توطئة:                                                

هذه الفكرة جاءت في مداخلتي في: "اللقاء التفاكري" بالدوحة 26-27 مايو2012، وأظن أنها كانت صادمة لذلك غمرت تحت تراب المجاملة أو الأدب السوداني الذي لا يسمي الاشياء باسمائها

لم اشعر بقلة أدب، بل تأسيت بمظفّر النواب، حين قيل له: لماذا أنت بذئ هكذا في شعرك؟ فرد: أرني وضعا أكثر بذاءة مما نحن فيه؟ وقد دفعني مباشرة لتأكيد الخفاض الفرعوني لعقل المثقف السوداني، نائب برلماني يدعي: دفع الله حسب الرسول، يبث من داخل"البرلمان" ما يقدم نموذجا باهرا للعقل المختون. ولكن الاسباب كثيرة، إذ لا يوجد في هذا العصر نخبة فعلت بوطنها مثلما فعلت النخبة السودانية. ويكفيها "انجاز" تقسيم الوطن، وحروب أهلية علي خط طوله 2250 كيلو مترا، ولا تتوقف عن قصفهم جوا، وتجويعهم لا يطعمون وتمنع عنهم المساعدات الخارجية بدعوى السيادة الوطنية. والمدان ليس نظام الجبهة الحاكم فهو يقوم بالجرائم اليومية ولكن المعارضة التي سمحت له بالاستمرار حوالي23 عاما مدانة بالتقصير وترك الشعب تحت رحمة جلاديه واكتفت بالادانات والبيانات ، ولم تردع النظام بل جعلها في حالة دفاع عن النفس وكأنها المجرمة وليس هو السفاح والفساد والتردي في كل المناحي.                                          

اتوقع ان يتصدي بعض المتقعرين لهذا النقد الذاتي ويسمونه:"جلد الذات". فليكن، هل اوقفتم جلد الفتيات في محاكم النظام؟ هل استبدلتم علاج المساكين في قراكم حيث يستخدم السوط والجلد لاستخراج الشياطين بطب حديث؟ فلماذا تستنكرون جلد ذات النخبة المريضة؟ 


مدخل خفاض العقل


ظللت منذ مدة طويلة مهتما بكيفية اشتغال العقل السوداني علي القضايا التي تواجهه في الحياة؛ أي طريقة التفكير التي يتوصل بها إلي أجوبة علي الاسئلة والمشكلات المرتبطة بوجوده كفرد أو في جماعة، طوال تاريخه في هذه البقعة. ومن الواضح أن الإنسان السوداني لم يترك الكثير المكتوب، ولم يظهر ميلا للتفلسف والتنظير. وفي نفس الوقت لم يتدخل كثيرا في الطبيعة ولم يغيّر فيها كثيرا، وظل في أغلب الاحيان يتعايش مع شروطها دون أن يحاول التغلب عليها، وتوجيها بوسائله. وبقي الواقع السوداني راكدا ومقاوما للتغيير السريع والجذري. ورغم موقع السودان الاستراتيجي في القارة الافريقية وعلي شواطئ البحر الأحمر، إلا انه  لم يتمتع بميزة الاحتكاك والإطلال علي حضارات أكثر تطورا، كان يمكن أن تساعده في التقدم والتغيير. بل كانت صلته بالحضارات العالمية تأتي بالوكالة وغير مباشرة ومن خلال دول مثل مصر؛ أو من خلال عابرين من  السودان إلي داخل القارة الافريقية. وهكذا افتقد العقل السوداني فرصة التطور والنمو، واستكان لخمود ونوم طويلين. وهذا ما نسميه الاستراحة الاجبارية للعقل السودان.                              

ونبدأ بالتساؤلات المتداولة بين الباحثين:ماهي الأفكار التي أنتجها العقل السوداني وكيف أنتجها؟ وهل الوعي  منخرط في سياق فلسفي؟ وهل لديه القدرة علي النقد والنقد الذاتي، والحوار وقبول الآخر المختلف  للمطارحة؟ وهل هو    عقل موضوعي أو ارادوي رغائبي؟ فالمثقف – حسب موريس بار – هو ذلك الفرد الذي يقنع نفسه بأن المجتمع يجب أن يقوم وفقا لمنطقه وارادته هو، والذي يجهل أن المجتمع هو قائم فعلا وواقعا علي ضرورات داخلية قد  تكون لا علاقة لها مطلقا بارادة العقل الفردي. فالمثقف بهذا المعني هو ضحية وهم منطقه –يوتوبيا/طوبائي. وهذا يعني وجوب تفسير الظاهرة الاجتماعية بظاهرة او ظواهر من المجتمع نفسه. التفكير الغيبي يبحث عن المسببات من خارج الواقع والمجتمع والحياة الانسانية.

