عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يشعر السوداني بكثير من الحرج والضيق حين يجد نفسه ينتمي الي وطن واحد، ويحمل نفس الجنسية المشتركة مع هؤلاء العنصريين والدمويين الذي يملأون أجهزة الإعلام ضجيجا وجهلا. ويخشى العاقلون انتشار هذه الروح والمزاج بسبب شحن الاعلام والتعبئة المجنونة. فقد علمنا التاريخ كيف حولت النازية والفاشية، الشعوب الواعية الي كتل جماهيرية تردد الهتافات العنصرية ثم تساق كالقطعان الي الحروب. وتعمل هذه النظم علي تعطيل العقل وإثارة اسوأ في الانسان من غرائز حيوانية تتلذذ بالدم وعذابات الآخرين.وهذا ما يفعله النظام السوداني هذه الأيام. فهو يعود بالشعب السوداني الي العنصرية والي تاريخ تجارة الرقيق التي مازلنا نعمل علي محو عارها ولو شكليا وظاهريا.فقد الغيت تجارة الرقيق في عشرينيات القرن الماضي علي يد الإدارة البريطانية، ولم يقم بذلك السودانيون: من رجال دين أو زعماء قبائل أو أفندية.وهذا سبب الغاء المؤسسة مع استمرار ثقافة الرق إذ مازالت كلمات"عبد" و "عبيد" متداولة بين الشماليين،وللمفارقة حتي بين الشباب والجيل الجديد.ويعمل الحاكمون وابواقهم علي ايقاظ هذه الروح العنصرية التي لم تمت تماما،وتحت شعارات قومية ووطنية تدعي الدفاع عن البلاد.وهي تعمل علي تمزبق ما تبقي من وحدة ونسيج اجتماعي، وكأنها تنفذ المخططات التي تقول أنها تستهدف البلاد بسبب الجهل والشبق للسلطة والكنكشة لحماية الامتيازات.                                                                         
رغم التظاهر وإدعاء التسامح بين السودانيين،إلا أنه في الحقيقة هناك عنصرية نائمة ومتمكنة لعن الله من ايقظها والآن ينشط الإسلامويون لايقاظها بشتي السبل. وكرست العنصرية ثقافيا في اللغة والعلاقات الاجتماعية فمازالت الفاظ العبودية حيّة في مخاطبة النساء والرجال من غير العرب. كما أن التجاور والمصاهرة والتفاعل لم تسقط حدودها الفاصلة.احتفظ بحالة قضائية مفزعة تخص قضية زواج،ورغم أن الاستئناف رفضها الا أن قرار المحكمة الابتدائية يعكس بعض اتجاهات التفكير السائدة. ونقرأ:-" أصدرت محكمة الخرطوم بحري الجزئية دائرة الأحوال الشخصية حكمها في القضية800/1972 في يوم7/8/1972 حضوريا، برفض طلب المطعون ضدها بالإذن بزواجها من مرغوبها (...) وعرضت الدعوى علي محامي والد طالبة الزواج فاجاب أنه يؤسفه أن تتورط بنت من بناتهم في أمر لا يقبله الشرع ولايجيزه ولا يستند علي قانون،إذ أنها تريد أن تتزوج بشخص بعيد كل البعد عن وسطها وعائلتها ومستواها لأنّ في أصله رقا، وهو معروف به كما أنّ له الولاء علي أصوله معروفون به." وأنكرت طالبة الزواج بأن هناك رقا في أصل خطيبها،وأنه علي فرض أنّ في أصله رقا فإنها رأت المساواة بين الأحرار والعبيد. وهنا اثيرت مسألة الكفاءة في الاسلام والتي حصرها المحامي في الدين والحرية والنسب.ثم شهد الشهود الاربع وخلاصة الشهادات: أن الخاطب هو من موالي  .. بجريف نوري، وإن والده وجده وجميع أصوله موالي أسرة....(كتب الاستاذ/أبوبكر سليمان الشيخ،دراسة رصينة وافية عن قرار نقض القضية).                                  
