ssc_sudan@yahoo,com

تري الوجودية أن عظمة الإنسان تكمن في أنه الكائن الوحيد الذي يعلم جيدا أنه ميت لامحالة ومع ذلك يعيش الحياة بكل متعها وعذاباتها،نجاحاتها وخيباتها،ومع ذلك يتصرف وكأنه يعيش أبدا ولن  يموت في أي لحظة.وتبدأ من  الميلاد الذي لم يختره الإنسان ولم يطلبه، معركة بين رؤيتين أو نهجين؛الأول يؤمن بان هذه الحياة تستحق أن تعاش ويجب أن نتركها حين نغادرها في حالة أفضل مما كانت عليه حين جئنا إليها.والثاني، يري في هذه الدنيا متاعا للغرور أو" المتغتي بيها عريان"، او دار فناء تمثل محطة سفر فقط لدار البقاء.
الفئة الأولي تصنع الحياة وتنتجها،والثانية تستهلك الحياة وهي نفسها التي عبر عنها الشاعر(صلاح عبدالصبور) بقوله:
أنا رجعت من بحار الموت دون موت
حين أتاني الموت،  لم يجد لديّ  ما يميته،
وعدت دون موت
أنا الذي أحيا بلا أبعاد
أنا الذي أحيا بلا آماد
أنا الذي أحيا بلا ظل  .. ولا صليب

هؤلاء من نقول عنهم:ليس من مات واستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء.وهؤلاء كثر لا وجود أو أثر لهم إلا في سجلات التعداد السكاني.فهو يثقل الأرض، ويسد فضاءها،ألم يقل الشاعر(حسونة):يمشن القمصان بال ناس)؟وقد يكون هؤلاء من صناعي الموت، سواءا فعليا بقتل الآخرين فيزيقيا أو بجعل حياتهم بائسة وكئيبة بتجفيف وتحريم كل منابع البهجة والفرح علي العالمين.أما علي الضفة الاخري  من الوجود الحي،فهناك من يجهد نفسه ويجتهد ليجعل هذه الدنيا أجمل وأزهر.
يهزم صناع الحياة الموت وهم الخالدون بالمنجز والابداع  الذي تركوه خلفهم،وعلي رأس وسائلهم الفنون،ألم يقل فيهم(محمود درويش) ويقارع نيابة عنهم الموت:
هزمتك يا موت، الفنون  جميعها هزمتك، يا موت الأغاني في بلاد الرافدين، مسلة المصري، مقبرة الفراعنة، النقوش على حجارة معبد هزمتك وانتصرت
وأفلت من كمائنك
الخلود ...
فاصنع بنا واصنع بنفسك ماتريد.
ويمارس – ببراعة –حيلة هزيمة الموت بأكثر من طريقة، فهذه القصيدة تنضم للمسلات،والنقوش،والاغاني الخالدة التي لن يدفنها الزمن ولن يمشي فوقها الدهر بحذائه التتري.أما الحيلة الأقوي فهي أنسنة الموت أي التعاطي معه كإنسان عادي،ويعابثه بأن يطلب منه أن يفعل بنفسه بما يفعل بنا، طالما غافله خلود الفن وهرب من كمائنه ،فهو لم يعد مطلق القدرة لا يأتيه الباطل من أي جهة.اضفي علي الموت صفات ضعف الإنسان،وفي هذه القصيدة نزع الرهبة والغموض والقدرة المطلقة وأنه فعّال لما يريد.ويطلب من الموت أن يكون قدر هويته وصورته:البطش والإحاطة..يخاطبه بثقة رغم أنه عند الحافة، ويجعل منه كائنا عاديا، ولا يظهر له الجزع والاضطراب واللوعة:-
ايها الموت انتظرني خارج الأرض
انتظرني في بلادك، ريثما أنهي
حديثا عابرا مع ما تبقي من حياتي
وهو يرفض الموت الفجاءة أو أن تكون المنايا خبط عشواء من تصب تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم! ليتها كانت هكذا لاستفاد من صدفة الخطأ.ولكن يسعي للموت الجميل النبيل الخالي من الخبث والغدر،موت الشاعر المبدع،الخالق الذي يقتطع من رصيد الموت من الافناء والعدم والمحو:-                             