ويقود ما تقدم الي التساؤل المحوري، وهو: مدى انتشار وعمق العقلانية في الفكر السوداني. وتعريف العقلانية ببساطة في السياق الحالي هي عدم تناقض الغايات والوسائل. ولكن العقل المختون يفصل باستمرار بينهما، مما يعكس النقص القاتل في ذلك العقل أي نواقص التفكير والتحليل السليمين . وهذا ما يوقعه ايضا في ممارسات يصعب ادراكها منطقيا، في كل مجالات الحياة، وبالذات السياسة. ويرجع ذلك الي عدم طرح الاسئلة الصحيحة، وبالتالي الوصول الي نتائج مختلفة تماما من المقدمات. والنقص الثاني هو القدرة علي ترتيب الاولويات، وهذا أمر يحتاج مع العقلانية الي ملكة خاصة هي حسن تقدير الاشياء بلا مبالغة.

يخلط عقل المثقف السوداني المختون بين الكلام والأفكار أو اللغة والفكر. فقد نسمع لحديث فصيح ومنمق وطويل ولكنه لا يقدم أي فكرة جديدة واحدة. وهذه مصدره غلبة العقلية التراثيةوالسلفية التي تعمل علي تأصيل القديم، وبالتالي تحصينه بكلام كثير دون أفكار جديدة تهز الثوابت والوثوقيات. وتحول الفكر السوداني أو الإسلامي عموما الي الشعائرية، والشعاراتية، واللفظيات. ولم استعجب حين قرأت لشخص يقدم "كمفكر إسلامي كبير" يقول عن موقفه من الفلسفة:-"  دراسة الفلسفة لا تجلب فائدة ولا تصرف شرا، وأن قضاياها تعطل الفكر والنظر. وصدق الغزالي الكبير حينما وصفهم بأنهم: (طائفة من ذوي الآراء المنكوسة والافكار  المعكوسة) . " (عن سيرة ذاتية لحسن مكي، ص22) . ومع استبعاد الفلسفة تفتقد عملية الفكر – حسب الفلاسفة- صفة مجموع  العمليات الذهنية التي تمكّن الانسان من نمذجة العالم الذي يعيش فيه وبالتالي يمكنه من التعامل معه بفعالية لتحقيق اهدافه وخططه ورغباته. وبالتالي يكتسب العقل المختون أكبر نواقص الفكر وهي التجزئية علي حساب الشمول والنظرة الكاملة.


العقل المختون والشخصية

انطلقت منذ اربعينيات القرن الماضي حملات ضد ممارسة الخفاض الفرعوني علي الإناث. وللمفارقة، تزايد النشاط ضدها في السنوات الاخيرة، وصرفت علي الحملات الاموال الطائلة، وجعل منها المانحون الأجانب قضية استراتيجية في السودان. وبالتأكيد، سوف يحتار الكثيرون في أسباب استمرار الظاهرة  رغم الجهود والاموال والوقت. ولكنهم نسوا أنه يستحيل علي عقل هو ذاته مختون، يمكن أن يقضي علي مثل هذه الظاهرة في مجتمعه. فالإنسان السوداني المسكين، الذي فقد بختان عقل مثقفه، لذتيّ الجنس والفكر، بات مكشوفا وتمكنت منه الأزمات حتي وصل الي حالته الراهنة. وقطعت أهم أجزاء وأعضاء واطراف العقل، لذلك فقد المثقف العقلانية، والمنطق، والقدرة علي التنبؤ واستشراف المستقبل.

تضافرت وتآمرت جهود عدد من المؤسسات للقيام بعملية الخفاض أو الختان بطريقة بارعة بحيث يؤدي الخفاض وظيفته في الحرمان والكبت والتدجين. وهي تتمثل في خمسة فاعلين يتقسمون علي عدد من المؤسسات.

