشخاص أو مجموعات يجذبها أحد شعارين: الاتحاد مع مصر(وحدة وادي النيل)أو السودان للسودانيين(الاستقلال التام).وكانت بداية الشعاراتية في السياسة السودانية علي حساب الفكر أو الايديولوجية. فهذه ليست ايديولوجية بل مجرد شعارات يمكن الوصول إليها بسبل متعددة.ولكن لازمت السياسة السودانية حتي اليوم،مثل:المشروع الحضاري،نهج الصحوة،الجمهورية الإسلامية،الوسطية،الأجندة  الوطنية..الخ.
ودخلت الاحزاب السياسية الكبيرة الفضاء السياسي دون أن تشغل نفسها بالأفكار والبرامج السياسية والديموقراطية الداخلية والتثقيف السياسي.
واعتمدت هذه الاحزاب في وجودها علي الولاء الطائفي الأعمي وتقديس الزعامات التي استغلت الكاريزمية الدينية(البركة).يضاف إلي ذلك الإمتيازات الاقتصادية والتسهيلات التي كفلتها الإدارة البريطانية للسيدين المهدي والميرغني ورجال دين آخرين،وشيوخ القبائل المرتبطين بالطائفية.
اصيب كثيرون من الخريجين بالإحباط واختفوا من الحياة العامة  رغم أنهم كانوا من الرواد والمبادرين أمثال أحمد خير.وتعاون مع نظام (عبود)نكاية في رفاقهم السابقين.ولكن المهم،هو أن الساحة خلت للإنتهازيين ومتوسطي القدرات.وهذا ما حدا حتي بشاعر المؤتمر نفسه(علي نور)أن ينظم قصيدته الشهيرة التي جاري فيها الشاعر العراقي(معروف الرصافي)التي يقول فيها بمرارة وسخط:-                                           
كل امرئ يحتل في السودان غير مكانه
فالناس اكفاء شجاع الرأي مثل جبانه
والعلم ليس براجح بالجهل في ميزانه
والفضل ليس مكارم الاخلاق من عنوانه
والمرء ليس باصغريه قلبه ولسانه
بل باكتمال ريائه وروائه ودهانه
وطن لو أن الحر لا يصبو الي اوطانه
ما كان لي شأن بذلته ورفعة شأنه

*********                                    


كانت نخبة الحركة الوطنية التي جاءت بالاستقلال،محظوظة تماما فقد جاء الإستقلال بسهولة.وساعد في ذلك،الصراع بين دولتيّ الحكم الثنائي،فقد تصور كل طرف أن الإستقلال سيصب في النهاية في خدمة مصالحها.وبني هذا الاحتمال علي مطالب الإتحاديين والاستقلاليين.هذا وقد سرّع قيام الثورة المصرية عام1952 من عملية تقرير المصير،كما تحمست مصر بعد فوز الحزب( الوطني الاتحادي) الموالي لها في انتخابات1953.وكان استقلال(المفاوضين)أكثر منه استقلال(المكافحين)أو (المقاتلين)مقارنة بثورة المليون شهيد في الجزائر.رغم أن نخبة الشهداء هناك خانت دمائهم وغرقت بدورها في الفساد.ولكن ما يأتي بسهولة يفرط فيه بسهولة ايضا.ورغم أن الرئيس إسماعيل الأزهري إفتخر بأنه أتي بإستقلال مثل صحن الصيني لا شق ولا طق؛إلا أنه جعله ناقصا حين رفع شعار تحرير لا تعمير.إذ يفترض أن يبدأ التعمير لحماية الإستقلال فور رفع الدولة الجديدة.وقد كان( الأزهري) يعتقد أن
عدم الدخول في احلاف أو توقيع إتفاقيات ثنائية هو الهدف الرئيسي للإستقلال ويكفي لإقناع الشعب بالحرية.                                                 
تظهر بدايات الحكومة الوطنية الأولي أن السودان المستقل سار في طريق خاطئ ولم يستطع الخروج منه حتي اليوم.فقد كان الحس الديمقراطي ضعيفا،وفي نفس الوقت لم يلتفت للتنمية.والدليل علي الفهم القاصر للديمقراطية تمسك الحكومة الوطنية بالقوانين المقيدة للحريات.فقد شهد البرلمان صراعا طويلا حول المواد 105 و107(أ)و(د) أو قانون الجمعيات غير المشروعة.وكانت تلك المواد تحاكم من"إثارة الكراهية ضد حكومة السودان"ويدخل في ذلك أي نقد للحكومة أو أعضائها.كما التدخل الحزبي في الخدمة المدنية بدأ مبكرا.وكمثال:-" انتدب متولي عيد عقب قيام حكومة الازهري للعمل برئاسة مجلس الوزراء ثم نقل الي قسم الاحصاء.وكان هذا التصرف اول المعالم علي تغلغل الروح الحزبية في الجهاز الحكومي.عين محمود الفكي مديرا للاذاعة وهو احد كبار الاشقاء ومن رجال الازهري.(يحي محمد عبدالقادر:شخصيات من السودان،ص348).