كن كالحُبِّ عاصفةً على شجر ، ولا
تجلس على العتبات كالشحَّاذ أو جابي
الضرائبِ . لا تكن شُرطيّ سَيْرٍ في
الشوارع . كن قويّاً ، ناصعَ الفولاذ ، واخلَعْ عنك أَقنعةَ
الثعالب . كُنْ فروسياً ، بهياً ، كامل الضربات .

******                                 
يتحايل صانعو الحياة ومحبو الفرح علي الدهر بتعطيل عجلة الزمن رمزيا
ومجازا، بالفصل بين الروح والجسد.تقادم العمر يقربنا من أفق الموت،وهنا نتحدث عن الروح الشابة التي لا ينالها الهرم ولا الضعف.رغم أننا قد نشكو من خذلان الجسد،حيث تكون الروح وثّابة وفوّارة، ولكن الجسد المنهك بجرها الي الأرض.وهذه الروح دائمة الشباب هازمة للموت حقيقة أو وهما.ويبث المتنبي الطمأنينة في صناع الحياة اصحاب النفوس عابرة الزمن والاهوال:
وفي الجسم نفس لا تشيب بشيبه
ولو أن ما في الوجه منه حراب
يغيّر مني الدهر ما شاء غيرها
وابلغ أقصي العمر وهي كعاب

احيانا نريد أن نتصور أن الزمن قد تغير أو شاخ،لذلك عندما نتحدث
عن " الزمن الجميل" ننظر خلفنا ونهرع الي كهف الماضي،ونتمسح بثوب النوستالجيا العاري مثل لباس الفرعون، فهو لا يقينا من عواصف الواقع.ومن الغريب أن يعيدنا المتفائل الأعظم( إيليا أبوماضي)الي الواقع الخشن،منبها الا نقول شاخ الزمان فإنه لا يهرم.
يذهب خيال المحبين للحياة أو الخائفين من الموت بعيدا في تناول الموت ومداعبته كأنهم لن يلتقيا.وهناك حكاية الروائي الروسي الشهير(تولستوي) والذي كان
يقول بأنه مؤمن بحتمية الموت وأن كل نفس ذائقة الموت،وأنه مهما طالت سلامته سيحمل علي آلة حدباء.ورغم هذا اليقين، كان يقول بأن الله صانع المعجزات،والقادر علي فعل كل شئ يمكن أن يمنح شخصا ما الخلود أي يستثنئ فردا ؛ وقد يكون هو هذا الشخص المحظوظ!ولكنه عاش 82 عاما(1828-1910)،وحين قرر ترك الحياة وأن يلج عالم الزهد تاركا الاملاك والعائلة، توفي. لأنه هو الذي كان  يقول يجب أن نحيا حياتنا بأقصى وأعمق ما نستطيع وأن نجعل الدنيا نعيما لأبناء البشر ونتحمل وحدنا المسئولية بدلا من القاءها على قوى غيبية، ولهذا طردته الكنيسة.ومات قبل أن يموت حين ركل الحياة التي أحبها.
تذكرني فكرة الاستثناء حوارا كان يدور دائما مع(العم يونس الدسوقي)وينتهي نفس.تبدأ الونسة بالشعر وتنتهي به،وفي الوسط السياسة :سودانية ومصرية وعربية ودولية.ونكسر رتابة الموضوع بحديث في الفنون واخبار العلوم الجديدة متعمدا أن ألمح بأن المستقبل أفضل والدنيا ليست غزة ودارفور فقط.وأعدد له بعض ما نشر من اكتشافات في الكمبيوتر والأدوية والجراحة .إذ به يرفع شفته اليسري شمالا ويميلها الي
أعلي قليلا،مباغتا بسؤال جاد:-
-    لقو حاجة للموت؟
وابهت وأرد: طبعا لا
يرد سريعا:- مافيش فائدة. وأصل الكلمة عنده ليس سعد زغلول،ولكن التاجر الاغريقي(خريستو)في تندلتي أو كوستي – لا اتذكر،حين يقولون له:ياخواجة بقيت غني.فيرد: موت في فائدة ما في.
ونخرج قليلا عن الموت ولكن (المتنبي) يرجعنا اليه محاولا أن يعيده الي العادية كما حاول(درويش) ويردد عمك(يونس):-