أولا: المؤسسة الدينية المحافظة التي بدأت بهيئة  علماء السودان التي رعاها الاستعمار البريطاني. ويظهر موقفهم في رد علي نقد وجه للإدارة البريطانية:-". . . فان جميع الامة السودانية قد ارتبطت بالحكومة الحاضرة (الانجليزية) الرشيدة ارتباطا حقيقيا بالقلب والقالب، بصداقة واخلاص، ونقدرها قدرها بحيث لا نبغي بها بدلا، لما هو شاهد بعين اليقين، من جلب المنافع ودفع المضار، وتعمير البلاد، وتامين الطرق وعمارة المساجد، وبث العلوم الدينية، ونشر المعارف بترتيب العلماء ومساعدتهم بالمرتبات التي اراحتهم، وتشييد الجوامع والمدارس في عموم البلاد حتي أن ابناء الوطن صاروا في تقدم باهر، ونجاح ظاهر، مع اعطاء الحرية التامة لرجال المحاكم الشرعية في المحاكم والاحكام بالشرع المحمدي. وبالجملة فانها حكومة رشيدة ساهرة بالسعي في كل ما يفيد الوطن وابناءه. فبلسان العموم نقدم الشكر الجزيل لحكومتنا، ونكذب هذه المقالة بجميع اجزائها تكذيبا تاما وفي الختام نرفع لسعادتكم لائق التحية والاحترام.          
الطيب هاشم -  مفتي السودان
اسماعيل الازهري -  مفتش المحاكم
ابوالقاسم احمد هاشم -  شيخ علماء السودان 
(صحيفة حضارة السودان26/10/1921)

أطلقت المؤسسة الدينية المحافظة حملتها ضد الفكر الحر والعقل مبكرا، واستلت سيف التكفير منذ عهد الشاعر العظيم التيجاني يوسف بشير :
قالوا وأرجفت النفوس وأوجفت        هلعا وهاج وماج قسور غابه
كفر ابن يوسف من شقيّ واعتدي    وبغي ولست بعابئ أو آبه
قالوا احرقوه بل اصلبوا بل انسفوا    للريح ناجس عطمه وإهابه
ولو أن خوف الموت من متلمس    للمرء مد اليّ من أسبابه

ولاحقت المؤسسة الدينية –كدأبها في قنص المبدعين-شاعرا آخر هو محمد عبد الوهاب القاضي، والذي يقول عبدالله الشيخ البشير في مقدمة ديوانه:-"خرج من السودان علي أثر مشادة بينه وبين شيخ المعهد العلمي عام1935 لتصديه لقضايا المعهد فحرم من اعطائه الاولية التي كان يستحقها في امتحان الشهادة التي يستحقها في امتحان الاهلية، بطريقة تكاد تشبه الطريقة التي أبعدت التيجاني عن المعهد مع اختلاف في التفاصيل". (ص3) وقال فيهم:

لقيت من الدنيا ومن ظلم أهله    نضيض الافاعي في سموم العقارب       
********
ساعمل حد السيف في أم ارؤس        خرائب ياويح الرؤوس الخرائب
لهم من يراعي كل سيف مجرب        يريهم سريعا كيف فعل القواضب

واستمر الارهاب الفكري السري للمؤسسة الدينية طوال الفترة الممتدة من الثلاثينيات حتي بعد الاستقلال، حين ظهر الامين داؤود وحسين محمد زكي وكتائب القضاة الشرعيين وفقهاء الكلية الإسلامية الذين صاروا يحملون القاب علمية حديثة، ليرفدوا نخبة دينية لقحت في الانابيب. ودشنت المؤسسة الدينية أول فعل رسمي معلن لخفاض العقل السوداني، ويقول عنه الاستاذ محمود محمد طه بذكائه المعهود:-" يوم الاثنين27 شعبان عام1388، الموافق18نوفمبر1968 قد دخل التاريخ. . انه يؤرخ بداية تحول حاسم، وجذري، في مجري الفكر والسياسة والاجتماع – في مجري الدين- في هذه البلاد، ان شاء الله. . . في هذا اليوم انعقدت ما سميت بالمحكمة الشرعية العليا لتنظر في دعوى الردّة المرفوعة ضد محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري. . . "

طلب المدعيان-قبل سنوات من حسبة نصر حامد ابوزيد-تطليق زوجته، ومصادرة كتبه، وحل حزبه، ولا يسمح له ولا لاتباعه التحدث باسم الدين أو تفسير آيات القرآن، ومؤاخذة من يعتنق مذهبه بعد هذا الاعلان، وفصله ان كان موظفا، ومحاربته ان كان غير موظف وتطليق زوجته المسلمة منه.

