عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(1)                          

لحق هذا الاسبوع د.خليل إبراهيم بالسلف الوطني الصالح الذي وهب حياته لوطنه ومبادئه حتي وصل الي موت يغيظ العدو.فقد مات واقفا ورأسه الي السماء،وليس جالسا في شيراتون الدوحة المترف ليوقع علي اتفاق لا يحقق لشعبه السلام الحقيقي،والتنمية المستقلة،والمحاكمة العادلة لمجرمي الحرب. وهو الآن علي مقعد تاريخ نبلاء السودان الذين افتدوا الوطن: بالروح بالدم،حقيقة وليس هتافا في مظاهرة أو تجمع. فقد انضم للعظماء الذين اوصلتهم وطنيتهم، وصدقهم الفكري قولا وعملا الي حبل المشنقة أو قصف الصواريخ. هو الآن آخر الواصلين لسلسلة الخلود والعظمة الممتدة من الخليفة عبدالله والآف الانصار، وعلي عبداللطيف وصحبه،وود حبوبة وأهله،ومحمود محمد طه، وعبدالخالق محجوب،وصلاح بشري،والشفيع احمد الشيخ،وجوزيف وجون قرنق ورهطهم من الجنود المجهولين ورفقاهم في دارفور وجبال النوبة،وجنوب النيل الأزرق،وكل  الضباط الثوار من علي حامد حتي كرار وبليل ورفاقهم من ابطال28 رمضان؛وغيرهم وغيرهم.هذا الوطن العظيم روى ثراه دم غزير وطاهر،ويستحيل ان يترك لشذاذ الآفاق هؤلاء أن يدنسوه ويزنوا به. فقد اكمل(خليل) دوره الشخصي بفعل القدر،ولكن رسالته الوطنية تستمر حتي يكتمل الدهر نفسه.لذلك لا بكاء ولا عزاء علي (خليل) ولكن كثير من الحزن والاصرار من أجل تحقيق قيم العدل والمساواة –كل بوسائلة وقناعاته. فهذا الشعار-الإسم له دلالاته ورمزيته،لان العدل كلمة تزيد علي المساواة باعطاء حقوق ايجابية ،لذلك تعني تحقيق:الديمقراطية،والحرية،والكرامة الإنسانية مع الخبز الطاهر والكافي والكريم.وتؤكد المساواة حقوق المواطنة الكاملة رفضا لكل أشكال  التمييز العرقي، والديني، والثقافي؛ والتهميش الاقتصادي-الاجتماعي. لذلك،شعار الحركة ليس محدودا بمنطقة،أو بأجل ولا مرحلة بل غاية اختارتها الحركة الوطنية الديمقراطية الديمقراطية السودانية جمعاء منذ عهد الكفاح ضد الاستعمار في نهاية اربعينيات القرن الماضي.ولكن غايات الحركة الوطنية الديمقراطية،تعرضت منذ الاستقلال الي نكسات،وخيانات،وسرقات لاسباب ذاتية وموضوعية.وقد حان وقت التجاوز والمراجعة في مناسبة جليلة ومع وجود حركة سياسية يمكن أن تقبل التحدي.

(2)
تٌخلد ذكرى (خليل) بتأكيد أن حركة (العدل والمساواة) هي جزء اصيل  من هذه الحركة الديمقراطية،وبالتالي عليها التعاون مع كل القوى الوطنية الاخري،وأن تبحث عن اشكال التحالف الفعّالة والمجدية مع هذه القوى بصورة جماعية وفردية:حركات مسلحة،احزاب سياسية، منظمات مجتمع مدني،شخصيات وطنية،طرق صوفية،اتحادات اقليمية.والبداية لهذا تقديم خطاب سياسي جديد واضح وقاطع ضد الجهوية، والعنصرية المضادة.وتنقية الخطاب الحالي من كل ايحاءات الجهوية،والعنصرية المدافعة عن نفسها باستخدام أسلحة العدو الذي يقصد ايقاعها في فخ العنصرية المضادة.وفي هذه يعمل علي عزلها عن حلفائها الحقيقيين لانهم ستقوم بادراجهم ضمن الجلابة أو اولاد البحر.وبتأكيد ذلك علي مستوى الممارسة، والسلوك،والعمل السياسي المشترك،وهذا  الابتعاد عن لغة وتصنيفات مثل اولاد الغرب والجلابة أو اولاد البحر،والزرقة والعرب.ومن هنا تكون أي ميول للدارفوريين للعزلة،وفصل أو تمييز قضاياهم عن قضايا السودان الكبرى؛هو انتصار لخط النظام العنصري والتمييزي،وشق للصف الوطني الديموقراطي . فالصراع سياسي-اقتصادي وما القبلية والجهوية الا أقنعة لاخفاء الاسباب الحقيقية:الفشل التنموي،سوء ادارة التنوع الثقافي،شكلانية الديمقراطية.