عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


دأبت لجنة جائزة نوبل علي مفاجأة العرب بما هو سعيد أو محبط. فقد تركز أملهم في جائزة الأدب بالذات المرشح الدائم علي القائمة الشاعر ادونيس. فالعرب لا يطمعون أو يطمحون في/الي جوائز الطب أو العلوم أو حتي الاقتصاد- رحم الله امرءا عرف قدر نفسه. توجه العرب هذا العام،مع توقع ادونيس،الي تخمينات اخري: تكريم ثورات الربيع العربي عموما. وتمثلت المفاجأة في ذهاب الجائزة الي شابة يمنية ذات خلفية إسلامية سياسية مما جعل جائزة هذا العام حافلة بالدلالات.ويمكن القول أن جائزة هذا العام هي جائزة للجائزة نفسه فقد اضافت لها قيما كانت تحتاجها في عصر يصر الكثيرون علي وسمه بصراع الحضارات أو ابلسة الغرب. وادخلت خطابا ولغة شعبوية لم تألفها أذن اللجنة. فلو مرة تسمع من يقول: أهدي الجائزة الي الشعب اليمني والي شباب الثورة،والي الشعوب المتطلعة الي الحرية.ولأول مرة يظهر شخص يهدي قيمة الجائزة المادية الي خزينة دولته الخاوية ليطالب بذلك باسترداد اموال البلاد المنهوبة والمهربة.  كل هذه مواقف جديدة علي الجائزة تبرز تحولا في فكر الجائزة نفسها.فقد جاء في مسببات منح الجائزة للنساء الثلاث:الليبراليتين اللين جونسون سيرليف رئيسة الجمهورية والناشطة لبما غبوي أو جبوي، بالإضافة الي اليمنية توكل كرمان، مايلي:-" بسبب نضالهن لنيل حقوق المرأة والحفاظ علي أمنها ولمشاركتهن الكاملة في العمل السلمي". وبضيف بيان اللجنة:-"أنه لا يمكن تحقيق ديمقراطية وسلام مستقرين في المجتمع إلا إذا حصلت المرأة علي نفس الفرص التي يحصل عليها الرجل لدعم التنمية في مختلف قطاعات المجتمع".
أعطت هذه الجائزة قيمة اضافية لأن اللجنة خرجت عن تقليديتها وفهمها للسلام.فقد ساندت سلمية الثورة المدنية في اليمن،وقد تبدو كلمتا ثورة وسلمية متناقضتين.فهذا سلام آخر لا يعني عدم استخدام السلاح في حل النزاع ولكن اسقاط النظم الدكتاتورية – العسكرية التي جاءت للحكم علي ظهر الدبابات واستمرت في السلطة باستخدام العنف والقمع؛عن طريق اعادة الاعتبار للتظاهر والاعتصامات والاضراب السياسي.ولذلك اعتبرتها (توكل كرمان) انتصارا للثورة من خلال التقدير الذي أبداه المجتمع الدولي لدورها الذي هو تجسيد وامتداد لدور شباب الثورة،ولكل نشطاء الربيع العربي – حسب قولها.وهذا يعني أن اللجنة تخلصت من حذرها في أن يأخذ منح الجائزة لتوكل هذا التفسير والتوظيف ايضا.فقد ظلت (توكل) تؤكد ان الجائزة ادانة لنظام حكم الرئيس اليمني علي عبدالله صالح،واثبات عدم شرعيته.
هناك أبعاد اخري جديدة في منح الجائزة لتوكل المحجبة بنت الأسرة القيادية في
تنظيم الأخوان المسلمين اليمني،وهي نفسها كانت (ولا ادري هل ماتزال؟)عضوا في حزب الإصلاح الإسلامي.ففي هذا رد مؤثر علي  هوس ما يسمي(الاسلاموفوبيا) التي يصر البعض أنها تحكم العلاقة بين المسلمين والغرب.أولا، من الملاحظ ان الاسلامية(توكل) تتحدث عن المجتمع الدولي وليس عن الغرب.وهذا فرق كبير،فهذا المجتمع الذي تشكل في العقود الاخيرة لايصنف حسب دينه ولكن حسب القيم الانسانية التي اصبحت ملكية عامة لكل البشر. وهذه القيم تتركز في حقوق الانسان، والديمقراطية، ووضعية المرأة،والرفاهية،والعدالة الاجتماعية. ثانيا، من الخطأ أو التدليس الحديث عن الغرب كمفهوم أو موصوف إلا إذا تعمدنا وقصدنا سؤ الفهم بإدانة التعبير الجغرافي الذي يسمي غرب أوربا وحولناه الي منطقة حضارية وسياسية واحدة فقد كان في فرنسا ديقول وسارتر في عصر واحد،وانجبت ايطاليا موسولينى وغرامشي، وانتسب لالمانيا هتلر وهابرماس.وقد اعطت اوربا الغربية للعالم المافيا وأطباء بلا حدود ومنظمة العفو الدولية.ثالثا،يطالبنا الغرب من خلال منح الجائزة-ضمنيا- بقبول  الآخر وتفهم تنوعه
فهناك دولة تمنع الحجاب في المدارس والمؤسسات الرسمية،ودولة اخري تعطي أرفع جوائزها لمحجبة. وهذا رسالة تدعو لعدم التعميم وتثبيت نماذج نمطية جامدة للغرب.
