(1)                                      
هناك مقولة ماركسية هامة، فحواها:"لو كانت الاشياء حقيقة هي كما تبدو لنا، لم يكن هناك داع لظهور العلم". فهذه دعوة للذهاب أبعد من ظاهر الواقع بل الذهاب أبعد الي العمق إلي ما يختفي تحت حجب كثيرة. هذه هي مهمة العلم.

(2)                                             
سبق لي كتابة موضوع عن: الدين والتدين في السودان، وسوف اقتبس بعضا  منه في هذا المقال. فالسؤال مازال يؤرقني : هل السودانيون متدينون ؟ وبالتالي هل النظام الحالي الذي يدعي الدين ويستغله هو المناسب لهم؟ وأثار انتباهي المرونة والبراقماتية التي يتسم دينهم أو تدينهم، حتي بين كبار علمائهم. فقد رفع العلماء مذكرة  تلاها الامين العام لهيئة علماء السودان البروفيسور محمد عثمان صالح الأمين لكافة شرائح المجتمع فرص التعليم . وأمن العلماء على أهمية إتاحة وتشجيع  وتصحيح الاستثمار في التعليم والتركيز على التعليم التقني، وإلغاء المناهج الأجنبية إلى ضعف، مشيرين المخصصات المالية للتعليم، ودعوا إلى إعادة النظر في التعليم المختلط. وانتقدوا انتشار الموسيقى والغناء. وقد أثار عجبي الدعوة الي إلغاء المناهج الاجنبية، فالذي لا يعلمه الكثيرون هو أن الشيخ محمد عثمان محمد صالح، الامين العام لهيئة علماء السودان، حاصل علي الماجستير والدكتوراة من القس مونتقمري واط. وقد اشرت في احدي المرات الي هذه الحقيقة في مقال عن علماء السودان. وذلك، لأن (واط) من أخطر المستشرقين وأكثرهم إثارة للجدل. فقد بدأ حياته قسيسا، وتخصص في اللغة العربية. وعمل مع  مطران الكنيسة الانجلية في القدس بين عامي 43-1946 ثم انضم للمسكونية الاسكتلندية حتي عام 1960. وعمل استاذا للعربية والدراسات الإسلامية بجامعة أدنبرة خلال 1964 حتي 1975. وهي الفترة التي ابتعث اثناءها الدكتور كامل الباقر، الشيخ محمد عثمان وآخرين من الكلية الاسلامية الي ادنبرة وليس الي الأزهر الشريف ولا جامعة الزيتونة ولا المدينة المنورة. وبعد كل هذه السنوات والخبرات، يطالب الشيخ الموقر مع رفاقه في الهيئة بالغاء "المناهج الاجنبية". ومن الطروحات التي كان يرددها (واط) علي طلابه: أن القرآن موحي به إلهيا ولكنه غير منزه أو معصوم من الخطأ.
هذا مثال متطرف لتدين السودانيين يبدأ من الرأس.

