حيدر ابراهيم علي
مركز الدراسات السودانية
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
يبدو السودان وكأنه شئ أقرب الي الوهم أو المتخيل أو اليوتبيا أو هرم من الكلمات أو قصيدة حماسة أو اعجاب بالذات (من غيرنا..) أو عاطفة طفولية حزينة. ولكن يمكن القول بلا كبير مبالغة، أن السودان الذي في خاطرنا لم يوجد ابدا؛واخشي الا يوجد في المستقبل.فنحن لا نعثر علي السودان الذي يمثل حضارة واحدة شاملة وجامعة في التاريخ، ولا علي دولة سودانية مركزية قوية قابضة علي قلبه واطرافه. وكذلك افتقد القومية المهيمنة، عدا متراكمات قبلية يطلق عليها خصومهم السياسيون بلا دقة مفاهيمية أو نظرية صفة المركز المسيطر أو المهمش! وقد مر السودان بالتجارب التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي ساعدت في تحويل كثير من الكيانات والتجمعات البشرية الي تكوينات وتنظيمات أرقي سياسيا واجتماعيا. ولكن السودان ظل بسبب عوامل ذاتية وموضوعية، راكدا أو مقاوما للتغيير، أو علي الاقل بطئ الاستجابة.وقد نرجع ذلك الي عدم الوحدة في الحضارة والدولة والقومية. ولكن يظل السؤال قائما من وجه آخر:- ولماذا لم يتوحد أصلا لكي ينجز الاستحقاقات الاخري ؟ ومن الملاحظ أن مثل هذه الاسئلة لم تشغل بال المؤرخين ثم السياسيين والاجتماعيين. فقد غلب التاريخ السردي للاحداث علي تاريخ التحليل،والتاريخ السياسي علي التاريخ الاجتماعي. وقد يكون هذا من اسباب عدم تعلم السودانيين من التاريخ، والذي ظل يعيد نفسه حتي بلغ بنا شكل المأساة التي نعيشها الآن.
يكاد السودان أن يكون بلد التناقضات والمفارقات القاتلة. فالبلد الذي يرشح لكي يكون سلة غذاء للعالم، تضربه المجاعات المتتالية. والقطر الذي يشقه واحد من أعظم أنهر العالم،بالاضافة لكثير من الانهر الصغيرة والامطار الاستوائية في بعض مناطقه، تموت جماعات كبيرة في غربه عطشا. والقطر المبادر في التعددية السياسية والنظام البرلماني المبكر،وقد توقع الكثيرون ان يكون نموذجا للديمقراطية في افريقيا والعالم العربي. ولكن السوداني يأبي الا أن يكون موطنا لدائرة شريرة من الانقلابات العسكرية المتتالية وان يرزح أكثر من اثنين واربعين عاما منذ الاستقلال عام1956 حتي حكومات شمولية. والبلد الذي تنبأ له المؤرخ الشهير ارنولد توينبي، أن يكون هو ونيجيريا ملتقي الثقافات والاديان والاعراق في افريقيا، أبي الا أن يكون مشعل الحروب والنزاعات الداخلية، وصاحب سجل أطول حرب أهلية في العالم.
ظل السودان بلد الفرص الضائعة، وضاقت امكانية الخروج من النفق المظلم، وتعددت مرات الرسوب في اختبارات الدهر حتي صار اسمها الابتلاءات في زمن آخر مدقع. ويواصل السودانيون لامبالاتهم علي كل المستويات، وكان عقلاؤهم وعقولهم هم الاكثر استهتاراً. واضاعوا البوصلة تماما، وتركوا منطق الريح والطير هو الذي يسيّر سفينتهم، ولكن نحو المجهول. وصحيح ان السمكة تفسد من رأسها، وباتت الناس لا سراة لها في كل الحقب والنظم الحاكمة :- المدنية والعسكرية.  
التاريخ البعيد... للتوسع والشتات
تعددت تسميات الكيان الحالي الذي اكتسب اسم السودان متأخرا. وهذا التعدد في التسميات، في التسميات يعكس في واقع الامر اختلافا في المدركات والتصورات لهذا الكيان خلال حركة تاريخ المنطقة. فقد أطلق قدماء المصريين والرحالة كثيرا من الاسماء علي البلاد الواقعة في الحدود الجنوبية لمصر. وكانت اقدم الاشارات الي هذه البلاد تطلق عليها اسم :-" تا – ستي" وتعني أرض القوس، ومن المعروف ان النوبيين اشتهروا بمهارتهم في رمي السهام.ولذلك وصفهم العرب – لاحقا – رماة الحدق. وكان هذا الاسم يطلق علي البلاد الممتدة من ادفو جنوبا الي ما بعد الشلال الاول. واطلق اسم"تا نحسي" ويعني" أرض السود" وقصد به سكان البلاد جنوب الشلال واحيانا قد يقصد به عامة البلاد الاجنبية.