من ناحية اخرى،اكملت (توكل) الوجه الآخر لصورة العالم الجديد. وهي الفهم الاسلامي التقدمي الجديد للعصر والتراث.حاول البعض أن يغيظ – بخبث- المعسكر الآخر أو مايسمي بالعلمانيين،بالقول أن الجائزة هذا العام ذهبت الي محجبة واخت مسلمة وكأن هؤلاء ليسوا دعاة سلام وديمقراطية.الاخوان المسلمون هم الآن أكثر الداعين الي دولة مدنية ذات مرجعية اسلامية. هل كانوا ينطقون بمثل هذا الخطاب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. والشباب الذي كان يتحدث عن جاهلية القرن العشرين،هو الذي يسعي للاندماج في عولمة القرن الحادي والعشرين مع احترام خصوصيته,فشباب الاسلاميين ضمن أكثر الناس حبا للكمبيوتر والانترنت ويتدافعون الي كلياتها ومعاهدها.وهنا ايضا الحركات الإسلامية مثل الغرب ليست شيئا واحدا وحتي اكثر تعصبا ورجعية،حين دخلت العمل السياسي العلني، أدركت أنه من المستحيل معاندة التاريخ والوقوف ضد الزمن.ومن المفارقة،أنه وسط فرح (توكل) بالجائزة ينعقد مؤتمر حزبها الاسلامي.ويقف والدها القيادي عبد السلام كرمان ليعتذر عن "قلة أدب" ابنته حين تخاطب السلطة.فهو شديد الاعجاب وقوى التأييد لعلي عبدالله صالح. هذا هو صراع الاجيال في الحركة الإسلامية الواحدة بل داخل البيت الواحد.وهناك في الفكر قانون هام يسمي الجدل أو الجدلية وهو أن ينتج الشئ نقيضه ثم يعيد تركيب هذا النقيض.
حاول الرئيس اليمني – وهو ليس مخلوعا ولا حاكما الآن-أن يلعب،في الايام الاولي، بلؤم ورقة الشرف وحماية المرأة.وتحدث عن الاختلاط بين الرجال والنساء في الميادين حتي اوقات متأخرة في الليل!ولم يكن يهمه الدين ولا قيم المجتمع اليمني ولكن كان هدفه ابعاد النساء – خاصة المحافظات- عن المشاركة.وقد فوجئت حين كنت اسمع الرد من منقبات في التلفزيون،والذي جاء قويا:حجة وصوتا.وقد كنت شديد الدهشة بسبب الصورة المسبقة للمنقبات، فقد كنت قبلها بأيام اسأل أحد الإخوة اليمنيين في ندوة:ماذا ستفعل هذه الكتل السوداء بالحرية؟وكان رده: انتو خلو الحرية تجي اولا بعدين هم بيعرفوا يعملوا ايه؟ وقد صدقت (توكل) حين جيّرت جائزة نوبل لصالح المرأة اليمنية،ومن الواضح أن هذه القضية الاجتماعية قد فتحت في الميادين والشوارع وليس في قاعات المؤتمرات المكيفة.وهذا وضع مختلف للتغيير قد يجعله سريعا وجذريا.
تقدم (توكل) نموذجا لنشطاء المجتمع المدني يرفع عنهم حرج تهمة الصفوية والنخبوية والعزلة عن الجماهير.رمزية الوجود داخل الخيمة لشهور.البعض يتهمها بالغلو والمبالغة في هذا الموقف بالذات،ولكنها قصدت أم لم تقصد، رأبت فيه تطهيرا لنشطاء المجتمع المدني المحاصرين بالاتهامات.ورغم فردية الحالة،إلا أنها تقدم نموذجا يمكن أن يعمم وينتشر.فقد دشنت (توكل) عالما جديدا وشجاعا مليئا بالجديد والمغامرات والوعود وبالفعل يجعل سره في اضعف خلقه.فقد كان الكثيرون يتطلعون الي مصر وتونس ولبنان،وإلي نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي، فيأتي الطلق من توكل واليمن السعيد.