(3)
يلاحظ شبه غياب للدراسات الاجتماعية عن الدين في السودان. خاصة وأن الدين والجنس والسياسة هي الثالوث المحرم (التابوهات) في الفكر العربي-الاسلامي. وتطلق الاحكام المعممة علي الواقع الديني السوداني، خاصة حين يحاول البعض توظيف الدين في السياسة. وهنا يفرق الباحثون بين الدين والتدين، الأول عقيدة والثاني ثقافة. فالدين في الإسلام هي مجموعة عقائد تتمثل في: الإيمان بالله والتسليم له، والقيام بما أمر به وأكدته سنة الرسول (ص) . أمّا التدين فالعمل بما جاء به الدين، في العبادات والمعاملات والسلوك اليومي. وهنا يدمج الساسة بين الاثنين في كلمة واحدة هي التدين، باعتبار جمعها –بالضرورة- بين العقيدة والسلوك. وهذا يعني ان الفرد فاهم تماما لمكونات دينه ويعمل وفق اصولها. ويسير القول بأن الشعب السوداني أمة متدينة لذلك لابد أن تحكمه دولة دينية حتي ولو ضم مجموعات غير مسلمة. وهذه هي المأزق التاريخي الذي انتهي بنا الي انفصال الجنوب. وهنا يجب يفرق علماء السياسة بين الدين كأساس للدولة/أو كأداة للدولة. . فهناك ما يسميه الكاتب اللبناني ناصيف نصار:الضرورة الأداتية للدين وليس الضرورة التأسيسية. فالدولة عنده لا تتأسس بطبيعتها علي الدين، وإنما تتأسس علي المجتمع المتعين  والمتشكل في المكان والزمان. فالدولة تنشأ علي أساسها الأصلي وهو الوجود المجتمعي الذي يحتاج بطبيعته الي تنظيم، وهي لا تحتاج الي الدين بطبيعة وجودها ولكنها تستعين به في تأسيس الدولة إذا كانت له سيطرة وهيمنة عامة في تشكيل الثقافة وضبط الروابط الاجتماعية. وفي بعض الاحيان قد يتطابق الانتماء الاجتماعي مع الانتماء الديني، فهذه دولة دينية بحتة تستبعد من المواطنة من لا ينتمون للدين المحدد.           
لا تهتم السوسيولوجيا بدراسة جوهر الظاهرة الدينية بل السلوك الذي تنتحه هذه الظاهرة كونها تستند الي بعض التجارب الخاصة وإلي تصورات وغايات محددة. وعليه، فإن السلوك المعبر  للمتدين هو الذي يهم  الباحث الاجتماعي. وفي هذه الحالة :"لا مجال للتأمل في القيمة الخاصة بالعقائد والنظريات اللاهوتية المتنافسة وبالفلسفات الدينية، ولا حتي في شرعية الايمان بالعالم الآخر بل لدرس السلوك الديني كنشاط انساني  في هذا العالم يتوجه بصورة معبرة وفقا لاهداف عادية.
ليس المقصود اتخاذ موقف من الدين (إنكار أو احتقار، مثل الوضعيين) إنما فهم تأثير السلوك الديني علي بقية النشاطات الاخلاقية والاقتصادية والسياسية أو الفنية، وإدراك الصراعات التي تنشأ عن تباين القيم التي يدعي كل نشاط خدمتها. " (جوليان فروند: سوسيولوجيا ماكس فيبر. ترجمة جورج ابي صالح، بيروت، مركز الانماء العربي (ب. ت. ) ص87)
ويقول (سميث) في كتابه: فهم الاسلام دراسات مختارة: "أن تكون اسلاميا ليس هي طريقة خاصة لكي تكون دينيا ولكن طريقة خاصة أن تكون انسانا أي تعيش في هذه الدنيا. أن توفق بين الديني والدنيوي، الطارئ والدائم، النسبي والمطلق. " (الناشر موتون، لاهاي، 1981، ص16) .