شجع المؤسسة الدينية الذهاب في اتجاه الارهاب الفكري، وجود حكومة طائفية علي سدة الحكم. اذ قبل سنوات قليلة أعلن مصطفي حامد الامين خروجه من الاسلام واعتناقه البوذية. ولم يحاكمه ليس لغياب الحمية الدينية ولكن الاجواء كانت متسامحة.

اما الفاعل الثاني في عملية الخفاض فهي الطائفية التي لم تقف عند تقطيع اهم ادوات العقل النشطة، بل قامت بتدجين النخبة المثقفة خلال فترة حاسمة في تكوين عقل كفء ومجدد. وهي فترة تكون ونشأة الحركة الوطنية من ثلاثينيات القرن الماضي أو عقب فشل حركة1924 وحتي اليوم. ويلاحظ تراجع دور المعهد العلمي والمؤسسة الدينية المحافظة، لأن الطائفية بدأت قادرة علي القيام بدور الخفاض والتدجين علي أكمل وجه. فقد برزت في طرف تاريخي هام، كما امتلكت وسائل فعّالة وجديدة نسبية مثل المال السياسي ، اضافة للوسائل التقليدية أي النفوذ الروحي. وكان من الطبيعي أن يكون توق النخبة الجديدة القضاء علي القديم بما فيه الطائفية، ولكن سدنة الخفاض كسبوا المعركة.

افتتح احمد خير كتابه:"كفاح جيل" بعنوان:قيادتان وجيلان، بقوله:-"لقد ظل زمام المقاومة الشعبية، منذ قيام الحكم الثنائي في السودان الي ما قبل الحرب العالمية الأولي منحصرا في ايدي الزعامات الروحية وكان (الجهاد الديني) ضد الكفار لا ضد المحتل الاجنبي أو المستعمر هو الشعار الوحيد الذي تهتز له القلوب وتتحرك له المشاعر (. . . . ) وكان زعماء تلك الحركات يرتدون دائما مسوح الكهان والصالحين ويستندون في كسب الجماهير علي نزول الوحي، أو الهاتف السماوي يكلفهم بهداية العباد الي طريق الرشاد، وتجديد الدين ومحو الفساد وطرد أعداء الله المشركين من البلاد".

خلال هذه الفترة تكونت وتكاثرت الفئة الحديثة من الجيل الذي نال قسطا من التعليم العصري، والتدريب والصقل في مكاتب الحكومة. وبدأ ينظر الي الحياة والمجتمع برؤية عصرية هي خليط من الثقافة الدينية السليمة، ومن الثقافة الاوربية الجارفة. وبدأوا، وهم إذذاك قلة محدودة، يحسون احساسا غريبا علي البيئة. ولكن توصلوا الي مؤسسة جامعة ، فكانت فكرة تأسيس نادي الخريجين في عام1918بام درمان. ومع هذا الشعور بالاستقلالية بدأت حربهم مع طائفية كاسحة، وأعلن شعارهم:-

وما ضرت العلياء الا عمائم  تساوم فينا وهي فينا سوائم وشعرت الطائفية بخطر داهم، فكان لابد أن تجهز أمواسها لخفاض ناجع يستأصل جذور الافكار من هذه العقول المتمردة. ورغم أنه وضع فيها الآمال العريضة في أن تكون طليعة تحقق النهضة والاصلاح الديني كما في اوربا. ولكن خابت تلك الآمال حين انسحب الكثيرون من المعركة". . . وتنكروا علي مبادئهم وزملائهم عندما مدت لهم الصوفية أيديها وارتبطت مصالح زعمائهم معها، شأنهم في ذلك شأن الانتهازيين في كل زمان ومكان. " (ص21) . وظهر تيار يدعو لتأسيس حركة تقوم علي التعاون بين شباب فتي فاهم ونفوذ ديني لا حدود له. ووقف الكثيرون ضد فكرة التعاون مع الزعماء الدينيين، لدرجة أن طالب فريق بعدم قبول الدار التي وهبها احد الزعماء لتكون مقرا للنادي، وكاد ان يفوز.

