عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

انتهت -عمليا ودستوريا- شرعية نيفاشا التي تدثر بها النظام الحالي، طوال ست سنوات، مع انقضاء الفترة الانتقالية في يوليو/تموز2011. وهذا وضع طبيعي مع زوال المكونات القائمة عليها الدولة،إذ لم يعد الاقليم(الأرض)هو نفسه،ولا الشعب،والأهم من ذلك انتهاء صلاحية الدستور وتغير الحكومة والبرلمان. ولكن قبل ان تقرر القوى السياسية مواجهة الفراغ الدستوري، باغتهم النظام-بطريقة الحواة والسحرة التي يجيدها- بتسمية الفراغ: الجمهورية الثانية، وسارعت أجهزة الإعلام الرسمية بترويج التسمية والفكرة والتي تسربت الي قاموس الجميع بما فيها المعارضة. ودخلنا الي مرحلة دون أي تدشين أو طقوس انتقال تشعرنا بالاختلاف والجدة. ولا أدري لماذا ذكرتني الجمهورية الثانية بظاهرة كانت منتشرة في مصر بين الفقراء وخاصة الموظفين. فقد كان الواحد منهم حين تصير البدلة أو الجاكيت قديمة وباهتة،يذهب بها الي ترزي أو"رفّاي" ويطلب منه ان يقلبها بحيث يصبح القديم في الداخل مخفيا والقماش الداخلي يصبح الواجهة وكأنه جديد لأنه لم يتعرض للشمس والرياح والعوامل الاخري. وهذه الصورة تنطبق تماما علي الجمهورية الثانية، فنحن نعيش "قلبة" الانقاذ لسنوات قادمة .
لكن النظام والذي اكتسب مهارات التمكين لابد له من تذويق الشكل الجديد بحيث يبدو مختلفا في بعض مظاهره عن الجمهورية الأولي. وهذا يعني التجديد في الايديولوجية والوجوه والتسميات، والأهم من ذلك القيادة أو علي الأقل تحول في مراكز القوى والنفوذ.
ونتوقف عند القيادة أو رجل المرحلة ثم الايديولوجية. أولا، برز رجل المرحلة وكان علي عثمان محمد طه، وبالمناسبة -إن لم تخني الذاكرة- كان هو أول من صك هذا المصطلح. فقد كمن(طه) في اللحظات الحرجة،خاصة حين تناوشته سهام أرادت أن تحمّله وزر الانفصال باعتباره عرّاب اتفاقية السلام الشامل. رغم أن بعض هؤلاء رشحوه هو أو البشير مع قرنق لجائزة نوبل للسلام. ولم يدخل المعركة، وهذه ميزة (طه) حسن التوقيت وتقدير الفرصة وقضاء حاجاته بالكتمان. وهنا لابد من مقارنة بين (علي عثمان محمد طه) ومنافسه (نافع علي نافع) فقد حرقه الاتفاق الإطاري باديس أبابا، بينما فوت الاول علي أعدائه فرصة إحياء "فتنة" إثارة موضوع نيفاشا مجددا. يمكن القول بأن (طه) فابي عسكريا-نسبة للقائد الروماني فابيوس الذي كسب كل معاركه دون أن يواجه العدو مرة واحدة. فقد ازاح شيخه (الترابي) دون أن يوقع علي مذكرة العشرة عام1999. ورغم الحديث عن ضرب جناح (طه) بابعاد (صلاح قوش) ونزاعات الشايقية والجعليين،إلا أن عودة (طه)جاءت سريعة ومفاجئة ويحمل ايديولوجية أهملها الآخرون رغم فعاليتها الكامنة في المرحلة القادمة:السلفية.
كفاني (الاستاذ خالد فرح) عناء نسبة (طه)الي الجماعة السلفية أو علي الأقل علاقة خاصة مع السلفيين. فقد نشر مقالا مباشرا تحت هذا العنوان في صحيفة (الرأي العام) يوم 12/8/2011 تعليقا علي حضوره حفل الافطار السنوى لأنصار السنة. وقبل ذلك القى (طه)خطابا سلفيا في رمزيته ودلالاته عاد فيه الي التأسى بالسلف الصالح في استعمال السيف لبتر الاعداء، رغم أن نظامه يمتلك أحدث الأسلحة الفتاكة. بل داء في الانباء أن (جياد) انتجت أول طائرة سودانية بدون طيار. ولكن تفضيل استخدام السيف لغة وفعلا فيه كثير من التأصيل والعودة الي الجذور،خاصة حين يكون في خطبة جماهيرية وليس مكتوبا.تلك الخطبة الحجاجية تمثل (مانيفستو) الجمهورية الثانية معطوفة علي  خطبة الرئيس البشير في القضارف. وقد أكد (طه) علي دينية الدولة أو بلغة أدق:الدولة الدينية النقية التي لا تشوبها عكورة التنوع الثقافي أو الديني.وتعتبر في هذه الحالة الجماعة السلفية الأكثر حرصا علي التطبيق الحرفي للدين وللشريعة الإسلامية. وقد ألمح (طه) إلي أنهم لم يطبقوا الشريعة بالطريقة المطلوبة والواجبة، لسبب معلوم: وجود عقبة الجزء غير المسلم المعطل. والسؤال الهام: هل لم نكن نحكم بشرع الله كل هذه السنين ونحن لا ندري بشرع من نحكم؟ولن تقوم الجمهورية الثانية بعملية مراجعة أو نقد ذاتي فهي براقماتية وتضيق ذرعا بالتنظير والكتابة ولكن تهتم بالنتائج والنجاح والاخفاق.