(4)
يعتبر السودان نموذجا جيدا لقوة الثقافات المحلية في احتكاكها مع الدين. ويرجع ذلك الي وجود فجوة دينية وروحية طويلة، فالسودان رغم ظهور الاسلام، قربه-قطع بحر، كان بعيدا عن الدين الجديد رغم تآكل دينه القديم. تقول المصادر:
"وقد زار الرحالة الفارز والذي كان سفيرا مفوضا لدي النجاشي ملك اثيوبيا، المنطقة عام 1520م. وكتب تقريرا جاء فيه:" أن هؤلاء النوبة ليسوا مسلمين ولا يهودا ولا مسيحيين، ويقال أنهم سبق  أن كانو مسيحيين ولكنهم ارتدوا عن دينهم بسبب معاملات رؤسائهم الردئية والآن ليس عندهم دين. " ويقول ان أحد مرافقيه وكان قد زار المنطقة من قبل، ذكر له بعض المعلومات عن اهل هذه البلاد. ويكتب (الفارز) في فصل آخر مستشهدا بافادة رفيقه: "أن في بلاد النوبة مائة وخمسين كنيسة واما الاهالي فليست مسيحيين ولا مسلمين ولا يهودا ولكنهم يرغبون في اعتناق المسيحية وكان من عادتهم بناء الكنائس داخل القصور في جميع انحاء البلاد، وعلي جدران هذه الكنائس صور الصلبان والقديسين والسيدة مريم البتول وكلها رسوم قديمة (. . . . ) وعندما كنت اباشر السفارة في اثيوبيا وصل الي قصر الملك وفد نوبي من ستة رجال التمسوا من الملك أن يوفد اليهم بعض القساوسة والرهبان ليعلموهم مبادئ الدين المسيحي فلم يجب الملك طلبهم وانما افهمهم أن ذلك من اختصاص البطريرك الاسكندري لان اثيوبيا نفسها يعين لها مطران يدعي (ابون) من بلاد المسلمين (مصر) فرجع الوفد الي بلادهم. " (ترمنقهام: الاسلام في السودان، ترجمة فؤاد عكود. القاهرة، 2001، ص83)
يحاول بعض الاسلامويين أسطرة تاريخ الاسلام في السودان أو كتابته بأثر رجعي أي وفق الواقع الحالي. وهذا يعني تحويل التاريخ من علم وحقائق الي ايديولوجية ومبررات سياسية. فهم يقدمون السلطنة الزرقاء أو مملكة الفونج كأول دولة إسلامية في السودان. ولكن الواقع كان يختلف.
فقد اشتملت السلطنة الزرقاء، وفي اسمها دلالات بينة، علي شتات من العناصر،، منها ما هو عربي وحامي وشبه زنجي وخليط لكل هذه العناصر. وقد ابقت هذه المجموعات علي ثقافاتها الاصلية المحلية حين احتكت بالآخر المختلف. وهذا ما اجبر الاسلام الاول أي قبل مجئ العلماء والفقهاء علي التعايش والتسامح مع العادات والتقاليد المحلية، وتكيف مع بعضها رغم تعارضها مع تعاليم الاسلام الاصولية في بعض الاحيان. ويكتب ( مسعد) عن هذه الظاهرة: "ان الدعوة حتي هذا الوقت (اول القرن السادس عشر) لم تكن تهتم بشرح تفاصيل الاسس التي يقوم عليها الاسلام، بل كانت هذه الدعوة مجملة مبسطة ليسهل علي دعاتها نشر عقيدتهم بين اهل البلاد من ناحية، وبسط نفوذهم عليهم من ناحية اخري، لاسيما وأن أؤلئك المهاجرين كانوا من البدو، فظهرت الحاجة الي علماء يتوفرون علي شرح قواعد الاسلام." (الاسلام والنوبة، القاهرة، 1960، ص238) وهذه فترة طويلة من الفراغ الديني الاصولي سمحت لما يسمي بالاسلام الشعبي من ان يتمكن في عقل ووجدان الانسان السوداني لفترة طويلة بسبب بساطته وعمليته.
ويقول احمد بن الحاج أبوعلي: ". . في القرن العاشر الهجري والسادس عشر الميلادي لم تشتهر في تلك البلاد مدرسة علم ولا قرآن. وفي اوائل النصف الثاني من القرن العاشر. في اول ملك الشيخ عجيب المانجلك قدم الشيخ ابراهيم البولاد من مصر الي دارالشايقية، ودرس فيها الفقه، وانتشر علم الفقه في الجزيرة. ثم بعد يسير قدم الشيخ تاج الدين البهاري من بغداد وادخل طريقة الصوفية في دار الفونج. ثم قدم الشيخ التلمساني المغربي الي الشيخ محمد ولد عيسى سوارالدهب وسلكه طريق القوم، ةعلمه علم الكلام وعلوم القرآن من روايات وتجويد ونحوه." (مخطوطة كاتب الشونة تحقيق الشاطر البصيلي عبدالجليل. القاهرة، وزارة الثقافةوالارشاد القومي ص4-5)