كان البعض-ومنهم احمد خير- يعملون من اجل قطيعة تامة مع القيادات  الدينية باعتبار ان البون شاسع بين عقليتها ونظرتها للحياة، وبين عقلية الجيل الجديد. لذلك، فان الالتجاء اليها" سلاح ذو حدين ووصولية لا تليق برجال المبادئ واصحاب الرسالات. " (كفاح جيل، ص106) . ولم يدم أمل أن يكون مؤتمر الخريجين هو أداة القطيعة، طويلا. إذ سرعان ما تهافت الخريجون-عدا قلة ضئيلة-واستسلموا لهزيمتهم امام الطائفية، والتي قامت بعملية الخفاض الاكبر والاخطر لانها تزامنت مع النضال الوطني والاستقلال. ولذلك، استطالت آثارها حتي اليوم. فقد رأي الخريجون استحالة تكوين احزابهم المستقلة بدون غطاء طائفي، فتراجعوا صاغرين عن مشروعهم المستنير المصادم للطائفية. واندرجوا في مشروع التواطؤ والتحالف مع الطائفية راضين بخفاض العقل.
الفاعل الثالث هو النظام التعليمي بشقيه الديني والمدني:المعهد العلمي وكلية غردون. فقد ختن هذا النوع من التعليم العقيم مبكرا من خلال الحفظ، والتلقين، والطاعة. ويكفي قول (التيجاني يوسف بشير) في تعليم  المعهد العلمي: 
ولقيت من عنت (الزيود) مشاكلا   وبكيت من (عمرو) ومن اعرابه
وصيحة الشاعر القلق (محمد محمد علي):هذا النحو لا حاجة لنا به (صوت السودان 15/8/1954) وهذه البلاغة لا حاجة لنا  بها (22/8/1954) . وكان التعليم الديني قائم في التأديب والتهذيب علي "الفلقة" وعهد:ليك اللحم ولينا العضم!لذلك، برع  في تخريج شخصيات خانعة وخاضعة ومستكينة وحاقدة بسبب الحرمان والخوف.

أمّا التعليم المدني، فيلخص (المحجوب) التجربة في قوله:-" 48  لقد دخلنا طور التعليم الثاني وكانت البلاد في مرحلة انتقال، وكان ما جد فيها من احداث لا يبعث علي الاطمئنان الي مصيرها – الم يحرم علينا أن نقرأ الصحف والمجلات الادبية، وكم عنت لقينا وكم اصابنا من لغوب ونحن نحاول ان ندس السياسة الاسبوعية والبلاغ الاسبوعي والهلال ووبعض الكتب الادبية. لا لسبب غير أن كلمة سياسة كان معناها في ذلك العهد قراءة الكتب والصحف، لقد كنا نضحك في الم لان لرئيس الطلبة في الكلية مطلق التصرف وان مفتش الداخلية لا يستمع لشكاة احد ما دام قدمه الرئيس وكانت سنته الجلد اولا ثم النظر في القضية". (الحركة الفكرية. . . . . ، ص48) . ويضيف:-" لم يكن التعلم، علي حد تعبير المسئولين يومذاك، سوي اداة لاعداد المادة البشرية الكافية لتدير دولاب العمل في مصالح  الحكومة، لقد اهتم بالكم ولم يدخل الكيف في حسابه ودائرة المحرمات اتسعت حتي شملت كل شئ، فقراءة الكتب لا ينظر اليها بالرضا، وقراءة الصحف محرمة ولا يكاد الطالب يطيل النظر   اليها الا في غفلة من اعين الرقباء".