وهذا دليل دامغ علي أن كثيرين لم يغادروا محطة الرق التاريخية ومن بينهم قضاة      شرعيون ومحامون وأسر من الطبقات الوسطي تتعلم بناتها في الجامعات. تساءلت في كتابي: (ـأزمة الأسلام السياسي) عن نسبة التزاوج في عضوية الجبهة الإسلامية بين الجعليين والشايقية وأبناء الجزيرة مقابل "أولاد الغرب" والجنوبيين والمنبتين. لم تغفر لهؤلاء الإسلاميين إسلاميتهم الملتزمة لأن العادات والعرف أقوى من الدين.              
جعل الله كيد الإسلامويين في نحرهم بعد المفاصلة، وقاموا بفضح بعضهم البعض. ففي زيارة (الشيخ حسن الترابي) الأخيرة للقاهرة، فتح باب تبادل الاتهامات بين البشير والترابي واحاديثهم عن "الفروخ"  الاسلاميين. وقال الترابي: " البشير ديكتاتور، وهو الذى كان طوال الوقت يفضل فصل الجنوب ليتفرغ لقمع أبناء شمال السودان المطالبين بالحريات، كما أنه عنصرى، يطلق على الجنوبيين لفظ العبيد، بل إن وزيره لعدة سنوات على الحاج، وهو طبيب من أقصى غرب السودان، كان البشير يطلق عليه الفريخ، ومعناها العبد الصغير وهى كلمة للتحقير. "(ندوة صحيفة:الشروق المصرية 13/8/2011)
وبالطبع لم يسكت سدنة ( البشير) عن ضرب شيخهم اللدود لرئيسهم تحت الحِزام - فكشفوا عن عُنصريته أيضاً حين قال أحد رموزهم وبالنص: :
"ما بين الرئيس البشير وعلي الحاج ما صنع الحداد والاتهامات والاساءات بينهم معروف مُسبباتها وأهدافها - أما عُنصرية حسن الترابي فهي حتى على المُخلصين له من أبناء الغرب فقد قال عندما رفض مصطفى إسماعيل الاستقاله فور المُفاصله
الشهيره: "شوفوا بالله دناءة مصطفى إسماعيل وعدم وفائه - الفرخ محمد الامين خليفه إستقال وهو أبى." (عن عزت السنهوري،في: الراكوبة،1/9/2011)
انطلقت العنصرية هذه الايام من عقالها تحت دعاوى الوطنية والدفاع عن الأرض والعرض. رغم أن الاسلامويين فرطوا في اجزاء عزيزة بل عن ثلث الوطن. والطائرات الصهيونية تعربد علي شواطئ البحر الأحمر،وقبلها ضرب مصنع الشفاء في قلب العاصمة ولم يقطع النظام علاقاته رغم أنه في تلك الآونة كان قد دنا عذابها. واللغة المستخدمة ضد الجنوبين هذه الأيام تدعو للخجل وتثير الاشمئزاز.وأنظر إلي الأدب الرئاسي:-" تعهد رئيس الجمهورية المشير عمر البشير بتحرير الجنوب تماماً من الحركة الشعبية التي وصفها بـ(الحشرة الشعبية لتدمير السودان)، واعتبر تحرير شعب الجنوب من الحركة مسؤولية إخلاقية لحزبه لأنه مكنها "الحركة الشعبية" وساهم في تكوينها وقال:(لذلك علينا تصحيح هذا الخطأ وتحريرشعبنا في الجنوب من هذه الآفة). وأضاف: (نحن قلنا فهموا الدرس وبقوا يعرفوا ولكن طبع الحشرات الغدر والخيانة ) إذ إنهم سرعان ما (انقلبوا) 180درجة ، و(إذا أكرمت اللئيم تمردا).وشدد الرئيس على أن العين بالعين و السن بالسن (والدقة بالدقة) والبادئ أظلم.كما  فطن كثير من المتابعين لرمزية العصا وقصيدة المتنبي في كافور. 