(5)                                        
يجد الباحث الملاحظ للحياة اليومية صعوبة كبيرة في إدراج الفرد السوداني المسلم العادي في فئة المتدين بالمعني المتعالي للدين. فالدين يقف عنده في الحد الذي يمكنه من إبعاد الخوف، والعيش باتساق وعدم تناقض مع الطبيعة والآخر. ولكن الدين لا يظهر في رؤية الكثيرين للكون والطبيعة، ويقصر تفكيره عن الإله المجرد ويفضل العلاقة بالوساطة عن طريق الفكي  والولي والنبي. وللمفارقة للسودانيين رغم حاجتهم الروحية للفكي والولي إلا أن نظرتهم ملتبسة تجاههم. فالسوداني حين يقول عن شخص:فلان زول الله ساكت!لا يقصد معنى ايجابيا، بل يقصد أنه  قليل المعرفة والحيلة. وكلمة الفقير أو الفقرا، التي تستخدم لوصف رجال الدين في السودان، والتي يقابلها في أماكن أخري تسمية الفقيه أو الفقي، توحي بقدر من المسكنة. ويقدم (عبدالله الطيب) شرحا جيدا لظاهرة الفقير، يقول:" هذا الفقير ربما نظر إليه بمزيج من احترام واستضعاف: يحترمونه لصلته بالدين والغيبيات، ويستضعفونه لعدم مشاركته في الكسب واعتماده علي الصدقة والهدية؛ وإنه لا يشارك في القتال". (حقيبة الذكريات، 1983:27)
والقتال قيمة اخلاقية عليا  في مجتمع بدوي يثمّن قيم القوة والعنف والعدوان. وتقول شغبة المرغومابية لابنها:                                                           
ياحسين أنا ما أمك وأنت ماك ولدي        بطنك كرشت غي البنات ناسي
ودقنك حمست جلدك خرش ما في        لاك مضروب بالسيف نكمد في
متين ياحسين اشوف لوحك معلق        لا حسين كتل لا حسين مفلق 
لا حسين ركب الفي شاية غلق        قاعد لي زكا ولقط  المحلق
ماشفت ابوك يركب علي المتويري        ينتر هنا وحسه في قوز بري
اما اركب كلس وقل للخيل اندي        اما قعد فكي وود مرتضاك يقري
(الانقيب شاعر الملك   شاطر البصيلي-معالم)

ومن الناحية الأخرى، هناك قيمة ومكانة عليا"للهمباتي" في تلك المجتمعات البدوية رغم إسلامها لانه يمتلك الصفات الاساسية للرجل الأمثل لديهم، وهي:الشجاعة والكرم والمرؤة. وقد عرفت هذه البلاد المسلمة عهد"القيمان" حيث تغير جماعة من قبيلة ما علي قبيلة أخري بغرض السلب والنهب. وقد تحول الي عمل فردي في الهمبتة (شرف الدين الامين عبد السلام:الهمبتة في السودان، الخرطوم، 1983:42-44) .
ولم ينقص هذا من دينهم ووقفت الشريعة/الدين عاجزة عن محاربة هذه الظاهرة من داخل مجتمعها نفسه. وتصل الجرأة والتحدي ببعضهم الي حد بعيد. واطلق عليه احيانا تسمية العلمانية الشعبية" أو "الالحاد الشعبي". فهذا الشاعر يعلن تحديه لأهم أعمدة الإسلام التي بني عليها: الصيام والصلاة، يقول: 
ما بترشرش صايم دوبا
وما فنقس للدايم دوبا
فوق الكرّت حايم دوبا
برضي بهجم النايم دوبا
(الطيب محمد الطيب: دوباي. الخرطوم، هيئة الخرطوم للنشر، 2010، ص56) .

وكان بعضهم يرفض حركات الصلاة-كما في البيت الثاني السابق. وفي السياق ذاته، قال الشاعر مادحا أحد قادة المهدية الذي ابطل الصلاة:                      
جيت لنا بالخير   بطلت لنا الصلاة أم دنقير                    
(نعوم شقير:تاريخ السودان. بيروت، دار الجيل، 1981، ص963)  

وفي مناوشات مع الفكي ورفض التوبة، نقرأ:
ياقميرية اترسلي                                                                                        
والفقير فوق خشمو اصمتى
والكتاب بالريش شتتى
انا لا بصلى ولابصوم شى
ولا بتوب اخرب شبابى

ويقول آخر مكررا نفس الفكرة:    
دوبننا في الهبوب
بشرب الصافي ولا بتوب

ويجاريه آخر:
نشرب سمسكوت في بيوتنا
ونتونس مع بنوتنا
فوق النار بيجض شرموطنا
نحن الجنة وين بتفوتنا