رغم حملات الخفاض الفرعوني العقلي الشرسة، تظهر شخصيات مثل (عرفات محمد عبدالله) ومجلة (الفجر) ويرفع صوته عاليا ومع ذلك هزم في النهاية لأن المثقفين المختونين خذلوه ولم يقفوا الي جانبه. فتوقفت المجلة ومات هو كمدا، وقد كانت تلك فترة الموت المبكر للمبدعين المتمردين وهو معروفون باسمائهم وادوائهم. يعلن عرفات و"الفجر" بوضوح وحسم ان المعركة مع الرجعية والتخلف لا تعرف التوسط، لأن اصحاب المثل العليا لابد لهم من الكمال في سعيهم لغايتهم وحين يظهرون المهادنة والدفاع فهم يتنازلون. والمجتمع السوداني – حسب رؤية المجددين – ينقسم الى فئة تضم (الشيوخ والكهول وشباباً اليهم في الروح أقرب) وفئة أخرى فيها: (الشباب المتوثب، الظامئة روحه الى المخاطرة، المحل للعمل، والجانح الى الخلق والابتكار ويحدد مهمتها في (هدم ما أصبح لا يتناسب مع الزمن وماهو اكثر صلاحية للبقاء) . ومن الجانب الآخر تخندقت (الرجعية) داخل التقاليد والتاريخ والاخلاق لترد هجوم المجددين مبكراً، لكي تجبرهم على الدفاع وهذا اسلوب متبع حتى الآن، نجح في الحصول على تنازلات من المثقفين المجددين. ويكتب احدهم تحت توقيع رجعي: (كلمات محفوظات من بعض ملحدي الأمم الخارجة على الاديان المتمردة على الاخلاق. والا فأين هي الرجعية التي ضايقتكم الى هذا الحد وماهو الاصلاح الذي شرعتم فيه موقفنا حجرة عثرة في سبيله) ورغم ان ما تقدم كتب بداية الثلاثينيات الا انه من الممكن ان تجد نفس الفكر اليوم في صحيفة سودانية. ويجد عرفات التشجيع من مستنيرين آخرين، اذ يحيى الاستاذ احمد محمد صالح، المجلة، متسائلاً: أم تلك عصا من النور تضئ بها السبيل لقوم طال ليلهم وأحاط بهم الظلام من كل جانب فضلوا الطريق وسار الركب شوطاً بعيداً، وتخلفوا هم عن القافلة وتلفتوا الى الدليل فاعوزهم الدليل؟ ) ويستخدم عرفات في ذلك الوقت نفس المصطلح المعاصر: التنوير الذهني او الرياضة العقلية (عدد 24 أول اغسطس 1935) .        

يقول (ادوارد عطية) عن حق:" لقد كان السودانيون المتعلمون-بحسبانهم طبقة-غير سعيدين فقد ضلت عقولهم وافسدت ارواحهم". (عربي يحكي. . . . . ، ص276) ويلاحظ
(عبدالله الطيب) ضمنيا هذا الخفاض بسبب الاغتراب عن هموم الوطن وقضاياه الحقيقية:"نسبة كبيرة من هذا المجلس يمثلون صنفا يقال له الخريجون وهم أقل أهل القطر انتاجا من حيث هم خريجون واضعفهم انتماء الي جذوره وعرفه، لانهم يمثلون نوعا من برجوازية والقطر اكثره قروى رعوى قبلي مسكين". (الايام13 مايو1989
وهذا يذكرني ببيت (احمد شوقي) في قصيدة كتابي:                    
وكم منجب في تلقي الدروس   تلقي الحياة فلم ينجب      
أو  بالحكمة الشعبية: القلم ما بزيل بلم.