تحدثنا عن تقديرات (طه) وحذره، فهل مارس هذه الخصال في تحالفه واختياره الجديد والميل للسلفيين؟يمكن القول بأن المنطقة العربية تشهد صعودا واضحا للحركات
السلفية فقد كشف ربيع الديمقراطية العربي عن وجود قوي وانتشار للسلفيين. ويعود ذلك الي أسباب داخلية وخارجية. ومن الاسباب الداخلية تركيز النظم القمعية  علي الجماعات الإسلامية المنظمة والحركية التي تشكل خطرا علي الحكومات. ولم يدخل السلفيون في مواجهات مع الحكام بسبب إدانتهم لفكرة الخروج علي ولي الأمر. فقد كانت لهم حرية نسبية في العمل والحركة. أما السبب الخارجي فهو كون السلفية هي الوجه الآخر لما يسمي ب(الاسلاموفوبيا) والتي تعني الخوف من الاسلام والمسلمين. بينما السلفية هي الخوف علي الإسلام والمسلمين من الغرب. فالسلفية موقف دفاعي تجاه العولمة ومع ازدياد اختراق العولمة للمجتمعات الاسلامية وسقوط الحدود التي تفصلها من منتجات الحضارة الغربية الاستهلاكية، وتدفق المعلومات وسيطرة الانترنت والتكنولوجيا السمعية والبصرية. فهي تمثل للكثيرين فكرا آمنا لأنه لا يثير الاسئلة والشكوك ويرضي بإيمان العجائز ومع تراجع الكثير من الايديولوجيات التي كان يهرع اليها الشباب بحثا عن  اليقين والحقيقة، وجد أغلب الشباب المسلم في السلفية منقذا من الضلال والضياع. وليس غريبا انتشار السلفية في السودان بين الطلاب في كليات الطب والهندسة والعلوم. فهؤلاء طلاب ليس لديهم مشاغل واهتمامات اخري غير التحصيل الدراسي. كما أن المناهج تكتفي بحفظ المعلومات دون أن تخلق عقلا نقديا.
بدأ التمهيد لسلفية الجمهورية الثانية مبكرا،فقد شارك السلفيون في السلطة بعد تردد، واتجهوا نحو وزارة التربية والتعليم ، ولهذا الاختيار دلالة واضحة لما للتعليم من تأثير وقد ظهر أثرهم في المناهج وغياب أي مناشط تربوية أخرى. فاغلب المدارس لم تعد تعرف حصص الرسم والموسيقي والمسرح. ويشتكي الشباب من خواء ثقافي قاتل يفتح المجال للإنحلال والانحراف والسطحية. ويمتد هذا التجريف الثقافي والفني والذوقي الي مجالات عديدة. وفي الآونة الأخيرة تعرض برنامج غنائي عادي يقدم كل عام في رمضان، لحملة كادت توقفه. فهذا استعراض عضلات للسلفية وبعض البروفات.
تخشي سلفية الجمهورية الثانية من دور الإعلام ،لذلك خصها (طه) بهجوم مباشر. فقد وصفها بمصدر الفتنة، رغم أنه سارع بدعوة الإعلاميين لإفطار رمضاني.
السلفية ضد كل أشكال التعدد لأن يقود في رأيها الي الاختلاف في الأراء والافكار مما يهدد وحدة الأمة.. وسيكون الاعلام مستهدفا لوقف حريات الرأي والتعبير، وهي مصدر قلق السلفيين. ورغم محدودية هامش الحرية -الضل الوقف ما زاد- ولكن الصحف السودانية مازالت تحت أحد السيوف الاخري: المصادرة والمنع والمداهمة.
السودان موعود بثيوقراطية-عسكرية، ولا ينفي السلفيون ثيوقراطية دولتهم مثل
الجماعات الإسلامية الأخري خاصة المجددين منهم. ولا يخجلون من وصف دولتهم بالدينية. ستكون الجمهورية الثانية (القلبة) عسكرية الطابع: الأمن والجيش والمليشيات. خاصة وأن (طه) خلال فترة الديمقراطية الثالثة (86-1989) ظل عسكريا في ثياب مدنية. والقانوني الذي يتحدث بلغة السيف، يخيف أكثر من مائة مشير.