ويذهب الحردلو بعيدا ويدخل في صفقة مثل فاوست مع الشيطان:
بع ليهن شبابي كان يحمدن
ترك ليهن فرض والسنة عمدا
(من اشعار الحردلو جمع واعداد الطاهر عبدالرحيم الخرطوم. جامعة الخرطوم. سلسة دراسات في التراث، 1970، ص27) .
تتكسر خلوة نحن من قرايه
انشاء الله يام خدود ما اغز قلم في دواية

وبمنتهي التسامح يرد الشيخ: لوما داير تقرا فيها مكسرها ليه؟

وكان من العادي حين تلاعب الأم طفلها ان تتمني له أن يصير سفهيا، فهي سمات رجالة.
فهذه الأم "تنطط" وليدها قائلة:
شوفي حلاتو ياام سليم
ماشى الديم يكوس لو خديم
ولسبب ما أرادت أن تتمني له حياة صالحة وتقوى، فعكست الامنية:
الدقداق يا حلاتو
يقنب في خيليواتو
ويططق سبحة صلاتو
في هذا الاثناء سمع  ابوه الكلام الاخير، فعلق: الصلاة حارساهو من اخوالو؟
وببديهة سريعة، غيرت الكلام:
تشيل الخلوة وا موتك
تحضر علبة صعوتك
عند الزين حرس باتو
وقزازة العرقي في اباطو
وتمدح مغنية أحد الفرسان بعفوية، رغم انها ذهبت بعيدا في التجديف دينيا:
سيفه البي سابق القدر (اغنية:الزول عرضو ما ناسي)


(6)                                                     
حاولت المهدية إعادة السودانيين إلي اصول دينهم، فشهدت الحقبة كثيرا من العلمانية الشعبية كوسيلة للمقاومة والرفض. خاصة وإن المهدية منعت بعض مظاهر السلوكية التي تعمقت في شخصية الانسان السوداني، مثل الخمر والتمباك.
وهذه قصة طريفة ذات دلالات عميقة يرويها الكاتب:
"قال الشيخ عبد الحميد موسى مادبو ان بين من سيق مع محمد ابي سلامة ابن عمه حنيطير موسى، وكان حنيطير يكثر من شرب الخمر المريسة. فمنعه الخليفة من تعاطيها والحقه بخلوة لدراسة القرآن مع فتية صغار، ولما انقضى عهد المهدية وعاد حنيطير الي دارالمعاليا انشد:
انا حنيطير راجلا غليظ (كبير السن وضخم)
الخليفة ما يخاف الله يقريني مع العويلة (الصغار)
ويلحقني الم تر كيف (إشارة الي سورة ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل؟)
(موسى المبارك:تاريخ دارفور السياسى. الخرطوم، دار جامعة الخرطوم (ب. ت. ) ص99)
أما موضوع  الخمر فقد كان متأصلا في الثقافة السودانية منذ القدم. ويرجعه بعض الباحثين الي عصور الفراعنة، يكتب احدهم:" كان الجيش يثني علي نصائح الملك وقوته: وعندئذ استلقوا علي بطونهم امام جلالته قائلين: ان أسمك هو الذي يمنحنا القوة ونصيحتك هي مرسى جيشك، وخبزك في بطوننا في كل سبيل سلكناه وجعتك تطفي ظمأنا. " (سليم حسن: مصر القديمة ج11، القاهرة، مهرجان القراءة للجميع، 2001 ص 13)
يقول الاثري بدج ومن الخاصيات التي تلفت النظر في هذا المعبد (في السودان) العمد المرسوم عليها الاله"بس" ونجد نظائرها في"نجع" وفي اماكن اخري في السودان وهذا يحدو بنا للاعتقاد بأن الاله بس كان الها محليا كان يعد اله الفرح والمرح والسرور وهذه كلها سجايا يتصف بها أهل اواسط افريقيا وبلاد السودان. (المصدر السابق، ص240) وميز الاحتفالات الخمور والغناء والرقص.