كان تمرد الفرقة الاستوائية  في أغسطس1955 هو أول التحديات الخاصة  بمشكلة جنوب السودان.وقد كشفت حوادث الجنوب عن فداحة تقصير الحكام  في إدارة الدولة الناشئة لإمور البلاد.وكان من الممكن تفادي هذه الأزمة المأساوية لو امتلكت الحكومة ي قدر من الحكمة وحسن التقدير.(راجع تقرير حوادث الجنوب عن لجنة قطران،صادر عن مركز الدراسات السودانية).كما أضاعت حكومة الأزهري أن تجعل من هذه الكارثة فرصة لفتح هذا الملف ومناقشته بشفافية من خلال مؤتمر شامل يضم كل الأطراف ويناقش كل القضايا.ولم ينعقد مثل هذا المؤتمر إلا بعد عشر سنوات أي مؤتمر المائدة المستديرة في عام1965 بعد ثورة أكتوبر1964.

كانت حادثة جودة من المشكلات المبكرة التي واجهت الحكومة الوطنية،وكشفت بدورها عن قصور الحكام الوطنيين وأجهزة دولتهم.فقد
اعتقلت السلطات 281 من مزراعي مشروع جودة الزراعي،ووضعوهم في إحدي حجرات مباني الجيش في كوستي،فاستشهد منهم190 مزارعا بالإختناق.وتحت ضغط الرأي العام،اعتقل 13من رجال البوليس بكوستي واوقفوا عن العمل لتقديمهم للمحاكمة..وقد سيّر العمال والمحامون والمزارعون في العاصمة والاقاليم مظاهرات احتجاج،واضربت الصحف عن الصدور،وأعلن العمال الحداد علي شهداء المزارعين.(صحيفة الميدان21/3/1956).وهؤلاء الضحايا هم الذين (صلاح أحمد إبراهيم)قصيدته المعنونة:" عشرون دستة"؛والتي يقول فيها:
لو أنهم ...
حزمة جرجير يعد كي يباع،
لخدم الافرنج في المدينة الكبيرة،
ماسلخت بشرتهم أشعة الظهيرة
وبان فيها الاصفرار والذبول
بل وضعوا بحذر في الظل في حصيرة
وبللت شفاههم رشاشة صغيرة
وقبلت خدودهم رطوبة الأنداء والبهجة النضيرة....
لو أنهم.. فراخ تصنع من أوراكها الحساء
لنزلاء (الفندق الكبير)
لوضعوا في قفص لايمنع الهواء وقدم الحب لهم والماء