تخوف السودانيون من التعليم المدني الحديث بدوافع متعددة، من بينها خشية التنصير والدخول في حياة المدينة. ويكتب (محمد عمر بشير):-"وكانت  المدنية ترتبط بأذهان سكان القرى بالفساد والعبث". (تطور التعليم في السودان، 1970:82) . ويذكر في نفس الموقع:-"وأطلق أهالي مقرات علي المدرسة الجديدة التي شيدت بالقرب منها في سنقراب:كنيسة سنقراب. " (ص83) . وكان للسودانيين المسلمين موقفا أخلاقيا من التغيير الاجتماعي الذي قد يحدثه التعليم الحديث. وقد عبروا عن هذا الموقف بلغتهم البسيطة، بقولهم:" التعليم بيبوظ الاولاد". وهذا تخوف لم يكن غير مبرر، لأن ظاهرة الشذوذ الجنسي لم تكن غائبة في المجتمع السوداني، طالما عزل المرأة ومنع الاختلاط بين الجنسين. ولكنه من الموضوعات المسكوت عنها. وترد اشارات عن انتشار الظاهرة، بل يروي البعض أن الانحلال الخلقي قبل المهدية بلغ درجة أن رجلا تزوج آخر في احدي المدن. ويحكي عن جمع الخليفة عبدالله اعدادا كبيرة من الشاذين، واودعهم السجن. وتروي الطرف قصة ذلك الشخص منهم الذي سأله الخليفة عن أسمه وكان مطابقا مع أسم الخليفة. فرد سريعا:الأسم سالم!وارتاح الخليفة للرد الذكي، فقال:كلامكم حلو وأفعالكم بطّالة! كما انتشرت الظاهرة بعد الغاء الرق في مطلع القرن الماضي. 
ساعد وجود هذه الظاهرة –ولو بصورة محدودة- في اوساط التعليم الحديث، في عملية الخفاض العقلي بطريقة غير مباشرة. لأن الممارس أو المتهم بهذه الممارسة، يحرم من القدرة والجرأة في ابداء الرأي أو النقد أو المواجهة والصدام. فهو يكون شخصية مترددة وخائفة وغير واثقة. فقد كان نظام الداخليات أقرب الي معسكرات الجيش البريطاني سيئة السمعة. وقد اشتهر الكثيرون من الاساتذة البريطانيين ولاحقا السودانيين المتورطين في علاقات شاذة. ويعرف جيلنا والجيل السابق له، شخصيات اسطورية مثل (مستر يودال) التي جابت شهرة افعاله الآفاق. ورغم هذه السمعة فقد لعب دورا أخر بين الخريجين. وىقول كشة وبخيت:-" تشير بعض الروايات الي ان مستر يودال دعا بعض كبار الخريجين من شباب تلك الفترة الي اجتماع في منزله في مطلع عام1921. وقد فوجئوا بيودال يتحدث لهم لاول مرة حديثا سافرا في السياسة وامام مجموعة كبيرة أي ليس فرديا. وكان الحديث حول مقال في جريدة (التايمز) عن السياسة الانجليزية في السودان وما يجب أن تتجه اليه؟ وكان يركز علي ان يكون السودان للسودانيين وأن السياسة الانجليزية في السودان يجب أن تهدف لاحداث هذا الغرض. "

لم تتوقف الظاهرة بعد خروج الاستعمار، لأن النظام التعليمي لم يحدث فيه تغيير واستمر بنظمه وداخلياته مع انضمام مجموعات من اساتذة مغرمين بتدريس الأدب الخليع من غزليات ونواسيات. وكان هناك من يجهر باتجاهاته المنحرفة. نقرأ في قصيدة ل (ابراهيم محمد عبدالعاطي) ما يلي:
فلست بتارك غزلي وغيي        ولست بعاشق دار القيامة
احب اليّ في الدنيا غلام        رشيق في ملامحه وسامة

لم تكن المناهج التعليمية قادرة علي تكوين عقول نقدية ومشاريع مثقفين وعبثت ايدي الاخوان المسلمين القادمين من مصر بمخطط السيطرة علي التعليم. فقد كنا ندرس-اجباريا-كتاب:"شبهات حول الإسلام"، لمحمد قطب وفي الأدب الإنجليزي :كتاب (Animal Farm) .
احتج  البعض علي هذا النوع من التعليم الذي لا ينتج غير عقل مختون. ولكن الاستعمار لم يكن يريد غير هذا العقل، لذلك تمسك بتسمية الافندية ولم يتسخدموا قط كلمة مثقفين. ويقول عنهم ( ترمنقهام):-" الافندية ليسوا طبقة بل اتجاه\ميول لانه ليس لهم موقع في المشروع الاجتماعي التقليدي (. . . . ) لم يمثل الافندي قطيعة وابتعادا من النظام القائم ولكن الميل أو الاتجاه الثقافي والاقتصادي للحياة قد يقود الي التغيير الاجتماعي. الافندية هم الذين حصلوا علي تعليم حديث وطريقة ملبس غربي وقطعوا مع الحياة الثقافية والاجتماعية. "ولكن يستدرك بأن القطيعة لا تذهب بعيدا لأسباب تتعلق بقدرات العقل. ويواصل:-" تعليمهم تناقضي وليس تكاملي، لقد عرض عقولهم لارتباك سريع الزوال ولكن ترك ارواحهم جوعي. لقد تعلموا كيف يؤدون عملا كتابيا ولكن لم يعلموا كيف يعيشون. " (ص258)
ويقدم هذا التصنيف للافندية أو خريجو الكلية:                    
1.    الرافضون يتحولون الي مسلمين متعصبون.                            
2.    غير مؤمنين سرا متمسكين بالنظام الاجتماعي ولكن لا يلعب الدين دورا كبيرا في حياتهم
3.    الاغلبية هي التي تفصل\وتحتفظ بالاثنين. شخصية منفصمة.               