لولا مفارقة الأحباب ما وجدت    لها المنايا إلي أرواحنا سبلا

وكالعادة لابد من الاشتجار خاصة حين أصر علي أن سببا كان من الممكن أن تكون أفضل من سبلا، لو كانت القافية مختلفة، ويزجرني: كملت خمجك كلو كمان داير تصلح المتنبي! ويبدأ الجدل حول المعني.والحقيقة هذه من أفضل حيل الموت،التعود والتجريب وأن تري الموت في الأقربين والاحباء وعندما يأتيك لن يكون غريبا أو مخيفا أو شاذا فقد عرفته في فقد الأحبة.وفي نفس المعني،قال أبوتمام:-

لو جاء مرتاد المنية لم يجد   إلا الفراق علي النفوس دليلا

*******                                   
نجد قمة  الاستهتار بالموت في رواية الكاتب البرتغالي(ساراماغو ) بعنوان"إنقطاعات الموت» تنطلق من فكرة أنه في بلد متخيل، يتوقف الموت فجأة عن حصد الارواح. وانطلاقاً من وضع الخلود العابر هذا،تنقلب الامور رأسا علي عقب وتعم الفوضي ولا يستمتع الناس بنعمة الخلود.ويشرح المؤلف في مقابلة صحفية، يقول: "ـالموت تجارة كبيرة وهذه التجارة ليست نظيفة دائماً، على الرغم من أن ذلك ليس الموضوع الرئيس للرواية، إن اختفى الموت فجأة، وإذا توقف الموت عن حصد الارواح، فإن أناساً كثيرين سيدخلون في حالة من الرعب: مؤسسات دفن الموتى، شركات التأمين، دور العجزة.. وذلك من دون الحديث عن الدولة، التي لن تعرف كيف تدفع المعاشات." والأهم من ذلك اختلال القيم والقوانين:تختفي جرائم القتل،ولايجد الشباب فرصا للعمل فلا أحد يموت أو ينزل المعاش لعدم  وجود سن محددة للعمل،ومشكلة السكن.ويواصل:"من الأفضل التفكير بأن الموت ليس كياناً ولا سيدة تنتظرنا هناك في الخارج، وإنما هو موجود بداخلنا وأن كل واحد يحمله في الداخل وعندما يتفق الجسد والموت، ينتهي كل شيء." ويختم قائلا.
"الأفضل عدم تخيل تلك الشيخوخة المتطرفة والأفضل هو التفكير بأن الموت لا يمثل أي عمل بطولي، وإنما أمر من أكثر الأمور اعتيادية".ففي الرواية يعود الموت،بعد أن كثرت المشاكل، في هيئة إمرأة كما تقوم بارسال إنذار مسبقا يخبر فيه الشخص بموعد قبض روحه.وهنا يسترد الموت هيبته ورعبه.                                       
ومن أمثلة التلاعب بالموت وعدم احترام هيبته، موقف بطل رواية:"الغريب"للكاتب الفرنسي(البير كامو) المدعو(ميرسو)فقد ودّع أمه المتوفاة سريعا،ليذهب مع صديقته   للسينما.
ومن المشاهد التي لا تنسي وترمز لاستمرار الفرح رغم أنف الموت،منظر الفنان(الكحلاوي) عند  ما وقف عند قبر زميله الفنان(ابراهيم الكاشف)ليصدح باغنية:
" وداعا روضتي الغناء". واتذكر وفاة التشكيلي السوري المولد والفلسطيني الهوية(برهان كركوتلي)في المانيا عام2005 حين  طلب أن يشيّع بالدبكة والرقص في المقابر،وقد حدث.
تكثر الحيل والمراوغات قبال الموت،وتتعدد أشكالها وأساليبها.ففي حالات تكون المواجهة غير واردة بل يكفي تعظيم وتمجيد الميت لكي نقول للموت:لم تفعل شيئا فصيدك الذي تفرح به مازال موجودا معنا بأعماله ولم يتغير منه غير قناع ومكان.فقد ظلت المراثي والمناحات تثبّت هذا الخلود والوجود الجديد.وبالتأكيد يفيض غيظ الموت، حين يسمع نائحة تعدد فضائل راحل مؤكدة أن الحجارة تبكيه بينما مآقي الموت جافة:-
تبكيك الجوامع اللاتبنت ضناقيل