وهذا الخطاب الجديد المطلوب للحركة يهدف لطمأنة الآخرين،ولاثبات أننا أمام حركة قومية تسعي لجمع السودانين الديمقراطيين جميعهم في منبر موحد علي برنامج الحد الادني.ولا أظن أن الحركة الي جهد يبدأ من البداية الاولي لتقديم وثائق لمثل هذه المبادرة.ففي خطاب (خليل )للجماهير عقب وصوله سلاما من ليبيا،اسس وعناصر لورقة عمل ولاحقا ميثاق تتبناه الحركة وتدعو-بعد الانتهاء من صياغته- القوى الاخري للانطلاق منه. فنحن نقرأ في أحد الاجزاء ما يلي:-                                                      
"حركة العدل و المساواة السودانية حركة قومية تنشد الاصلاح السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي الشامل للوطن كله، و تعمل من أجل إقامة دولة مدنية ديموقراطية عادلة، تكون المواطنة فيها مناط الحقوق و الواجبات، و تقف على مسافة متساوية بين مواطنيها، بغض النظر عن إنتماءاتهم العرقية أو الدينية أو الجغرافية أو ألوانهم أو خياراتهم السياسية. وطن يفتخر بتنوع ثقافاته، و يجهد في تنميتها، و يحارب النزعات الإستعلائية الأحادية العنصرية التي أدت إلى فصل جنوبنا العزيز، و يعمل على تفتيت ما تبقى من الوطن."(خطاب العودة25 سبتمبر2011)
في حالة تبني الحركة هذه المبادرة فهذا لا يتطلب تخليها عن تحالف(كاودا)،
ولا تخلي(المهدي)عن الاجندة الوطنية علي أن يحترم حق الآخرين في اختيار وسائلهم في الكفاح.ولا يقتضي الأمر تراجع(قوى الاجماع الوطني)عن الانتفاضة الشعبية.لابد أن تقوم المبادرة علي أسس جديدة لتشكيل جبهات العمل المشترك.وهذه المرة لابد أن تكون أول فعالية أو نشاط،هو عقد ورشة عمل تناقش سؤال: لماذا فشلت كل تجارب العمل المشترك السابقة بدءا من التجمع الوطني الديمقراطي حتي الجبهات الكثيرة الحالية؟وأن تقدم كل التنظيمات السياسية اوراق نقد ذاتي عن دورها في الفشل.هناك حاجة ماسة لنوع آخر من العمل التمهيدي،علي هامش هذا المؤتمر، له طابع ثقافي- نفسي خاص بنا نحن كبشر تنقصنا صفات أن نكون ديمقراطيين صادقين،نقبل الاختلاف ونحترم بعضنا.فقد لاحظت ميلا واضحا بيننا علي ان نبخس اشياء بعضنا، ولا نذكر بعضنا كثيرا بالخير،ونعاني من النيران الصديقة اكثر من نيران العدو الواضح.لذلك،هناك حاجة ماسة لورشة تضع مدونة اخلاقية أو ميثاق شرف اخلاقي يوجه اسلوب العمل.فالفشل السابق والحالي في العمل المعارض ليس سببه نقصا في البرامج أو الرؤى السياسية أو الايديولوجيات بل هو نقص في الاخلاق والحميميةالانسانية،والصدق،والقدرة علي التضحية والايثار دون انتظار مكافأة مادية أو معنوية .ولابد من تلافي هذا النقص قيل الانحراط في أي عمل لان هذا هو مقتل كل التجارب السابقة،ولم تفشل الا بسبب غياب هذه القيم والاخلاقيات التي يستند عليها أي نضال اصيل وجاد وغير انتهازي.
(3)                               

اتمني ان تكون للحركة الثقة في نفسها وفي قدراتها علي القيام بهذه المبادرة، وهناك
الكثيرون المستعدون لمساعدتها.واعتقد أن من أهم أسباب النجاح والقبول كون المبادرة  قد تجئ من حركة تصنف هامشية.كما انها تجمع بين العمل العسكري والسياسي المدني.وهذا الدور كان يمكن ان تقوم به الحركة الشعبية لتحرير السودان،ولكن بعض الشماليين في الحركة اجهضوا باصرار-ولاسباب ذاتية-توجهات الحركة القومية.والآن هذه مسؤولية حركة العدل والمساواة.ولكي يتحول الحزن علي اغتيال زعيمها الي فعل ايجابي يخلد ذكراه،ويواصل نضالاته لتأكيد أن قضية السودان ودارفور ليست مقصورة علي شخصيات وزعامات ولكنها قضية شعب كامل.                            