ويختتم:" لا تذهب علمانية المتعلم بعيدا عند الازمات يظهر تأثير الحوش وسنوات التكوين الاولي الملئية بالغيبيات. مثقف جبان ينقد الماضي في دائرته فقط. (ص259-260) كتاب:الاسلام في السودان- الطبعة الانجليزية.

لم يحاول الافندية القيام بواجب المثقف والمفكر في مجتمع نام ، وذلك بسبب العقل المختون القاصر. ولكن وجد الافندية في الخمر"والقعدات"بسبب ضيق مجالات الترفيه والتجديد خاصة مع انعدام أو قلة المسارح والسينما والاوبرا وصالات العرض والمتاحف، وضآلة اشكال الفنون الابداعية. والاهم من ذلك المجتمع غير مختلط والمرأة توجد في الخيال والاوهام. سادت عزلة الصفوة الا مع تفسها وشللها المغلقة. تحولت اندية الخريجين لاندية الموظفين للعب الورق والتخطيط للقعدات لاحقا، خاصة في الاقاليم. يوم رتيب للعمل خال من الابتكار وملئ بالخبث والتآمر ثم امسيات وليالي اكثر ضجرا لايكسره فرح الانتصار في لعبة كونكان اربعة عشر مثلا. ولنقرأ معا وصف واحد منهم لليل في حياة المثقفين او الافندية، يقول (ابو القاسم عثمان):   

بعد عشرين تقضت هاهمو         رفقة العمر يغذون المسير
في دروب عبث الصمت به        وطواها بالاسى ليل طويل
وهمو في الليل وهم لا يفيق
العظيم الشهم منهم والحقير        والغني الجيب والشيخ الفقير
فكرة تسمو بنا حتي نري            صفحة البدر واشراق العبير
ثم ننحط خوارا أو نهيق
ايها السكران من خمر الهموم        غننا بالليل فالليل نجوم
غننا بالدن أو بنت الكروم        قبل ان تزحف هاتيك الغيوم
قبل ان تنبت ازهار الجفاف
انما الخير  حظوظ ونصيب        وكذاك الشر فالامر عجيب
هكذا نغرق في البحر الرهيب        ثم نطفو مثلما يطفو المشيب
نعشق الفجر كما نهوى المغيب
قد شربناها كويسات زكت            ورقت بالعقل شوطا وسمت
ثم نحصد العمر ندى            سائلا كالدمع من عين بكت
وثوت خلف تخوم العالمين
هكذا ايامنا تأكلنا                هكذا ساعاتنا تشربنا
ثم نشدو انما الدنيا انا            بيد انا ما عرفنا مالنا
لا وما زلنا كبارا عابثين

واخيرا، لم ينقذ التعليم الحديث، بعواره، الافندية من حيرتهم وعبثهم، لتكتمل عملية الخفاض العقلي رغم هذا الكم من الشهادات والملايين التي صرفت عليهم. ولوصرفت علي التركتورات والحاصدات لحققت البلاد نهضة تنموية.
اشتغلت هذه العوامل ضمن بيئة اجتماعية مواتية، تتمثل في مجتمع احتفظ بعلاقات البداوة ولم تستوعبه العلاقات الحضرية رغم الهجرة من الريف الي المدينة. وتميزت العملية الاجتماعية بترييف المدينة والحواضر. وانتشرت في العاصمة ظاهرة نادي ابناء الزومة أو ابناء سكوت المحس. ومن ناحية اخري، طوّر الافندية الاسرة الاستهلاكية بقطبيها: الحبوبة التي تفرض كل الطقوس والتقاليد البالية في التربية، مع زرجة "متعلمة" ولكنها استهلاكية-تفاخرية تشارك بفعالية في خفاض جديد يطال عقل الزوج الافندي.

*****
يبقي سؤال هذا المقال المحوري:
كيف اوصلنا الخفاض الفرعوني لعقل الممثقف السوداني الي حكم الجبهة الاسلامية وقيام الدولة الدينية في القرن الحادي والعشرين؟ وهذا هم الحلقة القادمة.

Hayder Ibrahim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]