عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.


برزت أزمة أبيي مرة اخري الي السطح، وهذه المرة بطريقة أشد تفجرا وخطورة.
وجاءت الاحداث والبلاد علي بعد أيام قليلة من استحقاق تاريخي كبير،هو قيام دولة مستقلة في جنوب السودان. وفي نفس الوقت تتصاعد التطورات الاقليمية ضمن ما يسمي بالربيع العربي، خاصة في ليبيا واليمن وسوريا.فهل جاء دخول الجيش السوداني الي أبيي،أو تصفه الحركة الشعبية بالاحتلال، في الوقت المناسب؟ فقد رأي في الأمر فعلا استباقيا يصرف السودانيين الي أجواء مختلفة تماما ،يكون شعارها: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة!وترفع الاقلام وتجف الصحف،وسوف يقع أي حديث عن الاصلاحات والتحول الديمقراطي،تحت طائلة الخيانة العظمي.فهذه أفعال ومطالب إنصرافية حتي تكون البلاد في حالة حرب والبعض يدفعون دماءهم فداءا للوطن.وهي في حقيقة الأمر مناورات غالية الثمن،وصراع سلطة بادوات اخري. ومهما كانت الدوافع فنحن أمام حدث خطبر سئ التوقيت. فقد تزامن حادث أبيي مع زيارة هامة لمجلس الامن الذي جاء ليناقش مع الخرطوم كثيرا من القضايا الحيوية ،وقد ضم كل الدول دائمة العضوية. ورفض علي عثمان محمد طه نائب رئيس الجمهورية- وهو الوجه الذي تعودت عليه الوفود الاجنبية-بلا عذر. بينما اعتذر علي كرتي وزير الخارجية بدعوي المرض. وفهم الوفد دواعي رد الفعل هذا،وجاء تعليق جاك آرو،السفير الفرنسي ورئيس مجلس الأمن في دورته الحالية:-"آسف،لأنها ضيعت فرصة عظيمة فقدتها الحكومة لتوصيل وجهة نظرها حول الأزمة الراهنة".ويرجع البعض "المقاطعة" السودانية الي عدم إدراج الرئيس البشير في برنامج زيارة الوفد.
يبدو ان النظام السوداني يريد تصعيد أزمة أبيي إلي أقصي مدي ممكن وأن يقلب الطاولة في وجه الجميع- داخليا وخارجيا-وأن يباغتهم حتي يرتب أوراقه بالطريقة التي يريدها.وجاء رد الفعل الامريكي سريعا علي لسان سوزان رايس،مندوب الولايات المتحدة الامريكية:-"إن الانتهاك الواضح للخرطوم لاتفاقية السلام الموقعة عام2005 يجعل الحل ليس فقط لأبيي ولكن لموضوعات اخري معلقة أكثر صعوبة."
(28/5/2011) ويمكن أن يفهم من هذا التصريح أن كل جهود النظام لإرضاء الولايات
المتحدة الامريكية،قد ضاعت هباءا منثورا.فقد كان هم الامريكيين الدائم هو اتفاقية السلام الشامل والتي تقوم عليها "جزرة"العلاقات بين البلدين.وحين يتحدثون عن"الانتهاك الواضح" فقد انهار كل شئ.فهم لا يتحدثون عن عدوان أو تبادل اعتداءات بين الطرفين بل وصلوا مباشرة الي جوهر الاتفاقية لأن اصعب المراحل في الاتفاقية تم إنجازه ووصلنا الي آخر خطوة ولا يحتمل الأمر أي مغامرات واستفزازات.وتدخلت حكومة الجنوب والحركة الشعبية علي الخط ،وطالبا بتدخل مجلس الامن وإنفاذ الفصل السابع في ردع نظام الخرطوم.وهذا ما لم يضعه حزب المؤتمر الوطني الحاكم في حسبانه.
من الواضح أن النظام في الشمال يعمل علي تخريب عملية الانفصال في
الدقائق الاخيرة. ويبدو النظام نادما الآن علي التوقيع في نيفاشا من الاساس. فقد كانت
الضغوط شديدة وتمت محاصرة النظام دوليا. فمن ناحية، لم يكن لا نظام الخرطوم ولا الحركة الشعبية قادرين علي الاستمرار في الحرب. ولكن النظام كان يسعي لرفع سقف مطالبه وان يكون الثمن مجزيا. ولم يضع في اعتباره أن تصل النتيجة للإنفصال رغم أنه لم يقم بأي جهد لجعل الوحدة جاذبة،بل فعل العكس تماما.فقد أمضي سنوات الاتفاقية الست في مناوشات وملاسنات،ولم يكن أيّ من الشريكين علي مستوي المسؤولية.