هذا هو تعبير الديمقراطيين والمحبين لما يمثله (خليل) عن حزن انساني عميق.
ولا تكتمل الصورة  الا بمعرفة ردود فعل صنّاع الموت واعداء الحياة لاغتيال(خليل).
وفي محادثة صباحية مع والدتي وهي امية وذات اسلام شعبي اصيل، تحدثنا عن الاخبار كالعادة، بادرت:-" عليك الله شوف الحريم الغبيانات ديل عاملات مظاهرة عشان كتل خليل عثمان-هكذا تسميه- الموت كمان فيهو شماتة؟".وقد اراحني عمق التعليق الحكيم وكنت قبلها مصاب بشئ من الغثيان بعد رؤية نساء المؤتمر الوطني في موكب مبتهج يلوحن باغصان النيم باياد مثقلات بالذهب المشغول، ومزينات بآخر" نقشات" الحناء وظلال الدخان أو البخور.ويبدو ان الذهب والحناء صارا من السنة المؤكدة في فقه الانقاذ،فهما يملأن التلفزيون والمجلس الوطني وكل الاجتماعات والمواكب. رغم أن صحيح الدين يقول بأن المرأة تتزيين لزوجها وفي بيتها فقط وليس في مظاهرات تمجيد الموت. ولقد استغربت فعلا لتكوين نساء الانقاذ الطبيعي والنفسي،فالمرأة الطبيعية هي صانعة للحياة والخصوبة والنماء والخلق والجمال.ومن تشوهات الاسلامويين الانقاذيين أن يجعلوا من المرأة كيانا اقرب الي البوم والخراب وعزرائيل.وهذا يفسر لماذا يعيشون مع زوجاتهم وفي نفس الوقت يبحثون عن النساء-النساء في الشاطئ الآخر لواقعهم.كانت المظاهرة دليلا علي اعادة صياغة المرأة السودانية من خلال نساء انابيب انقاذية بالتاكيد لم تلدهن امهات سودانيات عارفات لمعني الحياة والامل كارهات للموت خاصة حين يكون في شكل جريمة اغتيال.المظاهرة عار علي تاريخ المرأة السودانية حين تشمت من الموت.                                   
يأبي رأس الدولة الا ان يكمل معزوفة الابتهاج بصناعة الموت في جريمة كاملة العناصر. فقد وصف(البشير) التآمر والغدر والاغتيال بأنه" قصاص رباني" فالانقاذيون في تجديفهم الديني عينوا لها ربا مع قائمين المستشارين يقوم لهم بالاقتصاص من خصومهم.وهو بالتأكيد يختلف عن رب المسلمين وكل المتدينين،لانه العادل،العليم،الخبير،البصير.ولانه بهذه الصفات: فالعادل لا يقتص من يدعو للعدالة والمساواة؛ولا يمكن الا يكون عالما وبصيرا بحيثيات وأدلة المحكمة الجنائية الدولية.وهذا ما نرفضه في الدولة الدينية ان تقحم الرب أو الله في جرائمها لتعطيها قداسة وحصانة.

(5)
وفي الختام لابد من الاسراع في ازالة النظام وليس اسقاطه،فهو قد سقط منذ زمن،ولكنه ظل متكئا علي عصا سليمان .ولكننا نتردد في الدفع به الي هاويته المستحقة.ونأمل أن تكون البداية بالمبادرة الجديدة.وهذا نظام اسقط نفسه بنفسه ،فعليك أن تقرأ بيانه الاول أي وعوده وتقارن ذلك بالحال الآن.وسقط حين ضحي بعرابه وابيه عام1999 فصار يتيما وبلا رأس أو فكر،واكمل سقوطه بفصل الجنوب.وسقط مع فيديو جلد الفتاة في مكان عام،وسقط حين رد منظره ودرعه (نافع علي نافع) علي تهم محمد حسن في الجامعة، بالاعتقال وليس بتفنيد تهم الفساد علانية، والقائمة تطول كدليل لواقع السقوط الفعلي المتكرر.والمهمة الآن أن نعمل بجدية علي الإزالة الكاملة لركام وبقايا عصبة تحكم.