عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


* أهرب يا إبني فإن الماضي يلاحقك!         

* أنصحك بقتل الأب الروحي والفكري قبل أن تخط أي حرف في كتاب الحياة الجديد.   
*سوف تغمرك (الديناصورات) في بيانات التأييد أو الشجب والإدانة؛ثم يدوخونك في كرنفالات توقيع المواثيق. يمارسون هواية ميثاق جديد لكل صباح جديد دون أن يكلفوا أنفسهم بالإجابة علي السؤال: ماذا فعلوا بميثاق الأمس؟
*  لا يحق لجيلنا الذي أضاع الاستقلال والوطن الواحد وانتفاضتين شعبيتين : أكتوبر 1964 وابريل1985،أن ينظّر لثورة أو انتفاضة الشباب الحالية؛بسبب الشيخوخة والفشل المتكرر والنرجسية.بينما هؤلاء الشباب
يقدمون دماءهم وحريتهم قرابين تضحية.

المتن                                  

من أهم قوانين الثورة: لا حركة ثورية بلا نظرية ثورية،ولكن تكتمل الفرضية بالقول: ولا نظرية ثورية بلا نقد ثوري جذري.لذلك،ظللت أرد علي أي دعوة للمشاركة في الكيانات والتنظيمات الجديدة، بضرورة أن تكون البداية الصحيحة الممهدة للتأسيس عقد مؤتمر يخصص تماما للنقد والنقد الذاتي.
ويدور كله حول سؤال:لماذا فشلت التجارب السابقة؟ وماهي ضمانات وآليات عدم تكرار الاخطاء؟ ولأن العقل السوداني -عموما- ممانعا ومقاوما للنقد،وبوجه أخص العقل النخبوي؛يتم تجاهل مثل هذه الدعوات. فهي تعطل سرعة إشهار التنظيم، وتؤخر اصحابه من قيادة الثورة التي تنتظرهم علي منحني التاريخ. ولذلك، كل الذي يدور الآن محاولات لاجترار الزمن وتكرار التجارب أو بالأصح تجريب المجرّب وبالتأكيد ستحل عليه الندامة.
تقع مهام الثورات أو التغيير في المجتمعات والدول النامية علي عاتق النخب.ويعود ذلك إلي غياب طبقات اجتماعية قوية وإلي مستوي وعي الجماهير. ويقدم (نهرو) وصفا دقيقا الخال بلاده وحالنا ايضا،في رد لسؤال من (محمد حسنين هيكل): كيف تقوم الهند من أحوالها التي كنا نعرفها الي المستقبل الذي يحلم به شعبها؟ وكان رده:- " أمامنا خيار واحد.الهند اربعمائة مليون انسان(تضاعفوا الآن 3 مرات)-..... وفي هذه الكتلة الكبيرة 10% من القادرين علي المستقبل أي 40 مليونا من المواطنين,ومن الضروري أن تتحول هذه الاقلية في المستقبل الي رافعة تحمل الكتلة الكبيرة غير الجاهزة الي أعلي."ثم يؤكد قائلا:-"...أن مصير الهند معلق بالمعجزة،إما أن تستطيع القلة أن تكون رافعة للكتلة وإما أن تهوي الكتلة علي رأس القلة وتسحقها، وتكون مأساة الهند".(الاهرام21/5/2012).أي الخيارين حدث في السودان؟أما في الهند،فيدل تطورها علي أن القلة أو النخبة قد تحملت دور الرافعة بنجاح وشجاعة.
وهذه هي البداية الصحيحة،لذلك نستهل بالسؤال المحوري:- ماهي الكتلة الاجتماعية الرافعة في الحالة السودانية؟ لم يكن السودان استثناءا فقد عرف نخبة أو طليعة تحملت المسؤولية الوطنية وشكلت مشروع ضمير لشعبها.وانفردت بصفة:القوى الحديثة أو الجديدة تمييزا للقوى التقليدية ذات الغلبة العددية شعبيا في مجتمع متخلف وراكد اجتماعيا.وكانت جمعية (اللواء الأبيض) ثم(حركة اللواء الأبيض)هي البداية الرائدة.والأخيرة ضمت المتعلمين والمهنيين وصغار الموظفين والتجار،وادخلت لأول مرة في تاريخ البلاد أسلوب المظاهرات السلمية التي نشهدها الآن.واستغل زعماء الحركة:علي عبداللطيف وعبيد حاج الأمين، موكب جنازة اليوزباشي عبدالخالق حسن،مأمور أم درمان،وحولوه لأول مظاهرة في 19 يونيو1924.وردد المتظاهرون هتافات :تحيا مصر!نكاية في البريطانيين.ورغم قرار الحكومة منع التجمهر والتظاهر،إلا أن المظاهرات عمت كل مدن السودان الكبرى خلال العام.بل، في 27 نوفمبر 1924حدث الصدام المسلح ضد البريطانيين الذي قاده عبدالفضيل الماظ ورفاقه من الضباط.
احست القوى التقليدية بخطر ظهور قوى جديدة تهدد مصالحها،فتصدت  مبكرا لمحاربتها قبل المستعمرين أنفسهم.ففي 10يونيو1924،اجتمع في منزل السيد عبدالرحمن المهدي،الزعماء الدينين التقليديين،وبعض كبار الموظفين العموميين،وكبار التجار والأعيان،وزعماء القبائل والشيوخ المعروفين.ووقعت هذه  المجموعة علي رسالة موجهة للحاكم العام عرفت باسم(سفٌر الولاء).أعلنوا فيها ولاءهم باعتبار "أنهم هم الشخصيات البارزة للحركة الوطنية السودانية،المستنيرون والمؤهلون لابداء الرأي."والأخطر ما في السفر قرارهم:" اختيار انجلترا لكي تكون وصية علي السودان...لتعمل علي تطويره حتي يصل الي مرتبة الحكم الذاتي".ووصل  بهم الأمر الي حد مطالبة بريطانيا بتمثيل السودانيين في مفاوضتها حول السودان مع حكومة الوفد  المصرية.                                                                        
وحين اندلعت المظاهرات أدانها الموالون للإنجليز، وكلفوا حسين شريف، صاحب صحيفة (الحضارة) المعبرة عن فكرهم وخطهم السياسي بإفحامهم. وكتب في عدد يوم25 يونيو1924 يقول بأنه كان يتعين علي جمعية اللواء الابيض أن تعلم بأن البلاد قد اهينت لما تظاهر أصغر وأوضع رجالها دون أن يكون لهم مركز في المجتمع بأنهم المتصدرون والمعبرون عن رأي الأمة.وإن الزوبعة التي أثارها الدهماء قد أزعجت التجار ورجال الاعمال.وواصل داعيا" جميع المناضلين الحقيقيين بأن يستأصلوا شافة أولاد الشوارع (شذاذ الآفاق؟!) الموالين لمصر للقضاء علي تطلعاتهم الكاذبة حتي لا يصبحوا أبطالا وطنيين."ويسقط(شريف) في عنصرية بغيضة،حين يكتب:"إنها لأمة وضيعة تلك التي يقودها أمثال علي عبداللطيف(...)وذلك أن الشعب ينقسم إلي قبائل وبطون وعشائر،ولكل منها رئيس أو زعيم أو شيخ،وهؤلاء هم أصحاب الحق في الحديث عن البلاد(...) من هو علي عبداللطيف الذي أصبح مشهورا حديثا،وإلي أيّ قبيلة ينتسب؟"(للتفاصيل راجع:جعفر محمد علي بخيت:الإدارة البريطانية والحركة الوطنية في السودان،الطبعة الثانية،1987،ص60-65).وردّ عليهم الشاعر صالح عبدالقادر بقصيدة ساخطة،تقول:-                                              