لقراية العلم وكلمة  التهليل

ولم يقصّر(شيخ العرب)في تقريع الموت،حين أخبر بموت أحد اصدقائه الاعزاء،حين قال سريعا: أمانه الموت ما اتلوم(رواية د.عبدالسلام نورالدين).

*******     
هذا المقال يقع ضمن حيل التقليل من مرارة الموت التي تعلق في الحلق
مثل طعم الرماد، حين ننطق الكلمة.فقد رحل عنّا دفعة واحدة ثلاثة من أندر نبلاء الوطن العظام:وردي،حميد،نقد.ورغم وقع الحزن المهول علي القلوب،إلا أنه لا خوفا عليهم ولا هم يحزنون.فهم من طلائع هزيمة الموت،ألم يبشرهم(درويش):هزمتك ياموت الفنون جميعها؟ والثلاثة الراحلون فنانون مجيدون كل في مجاله.
وردي فنان النغم والطرب،زرياب بلاد النوبة الذي جاء بصوت ريّان ومترع بالحنان ورقة قوية محيّرة.صوت مصقول ومتمرن كأنه لم يتوقف عن الغناء منذ الأسرة الخامسة والعشرين بعد أن غني في نجوم الغد أمام بيعانخي.وعاش معتزا بنفسه وممتنا للقدر الذي جعل منه غنّاي بكل المعني الايجابي للتروبادور وليس الصائع.يلبس اغلب السودانيين قناعا زائفا للتواضع،ورغم فضائل التواضع إلا أنه في كثير الاحيان مجرد تمثيل مبتدئين.ولأنهم لا يعرفون كيف يكون الاعتزاز بالنفس وتقدير الموهبة الذاتية،رموه بتهمة الغرور والتعالي.ولأنه صادق وسط منافقين طالته تهمة "المساخة" و"البياخة" من الافندية المستظرفين المتملقين.فقد كان ينطبق عليه الشعار الصعب:يقول كما يفكر،ويفعل ما يقول
قبل (وردي)التحدي لأن أدرك أنه جاء في زمان غير الوقت الصوفي
الملائم له،ولكن لم يجزع ولم يتراجع،بل غني بصوت كأجراس الكنائس:-
اتحداك بيك الزمن الجائر                  
وهو الذي أقسم قبل ذلك القسم الغليظ:
وحيات الايام الجائرة وظالمة                  
بالفعل كانت أيامه جائرة وظالمة،ألم يزج به في هذه الايام- هو ومحمد الامين
في السجن؟ ياضياع  وطن يسجن ويجلد الفنانين في الساحات العامة،فهو وطن بلا مستقبل لأنه يقمع الفرح ويجلد الجمال.وأبي جور الزمن إلا أن يرافقه حتي بعد الموت.فقد أصر الجلادون وطاردوه الي المنافي سنوات عدة، ألا أن يتقدموا – وبكل وقاحة والبرود الجيني فيهم- الصلاة علي جثمانه الطاهر.وهذا بالضبط نكد الدنيا عينه أن تري العدو يفرض نفسه صديقا.
أما فنان  الشعر(حميد) فلأنه ايضا يقف يسارا فقد كان من الطبيعي أن يشارك(وردي)في تحدي الزمن الجائر والإيمان الذي لا يتزعزع بالمستقبل.ويقول مالك الحروف ومطوع الكلم:
وين عادك هارب من بكرة
وخطو التاريخ البتقدم
رغما من عنت الايام
والزمن الجهجاه الفاجع
وهو يتمني ويري القادم في موقع آخر:
يغشاك نعاس في ضل رمي
تختاك هضاريب الصعب
كربة ليالي المًظلمة
عكس(حميد)نظريات علم الإجتماع التي تقول بحتمية الهجرة من الريف الي المدينة،ولكنه أبي إلا أن تهاجر اللغة والشعر من المدينة الي الريف.وأجبر أهل المدينة مع كل حذلقتهم وتهكمهم من الريف علي أن يعوجوا ألسنتهم ويكسروا الحروف غير القابلة(وبالمناسبة استطاع وردي بقوة الغنا أن يجعل المكسور منصوبا ولم تحتج احد حتي عبدالله الطيب،فهذا سلطان آخر.فقد ردد –وحفظها الجميع: في مكانا ما مكانك).فقد قال نقاد من السلف أن الكلمات أو بالاصح المعاني ملقاة علي قارعة الطريق ومهمة الشعراء المبدعين أن يحولوها الي خريدة وقصيدة وشعر.ووجد(حميد) الكلمات ملقاة في طين(نوري) فجعل منها درر الكلام والغنا.وكان كلام ساكت فجعل منه كلاما ناطقا بل وكأنه يخرج من مزمار داؤد أو ممزوجا بقيثارة(أورفيوس).التقط