وأضاعا معا وقتا ثمينا من عمر الشعب السوداني.وقد شرع المؤتمر الوطني الحاكم في تصعيب الامور ووضع المعوقات أمام دولة الجنوب القادمة،بخبث شديد.فهم يعلمون جيدا هشاشة الاوضاع في الجنوب،مستغلين فشل الحركة الشعبية طوال ست سنوات في
احداث تنمية وتطور اقتصادي-اجتماعي في الجنوب.وساعد نظام الخرطوم في حرمان
الجنوبيين من امكانية حكم أنفسهم بكفاءة.فقد ساهم في تفاقم الاوضاع الاقتصادية حين
أوقف القوافل التجارية من الشمال الي الجنوب.وكانت هذه العملية بمثابة حصار اقتصادي،إذ حدث شح واضح في السلع التموينية،علما بأن الجنوب مهدد أصلا بمجاعة
حسب تقارير منظمة الغذاء والزراعة الدولية (الفاو). وقد  تسبب دخول الجيش السوداني الي ابيي في نزوح عشرات الآلاف من المواطنين،وهذا عبء مرهق علي حكومة الجنوب في الوقت الراهن.
فكرت في اتجاه مختلف حين احداثيات الأزمة والزيارة، وتساءلت هل كان كل الذي يحدث الآن حتميا لو ادرنا دولتنا الوطنية المستقلة منذ عام1956 بعقلانية ووطنية؟ خجلت من نفسي حقيقة حين رأيت وفد قبيلة المسيرية يتهادي بزهو أمام وفد مجلس الأمن للتفاوض أو يقدم وجهة نظرهم.أين الدولة القومية التي يفترض فيها صهر كل هذه القبائل في وطن واحد تحت صفة سودانيين؟وبعد55 عاما كيف ينظر لنا العالم ونحن مازلنا مقسمين الي مسيرية ودينكا نقوك،ياله من عار وطني عظيم!ومازالت بعض النخب تعد العالم بأن السودان سوف يقدم له نموذجا لدولة يحتذي بها.وقد كنا نهدد امريكا التي قد دنا عذابها وروسيا إن امكنا!وهذه المسؤولية لا يتحملها النظام الحالي لوحده ولكنه صاحب الصوت الأعلي والادعاءات الكبرى.ولكنه فشل يبدأ من آباء الحركة الوطنية وكل الحكومات المتعاقبة: مدنية وعسكرية، والتي رفعت شعارات اسلامية واشتراكية وليبرالية.وكان من المفترض أن يكون الآن المسيرية والدينكا مجرد ظواهر تاريخيه في سودان جديد،مثل قبائل الهون والقوط والوندال في اوربا قبل نشؤ الدولة الوطنية وصعود البورجوازية.لذلك،فقضية أبيي باطلة لأنها قامت علي باطل وهو تحكيم لاهاي. تصور دولة مستقلة ذات سيادة تسمح لقبيلتين تحت ادارتها وسيادتها بالذهاب الي لاهاي لحل داخلي. فهو ليس خلاف بين دولتين مستقلتين،إنها بدعة في القانون الدولي.ولكن قبل ذلك دليل دامغ علي الفشل والعجز والتنازل عن السيادة الوطنية.
سؤال آخر مرتبط بنجاح الدولة الوطنية.هل يعقل أن تظل بعض القبائل السودانية بعد55 عاما من الاستقلال تترحل بحثا عن الماء والكلاء؟ اين مشاريع الحفائر التي نوقشت في البرلمان الاول ضمن مطالب النواب؟وأين مشاريع محاربة العطش التي وعد بها (اب عاج)؟ كان من الممكن أن تكون مناطق المسيرية بلاد مراعي مستقرة ومروج مثل تلك التي نراها في استراليا وكندا والدنمارك إن لم يكن في السودان من نهبوا طريق الانقاذ الغربي أو من تبلغ حوافزه 165مليون .كانت التنمية هي  الفريضة الغائبة في السودان منذ الاستقلال لذلك مازال المسيرية رحلا.ومن الخطأ الآن أن يظنوا أن عدوهم هو الدينكا بل من خلّفهم عشرات السنين عمدا.وكل الذي يدور الآن هي معارك هامشية،فالسؤال كيف يستطيع المسيرية والدينكا جميعا والزغاوة والفوروالبجا والمناصير معا، بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التي تحل تلقائيا كل مشاكلهم في التخلف والقهر.
//////////////