ألا ياهند قولي أو أجيزي      رجال الشرع أضحوا كالمعيز
ألا ليت اللّحى كانت حشيشا            فتعلفها خيول الإنكليز
اخمدت أول حركة قوى حديثة بتعاون الإستعمار والقوى الرجعية.وصارت هذه مهمة القوى التقليدية بعد خروج الاستعمار التي كررتها خاصة بعد ثورة21 أكتوبر1964 حين دخلت ميليشيات القوى الرجعية واسقطت حكومة جبهة الهيئات بأسنة الرماح.وكانت المأساة الحقيقية كانت قدرة الطائفية الدينية والقبلية علي تدجين القوى وإدخالها في قفاطينها الا من رحم ربك.وبدأت النخبة أو الطليعة المثقفة أو أصحاب المثل العليا-كما يسميهم (المحجوب). والذي يؤرخ لمحاولات المثقفين الذين اتجهوا نحو الأدب ،فتكونت جماعة الفجر وجماعة اصدقاء مدني. فالاولي اوجدت مدرسة في الادب لها طابعها الخاص ونفخت في بوق الحركة الوطنية مرات ودوت صيحتها موفقة في كثير من ميادين الحياة.اما الثانية فقد تمخضت في احدي جلساتها عن فكرة مؤتمرنا العتيد وفكرة المهرجان الادبي. وعاونتها مجلة الفجر ونادي خريجين ام درمان. (كتاب: الحركة الفكرية في السودان الي اين تتجه؟الخرطوم،1941،ص46).

