توطئة:

حرمني خذلان الجسد- كما قال درويش-عن الكتابة والجلوس، رغم عظمة الأحداث. ولكن بالأمس بعد صلاة الجمعة وبينما اتابع الفضائيات،بثت بعض القنوات صورا لجندرمة المشروع الحضاري الإسلامي في السودان وهم يقتحمون المساجد بالقنابل المسيلة للدموع والرصاص المطاط. ومددت يدي لإحدى بطاقات البحث في التاريخ الإسلامي، فقرأت: "ضرب الأمويون الكعبة الشريفة بالمنجنيق مرّتين واحرقوها خلال حكمهم الجائر، تارةً في زمن يزيد بن معاوية وذلك بقيادة الحصين بن النمير، وأخرى في زمن عبد الملك بن مروان وذلك بقيادة الحجّاج بن يوسف الثقفي

وبعد أن استعصى على الجيش الأموي إخضاع ابن الزبير، وضع المحاصرون المنجنيق ورمي الكعبة بالنار فاحترقت، ثمّ بقوا محاصرين للبيت الحرام عدّة شهور حتّى وصلهم خبر هلاك يزيد. فانفكوا عنها راجعين إلى الشام مغلوبين، وتفرّقوا أثناء رجوعهم لاضطراب أمرهم، فلاحقهم أهل مكّة والمدينة حتّى أخذوا أربعمئة منهم إلى الحرّة بالمدينة، وأمر مصعب بن الزبير بقتلهم، ثمّ بايع أهل المدينة أخاه عبد الله بن الزبير بالخلافة".

يكرر الأمويون الجديد في السودان- الجبهة الإسلامية القومية- رغم الاختفاء في اقنعة من التسميات،آخرها المؤتمر الوطني،تاريخ الاستبداد في الدولة.ويدخلون الحركات الإسلامية الجديدة التي تبنت الديمقراطية وغيرت أسماءها في مصر وتونس والمغرب وتركيا، في حرج كبير بهذه الممارسات. ويحاول الاسلامويون التمسح بها، بينما يهربون منهم مثل هرب السليم من الأجرب. ولم تساندهم أي حركة ولم تصدر ادانة للمظاهرات لانه حق مشروع. كل هذه الاحزاب الإسلامية جاءت عن طريق انتخابات حرة ونزيهة،ونحن نحترم ارادة الجماهير مهما كانت مخالفة لمواقفنا. بينما تظل عدم شرعية الاسلامويين قائمة رغم الانتخابات المزورة، والتي اعطتها

العقل المختون وفكر الأزمة

من الواضح أن السودانيين يعيشون اختبارا حقيقيا أكبر من السياسة ونوع الحكام. فالامر يتعدي كل هذا حين يكون الشعب تحت رحمة طغمة تعزوها الحكمة والرحمة.وما اتعس الشعب الذي يكون سراته الكذّابون، الغشاشون، المدلسون.لاتري عقولهم الشمس،ولا تنطق السنتهم عن الحق،ولا تعرف بقايا ضمائرهم التأنيب. فقد دشنوا عهدهم بالكذب والتضليل: الذهاب الي القصر والآخر الي السجن! ثم لم تتوقف ماكينة الكذب حتي هذه اللحظة، هم وابواقهم المحرشين حقيقة. الأزمة أوضح من الشمس ولكنهم يدلسون ويكابرون رغم أن نظامهم قد سقط فعليا.فالسقوط ليس بالضرورة أن يكون الحاكمون في السجن أو هربوا خارج البلاد. ولكن حين يفشل برنامج وايديولوجية أي نظام، فقد سقط لأن ليس لديه ما يفعل أو ينجز.

يصعب تحليل تفكير وسلوك الإسلامويون السودانيون ضمن شروط العقل والعقلانية لأنهم أقرب الي الغرائز والإنسان الخام أو ما قبل انتشار العقل والحس السليم.فأول شروط انسانية المرء،الشعور أن الآخر هو ايضا يستحق ما تستحق،وعلي رأس ذلك الاحترام.ولكن من يتلذذ من ألم إنسان يجلد أو يرجم؛أو لا يحركه عناء من  يتضور جوعا؛يصعب أن تدرجه في زمرة بني الإنسان إلا تجاوزا. و مع غياب القانون كرادع خارجي يبقي الضمير ولكن هذه مثالية  لان من ضيع القانون لو لديه ضميرلابقي القانون كضمان للعدل. الامنوقراطي لو شغّل ضميره أو أحس بالتأنيب يفشل في اداء واجب القمع.وهنا تساءلت كيف حلل الحاكمون الأزمة الإقتصادية؟لأن التحليل الصحيح قد يكون مقدمة لحل صحيح.وقد ظننت حين استمعت لخطاب البشير امام المجلس الوطني- في بداية الحديث،أنني استمع لتقرير يقدمه(كبج) او تحالف المعارضة. فهذا ما ظل يردده الحادبون علي الوطن وينكره المؤتمر الوطني.