ويتابع (أبوسليم) الظاهرة في الأزمنة الحديثة، فيكتب:" اثار انتباهي وقع الخمر وخطره في المجتمع النوبي، اذ بالرغم من نفوذ رجال الدين ومقاومتهم الشديدة لتعاطي الخمر باعتباره من الموبقات التي حرمها الدين الاسلامي والتي لا يمكن التسامح ازاءه ومقاومة جماعات اخري كانت تري في سلوك المتعاطين اتجاها للانحلال الديني والخلقي، ظلت مجالس الشرب ظاهرة اجتماعية لها مكانتها في المناسبات الاجتماعية كحفلات الزواج والختان وتشييد السواقي والمنازل فضلا عن الربط بين الاصدقاء وما تتيحه لهم من ساعات البهجة والهناء. وفي مجالس الشرب كان يدور الانس ويتناقش القوم حول مشاكلهم، وكانوا يروون الامثال والاقوال المأثورة. وايضا يتطارحون بشعر كان خاصا بمجالس الشرب من المدح والفخر والهجاء. " ( محمد ابراهيم ابوسليم:خمور النوبة (1) اعداد الخمر. مجلة الدراسات السودانية، العدد الاول، المجلد السابع ديسمبر1982، ص46)
ويواصل رصده الشيق، واقتبسه كاملا: "المعلومات من شمال السكوت قرية سركلتو. خمور النوبة تعد بالتخمير اما التقطير فوافد غريب. ورغم ان الخمور محظورة بشكل ثابت وملح في الاسلام فان القوم – اعني قطاع الشاربين-كانوا ينظرون الي هذا الحظر بقدر كبير من التساهل. وقد ذهب قول بعض ظرفائهم: "البلح بلحنا والموية مويتنا شن حرمه". (يلاحظ ان مفهوم الحرام يتركز عند اخذ حق الغير) مثلا يروى دائما في المجالس للتخفيف من غوائل تعاطي الخمر. ولكن نظرتهم حيال الخمور المستوردة والمقطرة – العرق –تختلف، فهي حرام ورجس. وكثيرون ممن كانوا يتعاطون الخمور التقليدية كانوا لا يقربونها، وبعضهم كان لا يقبل ان يدخل العرقي بيته لاعتبارهم اياه رجسا ونجاسة. وكان الذين يعدون العرقي منبوذين وينظر اليهم المجتمع باشمئزاز وكانوا في الغالب من الغرباء ومن المخنثين وامثالهم عادة. تغير الآن الوضع وصار اعداد العرقي مباحا ويجيد صنعه كثيرون من الشبان وان كان الكبار ورجال الدين ينظرون الي هذا الوافد بعداء ويحملون علي من يعدونه وعلي من يتعاطونه. وبعضهم لا ينفك يرجع الكوارث اليه ويؤكد ان غضب الله قد حل جزاءا علي اعداد العرقي وتعاطيه." (ص47)
ويختم (أبوسليم): "وخمور النوبة التقليدية كانت لا تباع، فهي تعد للمجالس والولائم، اما العرقي فيعد للاستعمال الشخصي وللبيع. . وهذا تطور في مفهوم اعداد الخمر وتعاطيه. . واعداد الخمور التقليدية كان من اختصاص النساء، فالزوجة هي التي تعد الخمر لزوجها واصدقائه. . . وكان من فضائل الزوجة الناجحة أن تجيد اعداد الخمر، وكانت المقتدرة تنال من الثناء فيما كان يقال من الشعر في مجالس الشرب مثلها مثل عظيمات النساء اللائي كان يفتخر بهن الآباء والاخوان في هذه المجالس. اما اعداد العرقي فيتم علي ايدي الرجال، اذ لا تجوز ان تقوم به الحرة ذات المكانة.
خمور النوبة التقليدية هي:الدكاي والمريسة والنبيت وهي خمور مسكرة والفقيرية وهي غير مسكرة. والدكاي اشهر انواع خمورهم واكثرها انتشارا وشعبية نظرا لسهولة صناعته وامكانية اعداده في كل وقت وهو يعد ويشرب طوال السنة، وذلك بخلاف المريسة والنبيت (المريسة صيفا والنبيت شتاء) خير مواسم الدكاي الشتاء لان تخميره يتم ببطء، كما يقولون يكون"رأسه تقيلا" فياخذ وقتا اطول وتكون نكهته قوية، اي ان التخمير البطئ يعد من ضرورات الدكاي الجيد. عندما تلعب الكؤوس بالرؤوس ينصرف القوم الي غناء خاص يعتز المرء فيه بنسبه ومفاخر اهله وكرمه هو ومفاخره وبناته وقريباته ثم الجرة التي يسرت تلك السعادة. " (ص48-49) 
الفقيرية:شراب الفقرا تسمي البقانية ايضا:البلح والماء وكمية من الزريعة واحيانا الجنزبيل. بعد يوم او يومين يعصر المشروب ويصفي ثم يشرب. واذا زاد الوقت اكثر من اللازم اصبحت الفقيرية مرة ومسكرة. ويتهم بعض الفقراء بتناولها بعد ان تكون مسكرة طلبا للمزاح وسترا  للحال. وبعضهم كان يتهم بتناول الدكاي والنبيت بحجة انه يتناول الفقيرية. " (ص55) 
وقد رفد (الطيب محمد الطيب) المكتبة السودانية بدراسة اثنوغرافية رائعة تحت عنوان:الانداية. وقد أبرزت الجوانب الاجتماعية والثقافية لتعاطي الخمر.