(حميد) الكلمات المهملة ونفخ في روحها بحمولة تعبيرية حلقت بها في سماء شعر جديد ماقاله زول وقد يقوله وراه بشر.ويذكر هذا باسطورة(بيجماليون)التي صارت لاحقا فيلم:سيدتي الجميلة.فقد جعل عالم الصوتيات من الفتاة(الشماشية) سيدة مجتمع مخملي.وهذا ما فعله(حميد)مع الكلمات العامية أو الشايقية،فقد غسل شعرها بالشامبو وقطع أظافرها الطويلة المتسخة وطلاها بالمانكير ورش تحت ابطيها روائح كريستيان ديور،ولم تعد فقط بت العرب النوبية.(جملة اعتراضية:احيانا تبدو لي كل المدن نساءا- وبالمناسبة أري الخرطوم مثل بائعات اللبن القادمات من أطرافها حيث يختبئ جمال فطري غير مذوّق يحتاج فقط الي حمّام وشجر وبعض زهور).ويملك(حميد) سحر أن تحول أنامله كل كلمة من حديد أو صفيح الي ذهب-كما تقول الاسطورة..
سيظل(حميد) يتجدد مع كل قصيدة تغني أو تتلي بعد غيابه،ويكون تموز او ادونيس أو ايزيس أو النعمان، في بلاد لا تعرف الربيع في الاغنيات والقصائد.  
أما الفنان الثالث والذي تهزمه فنونه الموت،فميدانه غير الشعر والموسيقي والغناء ويبدو بعيدا: السياسة.ولكنه في الحقيقة في قلب الفن، أليس نحن الذي نعرّف السياسة بأنها فن الممكن؟فقد أجاد فن الممكن خاصة وهو ينطلق من فلسفة تجمع بين الشئ ونقيضه لتأتي من ذلك بالمركب والذي في حقيقته غير الاثنين.فالمتناقضان لا يتجاوران يتصارعان ويظهر الجديد الذي قد ينكر نسبه لا للشئ ولا نقيضه.وهذه الجموع المتباينة والمتناقضة ليس دليلا علي براقماتية  أو وسطية أو توفيقية-تلفيقية، ولكن دليل دامغ علي اجادة فن الممكن الذي يجمع المتناقضات.ولا أريد أن اعيد ما قلته في(التيجاني الطيب) ولكن جيلهم كان جيل القطيعة الصعبة مع التقليدية والمحافظة والتاريخ الرصاصي الثقل الذي يجذبك الي القاع.تصور أن تعلن شيوعيتك قبل أكثر من نصف في بلد يسمي السودان؟ وفيه حتي الآن من يعالج بالقرآن ومن يدعو الي الاستعانة بالجن المسلم في التنمية وهو  استاذ جامعي وفي الاحصاء.فقد كان مثل ذلك أقرب الي رحلات (كولمبوس)و(ماجلان) واكتشاف القطب الشمالي أو منابع النيل.وقد مرّنه العمل الحزبي علي تمييع قسوة الموت حين مارس عملية الاختفاء وهي بعض من محو الذات أو علي الأقل عدم عيش الحياة العادية والروتينية.هذه حياة موازية تماما وهي تتعب الموت حين يجئ:حاجاته قليلة وليس لديه ما يخاف عليه.            
أمضي(نقد) حياته وكأنه قد استمع لنداء(نيتشة): عش في خطر! وعاش ملاحقا أو معتقلا أو مطرودا من برلمان الطائفية وجراء الهوس الديني.وبالفعل السودان بلاد المتناقضات أو البلاد التي ضحك فيها القدر – كما يقول عنوان كتاب(انتوني مان).أن فيعيش الشيوعيون الزهد والتقشف والعفة بينما يغرق أغلب الإسلامويون في مستنقع الفساد والترف رغم ادعاءاتهم بأن الجنة في انتظارهم.ويصر البعض، بكثير من سوء الأدب علي توزيع: صكوك الغفران، والجثمان مسجي، فيأتي من يتحدث عن ايمان(نقد) وصلاته وصيامه وقيامه،وطلب أن يصلي عليه فلان أو علان.وقد استفزني هذا الحديث لأن صاحبه لا يستطيع أن ينفي أو يثبت. وفي ذلك انتهاك لقدسية الموت وجلال الوضع.فهذه أمور تترك لصاحب وهي من شوؤن الروح:فهي من أمر ربك.ألم يعثروا علي الحديث:-" أن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، و إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النـار حتى ما يكون بينه و بينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنه فيدخلها.