كالعادة سارعت جوقات المطبلاتية للتأسي بأدب الرئيس عوضا عن نصحه. وكانت المزايدة علي لغته العنصرية، فأضاف أحدهم:الحشرة السامة. وعنون المستشار السابق مقاله بجريدة (الصحافة 21/4/2012): شر الدواب...الحركة الشعبية. وختم أحد منظري النظام اسفيريا مقاله بقصيدة مدح لصدام وهذا سوء تقدير فكأنه يتمني لرئيسه نفس المصير،والمهم هو العنصرية المباشرة:-
وللشعر مساحة ( للشهيد صدام حسين)
لا تأسـفن على غـدر الزمـان لطالما رقصت على جثث الأسود كلابا
ولا تحسبن برقصها تعلو على أسيادها، تبقى الأسود أسودٌ والكلاب كلابا
تبقـى الأسـود مخيـفة في أســرها حتى ولو نبحـت عليـها كلابا
وعـبد قـد ينــام على حريـــر ..... وذو نسب مفارشه التــرابا
(سودانايل 22/4/2012) أما الوجه الآخر للعنصرية،فتظهر في تأكيد أننا شعب الله المختار.وهذه نفس أسس الفكرة النوردية التي تبناها الألمان في عشرينيات القرن الماضي وقامت عليها الايديولوجية النازية.نقرأ:_" أكد د. نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهورية، نائب رئيس المؤتمر الوطني استمرار مسيرة الإنقاذ لحين انصلاح الأمر وظهوره كفلق الصبح والشمس في رابعة النهار. وقال لدى مخاطبته حفل تكريم أسر الكوادر الطبية بتنظيم من منظمة الشهيد وجمعية المهن الطبية: نحمد الله أن اختار السودان أرضاً واختار أهل السودان شعباً ليفضلهم على سائر الأمم بأن ترفع فيها راية الجهاد التي هي من مُستلزمات نصر الله ومن مُستلزمات التوبة والأوبة، وزاد: إذا كانت هذه البلد مُصطفاة ومفضلة عند الله بهذا الاختيار، وإذا كان شعب السودان كذلك، فإنّ الشهداء في طليعة هذا التكريم وهُم أفضل من اصطفوا من هذه الأمة، وطالب برعاية أُسرهم.".
لا تكتمل عنصرية الاسلامويين إلا بإضفاء الدين أو قدسنة العنصرية لكسب تأييد البسطاء وتهييجهم. وتحولت الحملة العنصرية سريعا لحرب صليبية جديدة استهلت بحرق الكنائس.وبادرت قوى الحرب الصليبية بالتحرك، حيث طالبت جبهة الدستور الاسلامي بمحو نيفاشا وما ترتب عليها من اتفاقيات بين السودان وجنوب السودان، مؤكدة أن السودان مستهدف من قبل الصهيونية العالمية وامريكا والدوائر الاستعمارية الاروبية.وشددت جبهة الدستور الإسلامي في بيان تحصلت عليه (smc) على مطاردة فلول التمرد واستكمال النصر بإسقاط نظام الحركة الشعبية مؤكدة أن السودان أصبح على أبواب مرحلة وطنية جديدة.وطالبت الجبهة حسب البيان بالغاء اتفاق نيفاشا وما ترتب عليه من آثار وتطهير البلاد من العملاء واشباههم مهنئة القوات المسلحة الباسلة والمجاهدين بالنصر الذي تحقق بتحرير منطقة هجليج، مطالبة بإقامة الدستورالإسلامي وتحكيم شرع الله وإعلاء راية الجهاد
(22/4/2012)