وتعني كلمة "نحس" البني الداكن، وهي مثل اسم "اثيوبيا" الذي اطلقه الاغريق ويعني "الوجه المحروق". ويقول رياض وعبدالرسول بأنه قد ظهر اسم "واوات" والذي اطلق علي شمال النوبة. كذلك"كيش" أو "كياس"(عصر سيزوستريس) و"كاشا" و"كاشو" و"كاسو"(كما ورد في الواح تل العمارنة) واطلقت علي منطقة الشلال الثاني. واخيرا أصبحت "كوش" التسمية العامة للنوبة الجنوبية.(1)
حرمت بلاد النوبة من الاستقرار وبناء دولة وحضارة مستقلة بسبب وجود جار متفوق في قوته وفي نفس الوقت يخشي الخطر القادم من الجنوب. وكان من أهم أسس السياسة الخارجية والاستراتيجية – حسب لغتنا المعاصرة – للاسر الفرعونية الحاكمة تأمين الحدود الجنوبية. فقد كانت الحدود الجنوبية في حالة سيولة مستمرة خلافا للحدود الشمالية (البحر الابيض المتوسط) أو الغربية (الصحراء والبحر الاحمر). وكانت حالة الفوضي في الجنوب وغياب السلطة المركزية في اغلب الاحيان، يسبب ازعاجا للدولة المصرية، مما يتطلب اخضاع ذلك الجزء الهام من المنطقة. وكانت النتيجة افتقاد بلاد النوبة للكثافة السكانية المستقرة والمنتجة للحضارة. اذ لم تتوقف الحملات العسكرية والغارات التأديبية ورحلات الاسترقاق ضد بلاد النوبة خلال التاريخ القديم.
تشير الوثائق الي أن الاحوال كانت مستقرة في بلاد النوبة خلال حضارة المجموعة الاولي والتي نشأت في الفترة من حوالي 3200 ق.م. حتي 2800 ق.م.، وعاصرت الاسر من الاولي حتي الثالثة (الدولة القديمة). ولكن في عهد الملك" خع- سخم" أواخر زمن الاسرة الثانية، تم ارسال حملة قوية الي بلاد النوبة. ويعتقد بعض المؤرخين الي الاسباب قد تعود الي أن اهل حضارة المجموعة الاولي حاولوا التوغل في حدود الدولة المصرية الجنوبية تحت ضغط هجرات جديدة عليهم من مجموعات اخري، أو لسؤ  الاحوال الطبيعية. ويبدو أن هذه الحملات قد قضت علي ازدهار حضارة المجموعة الاولي.(2)
وفي مصادر أخري، كانت أول حملة رسمبة تاريخية علي بلاد النوبة، في عهد الملك "سنفرو" مؤسس الاسرة الرابعة. وقد وردت تفاصيلها في حجر بالرمو(حوالي عام2900ق.م.)، بان الحملة تمكنت من تخريب البلاد، واحضار سبعة ألف أسير من الرجال والنساء، ومائتي الف رأس من الماشية الصغيرة والكبيرة. واعتيرها البعض الضربة القاضية علي بقايا حضارة النوبة في ذلك العصر. وأصبح الطريق نحو الجنوب مفتوحا وآمنا للمصريين، فقد وجد النوبيون أنه من الافضل لهم التعايش مع جارهم القوي سلميا. ومع انتعاش التجارة، قامت مصر بمراقبة وحراسة وتأمين الحدود بشتي الوسائل الممكنة.