حين وصل البشير الي الحلول والمخرج، قفز الي الشعوذة والتهويمات، ليختم بالقول: -"نحن شعب متوكل على الله مقلب الأمور ، واهب الحياة ، المعطى المانع ، نُعْطَى العطية من الله فنشكر ، ونُبتلَى بنقص من الأموال والأنفس والثمرات فنصبر ، وذلك شأن أهل الله الذين لا يستطيع بشر أن يقهرهم ، ولا تقدر قوة غاشمة على تطويعهم . وإن في حياة الأمم لحظات فيها يحق الحق وتتمايز الأمور ، والقيادة الصادقة لا تتردد ، ولا تنكص عن النظر في الخيارات والتدابير ، والاخذ بأحكمها بعد المشاورة والاستخارة . ذلك أنه لا خير في قائدٍ لا يقود ، ولا رجاء في رائدٍ يكذب أهله

إن هذه الحزمة من السياسات ليست معالجة مجزوءة أو طارئة لوضع طارئ بل هى امتداد للاستراتيجية القومية ، والبرنامج الاقتصادى الثلاثى ، وهى خطوة باتجاه ترشيد الاداء الاقتصادى ، وخفض التضخم وزيادة النمو .هى بعض فكرنا واجتهادنا وجهدنا ، نسأل الله أن يبرم لنا بها خطة رشد لبلادنا. وأن يبارك لها في مُدَّها وصاعها ، وناتجها ومنتوجها ، وأن يهدى مساعينا جميعاً إلى سبل الرشاد ، فلا هادى سواه إلى سواء السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. والسلام عليكم و رحمة الله. (الاعلام18 يونيو2012)

هذه حلول بالشعوذة والغيبيات والخزعبلات وليس بينها والدين أو التدين الصحيح أي صلة. وهذا ليس بغريب علي الإسلامويين، فنحن لم ننس في مناقشة الاستراتيجة القومية الشاملة في أول سنوات الانقاذ، فقد جاء في اخبار الجلسة الاولي:-"تحدث الدكتور عمر احمد فضل الله عن ايمانه بامكانية الاستعانة بالجن المؤمن في كافة مجالات التطور والنهضة وقال إن استعانة الانس بالجن هي مسألة واردة وهنالك سوابق كثيرة علي ذلك .. وقال الدكتور اننا نستطيع  ان نستعين بالجن السوداني المؤمن في تفجير الطاقات وكافة الاستخدامات المطلوبة". وعوضا عن زجر "الدكتور" رد الفريق البشير رئيس المؤتمر،علي صاحب الاقتراح بالآية الكريمة: (وانه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن فزادوهم) وطلب منه اعداد ورقة شاملة عن الجن! (صحيفة السودان الحديث22ديسمبر1991).

الأزمة الاقتصادية هذه المرة قاتلة للنظام الذي استنفذ كل فرص المناورة والكذب والاستهبال.فالأزمة كفيلة بنفسها-حتي لو فرضنا جدلا أن الشعب لم يخرج- فالتآكل الذاتي والداخلي سوف يكون سببا في الانهيار.إذ لا يوجد مفكرون يقترحون حلولا عقلانية،كما يواصل الطبّالون والحواة ،التضليل وتزييف الوعي.ومن الامثلة الغرائبية نقرأ:-" ..وكذلك دور المفكرين في السودان تضاءل فالسياسة نفسها أصبحت كأنها غير موجودة، والكثير من الطرق مسدودة للمفكرين ولغير المفكرين والظروف صعبة ، وأنا كثيراً ما أعذر القائمين على أمر السودان، لأن هناك عدواناً مبيتاً على السودان وعدواناً متواصلاً، لكن طبعاً أعتقد أنه وبخطئنا أو بغفلتنا سهلنا مهمة الآخر المعتدي لكن اللطف الإلهي يحيط بنا، أنا أرى اللطف الإلهي يمشي في شوارع مصر مثلما سار في شوارع مصر سيدنا موسى وسيدنا يوسف ودخلها المسيح ابن مريم ومعه الحواريون فهذا تنزيل للمشيئة الإلهية. أعتقد الآن أن اللطف الإلهي هو الذي يسير وليست المقدرات العادية للمفكرين الإسلاميين سواء كان في السودان أو في مصر أو في تونس كلنا مغلوبون على أمرنا وكلنا بدون طاقة وبدون "مروءة" فيبقى الله لطيفاً بعباده ولذلك المغلوبون والمهضومون الآن فقط التجليات الإلهية واللطف الإلهي هو الذي يسهل لهم الأمور وييسر لهم ما استصعب. (الجريدة 12/6/2012 مقابلة مع حسن مكي).