دعا الشيخ عبد الحي يوسف إمام وخطيب مسجد الدوحة، رئيس الجمهورية لمواصلة حملات التعبئة والاستنفار والاستمرار في إعلان الجهاد في سبيل الله؛ حتى بعد تحرير ، هجليج. إن المعركة ليست "هجليجاً" فقط لكنها معركة مع أعداء الله تعالى في الداخل والخارج، مشددا على ضرورة إجلاء الجنوبيين بالسودان الشمالي كافة. وقال إن دعوة البعض لحفظ الود مع الجنوبيين فيه خيانة للدين والوطن، مطالباً بتوقيع عقوبات رادعة ضد الجنوبيين العملاء والجواسيس (21/4/2012)
و يروي أحد الصحفيين هذه الحكاية الموحية:-"
فقد كنتُ في طريقي لأداء صلاة الجمعة يوم الأول من أمس بمسجد في الحاج يوسف (الرَّدميّة) مربع (2) )فوجمتُ  ثم تأكدتُ من أنّ الكلمة (الصّادمة !!) هذه صادرة عن المسجد الذي كنتُ على بُعد خطوات منه فوقفتُ قليلاً ريثما أعي ما يعنيه إمام المسجد المذكور من كلمة (العبيد) هذه عبر مكبرات الصّوت وأدركتُ بعد هنيهة أن الإمام يقصد قادة حكومة دولة جنوب السّودان ويصفهم بأنّهم (عبيد العبيد !!) وليسوا (عبيداً !!) وحسب (صلاح عووضة:الجريدة 22/4/2012)
وفي نفس اليوم تم الاعتداء علي الكنيسة الانجيلية بالجريف غرب ونشرت  مقاطع فيديو توضح انصار محمد عبد الكريم وهم يهتفون ( لا كنيسة بعد اليوم ، لا مسيحية بعد اليوم ) – راجع حريات،يوم 22 ابريل.ويروي (القس مطر) الاحداث قائلا:" انه بحسب نداء محمد عبد الكريم تجمع  ما بين 600 الي 700 شخص في المسجد وتحركوا نحو الكنيسة ، وكانت بينهم جماعات متطرفة."واضاف:" ما حدث لا يصدق ، في المجمع ثلاث كنائس ، تم تدمير اثاثاتها وحرقها ، وهناك مخزن للكتاب المقدس ، اخرجوا منه نسخ الكتاب المقدس ، واضاف بحسرة : تم حرق الكتاب المقدس . وحرقت مدرسة الكتاب المقدس عن بكرة ابيها ، وحرقت الداخليات ، وحرقت الاشجار ، واحضرت جرافات لجرف الاشجار ، وهدم الحائط الشرقي للمبني تماما ، كما هدم جزء كبير من الحائط الجنوبي ."

************

يقول (فولتير) في كتاب بعنوان"مقبرة التعصب"(1767):"إن التعصب هوس ديني فظيع،مرض معد يصيب العقل كالجدري.وهؤلاء المتعصبون قضاة ذوو اعصاب باردة يحكمون بالإعدام علي الإبرياء الذين لم يفكروا بنفس طريقتهم(...)وهم فوق القوانين وليس من قانون إلا من حماسهم وتهورهم.فما الذي يمكن قوله لشخص هو علي يقين من دخول الجنة حين يقتلني أو يقتلك".                                          
ان السودانيين مهددون هذه الأيام بالإصابة بهذا المرض المعدي والهوس الديني. هذا واجب علي الوطنيين والديمقراطيين والاحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وكل القوى الحية؛ مقاومة ومواجهة حملة العودة الي العنصرية والحرب الصليبية التي يقودها النظام الإسلاموي للقفز علي أزماته المستحكمة وترحيلها الي حرب في الجنوب والغرب والنيل الأزرق. معركة السودانيين الحقيقية في الخرطوم ضد العنصرية والفتنة الدينية.المطلوب حملات التوعية والاستنارة وليس الاستنفار والتعبئة العسكرية.يجب الا ينفرد هؤلاء المرضي والمهوسون بعقول شبابنا.هذه مهام اللحظة:لا للظلامية والعنصرية المقيتة.