أن الفترة من ثورة1924 حتي سنة 1938هي بداية التحرر والإنطلاق   نحو الحرية الفكرية والسياسية، والتجديد في الأدب . ويفصّل(المحجوب) "...وأخذنا نكافح الحزبية الدينية وندعو الخريجين ليتحرروا من قيودها ويكونوا جبهة وطنية تعمل لمصلحة البلاد وتحقيق الآمال،وأخذت تلك النواة التي تركتها في مدني وكنت تتوقع أن تحدث حدثا جليلا في البلاد تنمو وتترعرع،وشقت طريقها إلي نادي وادمدني في ثوب جماعة أدبية،إلي ان استفحل أمرها فخرجت علي الناس في إحدي محاضراتها بفكرة:مؤتمر الخريجين العام".(موت دنيا،الطبعة الثانية،ص136).
أما من (مدني) فقد جاء الصوت قويا وواضحا ليحدد موقف النخبة من الطائفية مبينا طبيعتها ووسائل مقاومتها.يكتب (أحمد خير)عن الدور المتوقع للنخبة أو أصحاب المثل العليا من الجيل الحديث، معتبرا تأسيس أول نادي للخريجين (وليس مؤتمرا) في صيف1918 بام درمان. ويري في هذا الحدث بداية المعركة بين القيادة الشعبية المتعلمة مقابل الزعماء الدينين أو الحركة الصوفية-كما أسماها في البداية. واستهل الفصل الخاص بتاريخ هذا الصراع ببيت الشعر القائل:                                              
وما ضرت العلياء الا عمائم   تساوم فينا وهي فينا سوائم            

وقد كان (أحمد خير) يعلق آمالا عراضا علي هذه الحركة،رغم أنه بعد أكثر من ربع قرن من الزمان،بدا متشككا.فقد كانت ملئية بالوعود والطموحات لدرجة مقارنتها بارهاصات عصر النهضة في أوربا.ويكتب عن الظاهرة :-"...يلحظ في ثناياها أغراض دعوة  الطليعة من أحرار الفكر الذين انبثوا في أرجاء أوربا وأحدثوا تلك الثورة الفكرية التي مهدت السبيل لحركة الإصلاح الديني؛وما تلاها من انقلابات وحروب وثورات قفزت بالمجتمع الأوربي من ظلمات القرون الوسطي الي نور الحضارة الحديثة".(كفاح جيل،الطبعة الثالثة، 1991،ص21). ويثبّت نجاحات الخريجين في البداية حين يقول:-"ولقد خاض الجيل معركة حامية لتحرير الفكر من أوهام الخرافة وقطع شوطا ملحوظا في هذا السبيل وقضي علي نفوذ الارستقراطية الدينية،أو كاد". (ص185). ولعله يقصد أن هذا الانتصار قد تم في اوساط اجزاء واسعة من الجيل الحديث وليس المجتمع السوداني ككل.
وفي نفس أجواء تصاعد المعركة ضد الطائفية والرجعية،يصدر(عرفات محمد عبدالله) مجلة (الفجر)في 2يونيو1934. ويكتب من البداية بأن صحيفته تقوم (بنشر نور المعرفة وقشع سحب الجهالة) ويضيف بانها (تستمد مبدأها وصفتها من اسمها الذي اسميناها به، وآمالنا وطيدة في أنها ستكون فجراً صادقاً يتلوه صبح وضاح، ونهار مشرق. تتشر لسعة شمسه الشافية فتقضي على جراثيم الجهل والحقد والعصبية والتأخر والجمود. وتبعث فينا وفي ابنائنا واحفادنا روحاً جديدة).ولعبت (الفجر) دورا تنويريا هاما ولكنها توقفت عام1935 بوفاة صاحبها ولم تفلح محاولة احيائها.
من تناقضات التاريخ السوداني تزامن قيام مؤتمر الخريجين1938 وهم الذين آلوا علي انفسهم هزيمة الطائفية والرجعية الدينية،مع تحالف الطائفية والخريجين. ويصف (سامي سالم) ببراعة هذا التحول:-"...كانت لحظة الهروب من مؤتمر الخريجين الي أحضان الطائفية هي اللحظة التي وقّع فيها المثقف السوداني ضك إنهياره،وقد تكلل مشروع الهرب بالخيبة التي لا  زالت مستمرة الآثار،إنها اللحظة التي قطعت الطريق علي المشروع العلماني في الحياة السودانية وفتحت الباب أمام النفوذ الديني الذي تسترت به الطائفية". (مجلة الدستور اللندنية،25/9/1989ص47).

******                                         
نتوقف هنا هذه المرة وسنواصل،ولكن بعد هذا المقطع من رباعيات
الشاعر(صلاح جاهين):-

ولدي نصحتك لما صوتي  اتنبح
ما تخفش من جني ولا من شبح
وان هب فيك عفريت قتيل إساله
ما دافعش ليه عن نفسه يوم ما اندبح
عجبي!