مع صعود اسر قوية ابتداءا من الاسرة الحادية عشر، برزت فكرة السيطرة المباشرة علي بلاد النوبة. وقد اهتم امنمحات الاول بمد نفوذه الي تلك المناطق، وقد جاء في التعاليم التي تنسب اليه:-" قد أذللت السود، واصطدت التماسيح وقهرت أهل واوات وأسرت قوم المزوي ".(3) وبعد وفاته عام1970 ق.م. واصل ابنه سنوسرت الاول فتوحه لبلاد النوبة وتوغلت جيوشه حتي وصلت بلاد "كوش". وتدل الشواهد علي الافراط في استعمال العنف ضد النوبيين، اذ نقرأ في نقوشه ما يلي:- "ان كل نوبي سيدفع الجزية بمثابة خادم.. وعلي كل نوبي أن يسير سيرا حسنا في تقديم محصولاته لمصر."(4)
ولم تصلنا أي شواهد علي تبادل تجاري فمن الواضح أن النوبة خضعت مباشرة للسيطرة المصرية. وقد حاول النوبيون في بعض الاحيان استغلال أي وهن يصيب الدولة في مصر. لذلك كانت تسير ضدهم الحملات العسكرية. وقد قام سنوسرت الثالث بحروب كبيرة ضد النوبة وأرسل أربع حملات عظيمة. عرفت فترة ملوك الدولة الوسطي بناء الحاميات والحصون والمعاقل في جهات عدة داخل بلاد النوبة. وهذا مما يفسر قلة الحاجة الي ارسال حملات من المركز. واستغل النوبيون فترة غزو الهكسوس لمصر للتمرد عليها، ولكن مع طرد الهكسوس(حوالي عام1600 ق.م.) ثم قيام الدولة الحديثة(1580 – 1150 ق.م.)، حاول المصريون استرداد نفوذهم المفقود في النوبة. واعتبرت حملات تحتمس الاول (1530 -1520 ق.م.) جنوبا هي بداية بناء الامبراطورية المصرية في افريقيا. وهيمن فراعنة الدولة الحديثة علي بلاد النوبة من خلال تعيين ما سمي:-نائب الملك، علي بلاد النوبة. وفرضت جزية علي النوبة ثقيلة من الذهب والمحاصيل والمصنوعات اليدوية. ومن ناحية اخري، نلاحظ علي العلاقة أنها أخذت اشكالا متعددة:-" عندما أصبحت بلاد السودان جزءا لا يتجزأ من مصر في عهد الدولة الحديثة، أخذ الفراعنة يسوقون اعدادا غفيرة من هؤلاء النوبيين الي مصر، ويستغلون الرجال منهم في زرع الارض وغسل الذهب. أما النساء فكن يعملن غازلات أو ناسجات."(5) وعرفت بعض الفترات عمليات تمصير للنوبيين بالذات لابناء الامراء والاسر الحاكمة. فقد كان يتم الاحتفاظ بهم في البلاط الفرعوني ويربون بطريقة مصرية كاملة. بالاضافة الي انتشار العبادات والمعابد المصرية في بلاد النوبة.
عرف السودان ما يمكن اعتباره دولته الوطنية الاولي في شكل مملكة نبتة أو نباتا، الواقعة أسفل الشلال الرابع، في حوالي(751-656 ق.م.). ولكن هذه الدولة لم تعرف الاستقرار لاسباب معكوسة عن السابق، فقد كانت عرضة للغزوات والحملات وانقلبت لتصبح غازية ومهاجمة. والنتيجة في الحالتين واحدة:- غياب سكان مستقرين ومتزايدين ولهم كثافة سكانية تخلق العمران من زراعة ومعمار ودولة وادارة. فقد تطلع ملوكها، واشهرهم: بعنخي، شبتاكا، طهراقا وتاتون آمون، باستمرار الي الشمال.
وكانت نتيجة ذلك دخولهم في معارك مع اعداء أقوياء مما استنزف قدراتهم وقلل اهتمامهم بالداخل.فقد تعرضت مصر اثناء حكم النوبيين، والذين عقدوا تحالفات مع دويلات الشام وفلسطين، الي غزوات متتالية من الآشوريين. وكان الصراع سجالا بين الدولتين في احيان كثيرة. ولكن الملك آشوربانيبال فتح طيبة عام 666 ق.م. والتي غادرها طهراقا الي نبتة. واخيرا، قاد بساماتك الثاني حملة ضد مملكة نبتة عام 591 ق.م. وانتهت بتحطيم مدينة نبتة العاصمة.
ويري البعض أن نبته دولة قائمة علي الدين،ويقول أحد المصادر:-" وكان الاتصال الدائم بين كهنة آمون في جبل برقل (البركل) وكهنة آمون في طيبة أثره الفعال في تكوين قوة الاسرة 25 في نباتا وتوطيد ارطان حكمها، ولذا ادركت هذه الأسرة أهمية قوة آمون وأوقافه فاخذوا في تعيين الهيئة الكهنوتية من كوش وكانت أول خطوة تجاه ذلك بأن عهد "كشاتا"ابنته العذراء "أمون رديس" الي شبتن حتي تصبح الزوجة الالهية للاله آمون بعد ذلك، وتنطلق قوة كوش خلال المقاطعات المصرية. اذن فقد كان ضمن برنامج هذه الأسرة السياسية للسيطرة الكاملة علي الوظائف الكهنوتية للاله آمون في كل من كوش وطيبة."(6) وبهذا تبلورت علاقة هؤلاء الملوك بالدين المصري ويظهر نشاطهم في اقامة وتشييد المباني الدينية. اعتبر معبد آمون في البركل مستقرا ثانيا للمعبود آمون بعد معبد الكرنك في طيبة. كما بني طهراقا معبدا في جبل البركل كرسه لعبادة الالهة حتحور، التي كانت ترمز الي الامومة والحنان والرحمة.(7)
 (نواصل)