*******
رغم أن الحزب الوطني الإتحادي لم يكن راديكاليا(جذريا)أو يساريا،إلا أن الطائفية لم تكن ترضى بغير الولاء والطاعة التاميين.فقد بدأت عناصر من الختمية في محاربة حكومة الأزهري،واسقطتها في تصويت ثقة بعد  شهر من تشكيلها.وجاء أول تعديل وزاري مبكرا في نوفمبر1954 وخرج ميرغني حمزة وخلف الله خالد وأحمد جلي.ويكتب(خضر حمد)في مذكراته:" ولم يكن السبب معروفا تماما(...)وكونوا حزبا جديدا تحت إسم :حزب الإستقلال الجمهوري،ولم ينضم لهم النواب الذين طالبوا بذلك،وسموا أنفسهم في الخفاء نواب الختمية يساندون عبدالله خليل وهم في الوقت داخل الحزب الوطني الإتحادي!"(1980:191).وللقارئ أن يتصور العبث والاستهتار الذي دشنت به السياسة السودانية ميلادها.وأخيرا،تم لقاء السيدين رغم كل الإختلافات والمرارات،فقد كان الهدف هو اسقاط حكومة الأزهري بالفعل أبعد الأزهري،وتشكلت حكومة عبدالله خليل في يوليو1956 والتي كانت الحكومة الوطنية الرابعة في وقت قياسي.
وتصل مهزلة ديموقراطية الحكم الوطني ذروتها؛فقد قام حزب الأمة بواسطة رئيس وزرائه عبدالله خليل،بتسليم السلطة للجيش بقيادة الفؤيق إبراهيم عبود.وهذه سلوك سياسي شاذ لم تعرفه أي ديمقراطية ناشئة في العالم.ففي يوم 17 نوفمبر1958 كان من المتوقع افتتاح البرلمان،ولكن انطلقت شائعات تقول بإحتمال سحب الثقة من حكومة عبدالله خليل.ولكنه استبق الاحداث وقام بإنقلاب علي نفسه.ومن الغريب أن الأحزاب سارعت في تأييد الإنقلاب،فقد أصدر السيد عبدالرحمن المهدي بيانا أذاعه السيد عبدالرحمن علي طه وزير الحكومات المحلية في حكومة عبدالله خليل.(صحيفة النيل21/11/1958).وكان السيد علي الميرغني قد أصدر بيانا في نفس يوم الإنقلاب،جاء فيه:-" لقد تقبلنا نبأ تسلم جيش السودان بقيادة صباطه العاملين زمام السلطة في بلادنا.وأننا نأمل أن تتضافر الجهود وتخلص النوايا لنحقيق الطمأنينة في النفوس وتوطيد الأمن والاستقرار في ربوع البلاد".وقد برر(عبدالله خليل) الإنقلاب بقوله:-"الاستقلال في ذاته ليس بغاية ولكن وسيلة فعّالة لإسعاد الشعب.الساسة من قادة الإحزاب السودانية التي تعاقبت وشاركت في الحكم،قد فشلوا،حكومة تلو الأخري ولم تنجح واحدة من تلك الحكومات الأربع التي تعاقبت علي الحكم منذ الاستقلال حتي الآن.لذلك تطلعتم جميعا في الأشهر الأخيرة إلي المنقذ الذي يحمي الإستقلال ويحقق للمواطنين المكاسب المرجوة وها هو اليوم قد أتي الفرج إذ تقدم رجال الجيش السوداني   
تصاعدت المعارضة ضد الحكم الدكتاتوري،وكان ميزان القوى قد
مال لصالح الختمية داخل المجلس العسكري.فقد تم إبعاد اللواء احمد عبدالوهاب المحسوب علي حزب الأمة،ودخول الاميرالاي عبد الرحيم شنان ومحيي الدين أحمد عبدالله، المحسوبين علي الختمية.ويبدو أن حزب الأمة أو عبدالله خليل،كانا يتوقعان أن يرد العسكر السلطة لهم بعد القيام ببعض الترتيبات التي تقلص دور معارضي الحزب.ولكن استفرد العسكر بالسلطة، هنا نشط حزب الأمة في المعارضة.ووقف  الختمية مع نظام(عبود)ورفعوا ما عرف بمذكرة كرام المواطنين ضد المعارضة  في   9/12/1960.فقد هاجموا الأحزاب المعارضة مشيدين بانجازات النظام العسكري.
تعرضت الديمقراطية خلال حقبة ما بعد الإستقلال لاختبارات لم توفق في استجاباتها.فقد عرفت هذه الفترة محاكمة الردّة الأولي ضد الاستاذ محمود محمد طه.وكان الفشل الأكبر قرار حل الحزب الشيوعي، فقد طرد نواب منتخبون نوابا منتخبين مثلهم من قبل الشعب. ثم دخلت البلاد في الحلقة الشيطانية:ديموقراطية،إنقلاب،إنتفاضة،ديموقراطية وهكذا.وفي حقيقة الأمر،مارس السودان نظما برلمانية ولكن ليست ديموقراطية وهناك فرق كبير.لأن وجود برلمان منتخب ،حتي ولو كانت إنتخابات نزيهة،لا يعني توفر الحريات الأساسية الأخري ،مثل:حرية العقيدة والرأي.ففي الديموقراطيات الحقيقية لا يمكن أن يحاكم أي شخص بما يسمي الردّة أو يحل حزب بتهمة الإلحاد أو إساءة أحد اعضائه لبيت النبي.لم تصبح الديموقراطية جزءا من الثقافة السودانية أي لها انعكاساتها علي السلوك والحياة اليومية،وتربية الأطفال والتعامل مع المرأة،وفي الأسرة والمدرسة.فقد بقيت الديموقراطية علي المستوي الأداتي فقط أي وسيلة أو أداة للتبادل السلمي للسلطة من خلال انتخابات لا تقوم علي تنافس البرامج في مجتمع تصل نسبة أميته الأبجدية الي 70% ومازالت العلاقات القبلية والعشائرية هي السائدة.ويمكن القول بأن البلاد لم تعش ديموقراطية حقيقية لذلك كان التفريط في النظم البرلمانية سهلا.
تعمدت التاريخية لأن الشباب حرم من دراسة تاريخ بلاده،فقد خلت المناهج التعليمية من التاريخ والجغرافيا،ليدرسوا "نحن والكون".هناك مسؤولية علينا في الحديث عن التاريخ لو أردنا اسنشراف المستقبل.
//////////////