ختاما
الحزن علي النبلاء لابد أن يكون من معدنهم أي نبيلا وفروسيا لا تسكب
فيه الدموع ولا نبدي الجزع ولا الولولة والهلع.الوفلء والتكريم يكون بتحقيق أحلامهم                   وانجاز آمالهم ووعودهم،لكي تقر أرواحهم التي اتعبت الاجسام بسبب المرام العظيم. الم يظل (وردي) يردد:حنبنيهو البنحلم بيه يوماتي..وطن شامخ ديمقراطي!كما كان(حميد)ينتظر:
متين إيد الغبش تتمد
لاقدام... ولاقدام
تتش عين الظلام بالضو
تفرهد شتلة لا هدام
ولافيضا يفوت الحد
أما الفنان الثالث(نقد) فقد ظل حتي بلغ من العمر عتيا،يتوكأ علي عصاه،ثم
يحضر ولا يجد أحدا.
الوصية واضحة:أن نكرمهم بأن نسرع في بناء الوطن الحر الديمقراطي بدءا باسقاط النظام اللقيط –العيب.وهذا شرطه وحدة الشرفاء الوطنين، وقد زاد حزني حين قرأت نصوص النعي المنشورة: تنعي الجبهة ال...ينعي تحالف...ينعي منبر ...ينعي ائتلاف...لماذا هذه القوائم الطويلة من التشرذم؟ وحتام هذا العجز عن الوحدة والعمل معا؟ إن تكريم النبلاءوالوفاء ليس بالتسابق علي كثرة بياناتكم بل بجلوسكم معا والاتفاق علي تشكيل جبهة واحدة- وهذا ما سيفرح(نقد)ويعيده الي فجر الاستقلال،وهي:
الجبهة المعادية للإستعمار...السوداني!

1 –ان للحقيقة اكثر من طريق ومن الخطأ ان نعتقد أن الطريق الي الحقيقة واحد وبقية الطرق ضلال وتيه.