(7)
هذه محاولة متواضعة في علم اجتماع الدين رغم المحرمات في هذا الميدان مما أجبر الكثيرين علي الابتعاد وتجنب الكتابة والبحث دراءا للمشكلات.


ويأتي هذا الموقف السلبي والخائف، بينما يكاد المجتمع والدولة في العالم العربي-الاسلامي، أن يتحولا الي مؤسسات ثيوقراطية. فالدين يملأ كل الفضاءات في العالم العربي -الاسلامي. لذلك، من المفترض أن يسود أحد احتمالين، الأول هو أن يقفز السؤال الديني الي اولويات علماء الاجتماع اذا ارادوا فهم مجتمعاتهم. خاصة بعد أن اصبح المفتين والدعاة يتقدمون لقيادة هذه المجتمات كنخبة جديدة و"طليعة"يثق فيها الناس العاديون ويمكن أن تقودهم وتوجههم كما تريد. وفي كثير من الاحيان ازاح المفتي، عالم الاجتماع من موقعه، وصار يجيب عن الاسئلة التي تخصص فيها عالم الاجتماع. والاحتمال الثاني، هو أن يخضع علماء الاجتماع والمثقفون عموما، للابتزاز والتخويف والارهاب الفكري. وللأسف نجح الاحتمال الاخير. وكانت النتيجة أننا نعيش الاجواء المظلمة والمتراجعة الحالية. حيث انحسر دور المثقف النقدي الحديث وتراجع التفكير العلماني  ليحل مكانه التدين البدوي والنفطي، وهكذا تشهد  المجتمعات ما اصطلح علي تسميته: الارتداد التحديثي (عبدالعزيز الصاوى) . ولكن هذا الوضع يفترض ان يطرح الاسئلة المضادة، ويحمل علماء الاجتماع مسؤوليتهم المعهودة في انتاج فكر النقد والتغيير. فما هو دور الدين في المجتمعات العربية المعاصرة وكيف حدث هذا "التضخم" الديني؟ فقد كان للدين – باستمرار- وظائفه المتعددة والمتفاوتة التأثير في حركة المجتمعات العربية. ولكن علي الاجتماعيين العرب اهتمام بتوظيفات الدين الحالية، حيث امتد الي كل مجالات الحياة. وهناك جوانب سلبية خطيرة واكبت التوظيف الكثيف للدين في علاقات التعايش السلمي. فقد برزت الطائفية الدينية وغياب التسامح الديني، مما يجعل علاقات الصراع والتوتر والاقصاء والتهميش هي السائدة.        
هامش: المصدر الرئيس لكثير من الأشعار الواردة هي من الوالدة فاطنة بت احمد، مما يؤكد مقولة أن أمثالها مكتبات حية.

Hayder Ibrahim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]