تفتقت عبقرية مفكر آخر وهذا رجل عملي وليس منظرا.فقد جاء في صحيفة (آخر لحظة) بتاريخ21 يونيو2012،ما يلي:"سلم الداعية الإسلامي والمحاضر بجامعة الخرطوم الدكتور صديق الحاج أبو ضفيرة أمس الدكتور نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية نائب رئيس المؤتمر الوطني بواسطة مكتبه بالمركز العام، مذكرة أسماها (الربيع السوداني)، شعارها (الشعب يريد الحكم بالإسلام وإرشاد النظام) حوت على 14 مقترحاً قال إنها تعيد ثقة المواطن المفقودة في النظام لفترة طويلة وأشار أبو ضفيرة إلى أن هذه المقترحات محكمة وواجبة التنفيذ وأنها متمثلة في أن يقوم القادرون من أعضاء المؤتمر الوطني بترك وجبة الإفطار لمدة يومين، وأن يحولوا ثمنها لجملة طعام الأطفال المشردين وأمهاتهم، وأضاف من لا يتحمل الجوع يسلم مبلغ الوجبتين إلى القائمين بأمر الحملة وأشار إلى ضرورة أن تقوم الحملة بحصرهم والكشف عليهم وكسوتهم، ودعا المؤسسات الحكومية للتبرع بنصف نثريات شهر لدعم العام الدراسي، والقيام بإحصاء ورعاية العاملات في البيع بالطرقات العامة ودعم تجارتهن والتصريح لهن بأماكن ثابتة، بجانب دراسة أوضاع الباعة المتجولين، وأشار البيان إلى ترك الغناء لمدة يومين بالفضائيات والإذاعات حزناً على المسجد الأقصى، بالإضافة إلى دعم المرافق الصحية والدواء والكتاب الجامعي ورسوم القبول للطلاب المعسرين، وذلك من نثريات ومخصصات احتفالات الثلاثين من يونيو."

لو تركنا المفكرين والمنظرين الإسلامويين ،جانبا لنتابع منظمات العمل الطوعي في المشروع وكيف تري الوطن؟ نكتفي بمضمون هذا العمود للاستاذ (الطاهر ساتي):-" **

الأسبوع الفائت، كتبت فيما كتبت، أن اتحاد عمال السودان - وبتوجيه من وكيل وزارة الصحة المركزية - سحب عربة إسعاف مستشفى الصداقة بأم درمان، لصالح ما أسموه بـ(دعم قطاع غزة)، وكان ذلك في العام (2009).. وأن مستشفى الصداقة، منذ ذاك العام والى يومنا هذا بلا عربة إسعاف، بحيث يتم نقل المرضى والموتى بالبكاسي وغيرها من المركبات.. وبعد ثلاث سنوات من سحب عربة الإسعاف، اكتشفت إدارة مستشفى الصداقة أن تلك العربة لم تذهب الى قطاع غزة، بل تقبع في فناء مؤسسة تسمى بالمؤسسة الطبية الوطنية، فطالبت إدارة المستشفى القائمين بأمر تلك المؤسسة باسترجاع العربة، وخاصة أن المستشفى بحاجة إليها، بل أكثر حاجة من قطاع غزة.. ولكن ردت تلك المؤسسة على إدارة المستشفى برد فحواه: (صاح نحن ما قدرنا نوديها غزة، لكن عندنا النية نوديها الصومال).. وبهذا الرد، رفضت إرجاع العربة الى المستشفى.. فناشدت وزارة الصحة واتحاد العمال وتلك المؤسسة بإرجاع العربة الى مستشفى الصداقة، إذ أهل السودان بحاجة الى خدماتها أكثر من أهل فلسطين والصومال".(السوداني 20/6/2012)..!!

عام2012 نهاية التاريخ


يقف السودانيون في الأشهر الستة المتبقية أمام إحدي خيارين لا ثالث لهما: سقوط النظام أو سقوط السودان (بالاصح ما تبقي منه). هذا عام مصيري، لأن النظام تجاوز تاريخ صلاحيته خاصة بعد أن فرّط في الجنوب ثم غرق الآن في مستنقع الأزمة الاقتصادية.وأي تباطؤ أو تردد في اسقاط النظام بكل الوسائل الممكنة وحتي التي كانت غير ممكنة،يعني أننا انحزنا لخيار اسقاط السودان. خاصة وان التآكل الذاتي يفعل فعله بسبب سياسة التقشف.فقد اعتمد النظام علي المال السياسي في شراء الضمائر وكسب المرتزقة،بعد حل الحركة الإسلامية والتنكر للمشروع الحضاري.وسوف يهرب الكثيرون من المركب الغارق وقد بدأت القاهرة تشهد نازحين سمان يلحقون بشققهم في الرحاب والمدن الجديدة.لن يتحمل مرتزقة النظام ربط الاحزمة وهم الذين تعودوا علي ربط احزمة العربات الفارهة.

لذلك،لابد من استمرار الانتفاضة الشعبية،بغض النظر عن الاعداد.هذا النظام يجب الا يعرف الراحة والنوم في ايامه الاخيرة.وتعدد الوسائل والمعارك والميادين يرهقه ويشتت انتباهه ثم يفقده اعصابه.قد يفكر النظام في الطريقة السورية أو الليبية،وهذا خيار خطر ومهلك لان السودان ملئ بالسلاح.وقد تفكر المعارضة السلمية في التحالف مع الجبهة الثورية وتتحول – مجبرة- الي انتفاضة شعبية محمية بالسلاح . وهذا شعار قديم للتجمع الوطني الديمقراطي. ولا نصيحة للنظام حتي لو توقفت الانتفاضة مؤقتا، الا:

إرحل!


Hayder Ibrahim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]