لاحت في الافق السياسي الداكن، خلال الفترة القصيرة الماضية علامات استيقاظ مبشرة في الساحة السياسية قد تكسر حقبة الركود والتية والحيرة التي تعيشها البلاد منذ ما قبل انتخابات ابريل الماضي.وقد بدأ الحراك بتكوين السيد علي محمود حسنين "جبهة وطنية عريضة معارضة" في لندن.وفي نفس الوقت تداعت قوى معارضة في الداخل في الاسبوع الثالث من اغسطس الماضي الي سلسة من الاجتماعات بقصد الاعداد لمؤتمر شامل يضم قوى المعارضة.وتشكلت أربع لجان،قسمت العمل في محاور محددة تهتم بالقضايا الهامة والملحة.وقد وزعت اللجان علي الاحزاب المختلفة،وهي:لجنة الاستفتاء ومطلوبات الوحدة الجاذبة،الحل الشامل لقضية دارفور،المسألة الاقتصادية والأزمة المعيشية،ثم لجنة الحريات والتحول الديمقراطي.ويصف البيان الاخير العمل بقوله:-"وقد تميزت الاجتماعات بالحماس والجدية واصرار الكل علي انجاز هذا العمل بأسرع ما يمكن لضيق الوقت وعظم التحديات التي يمر بها الوطن". ورغم أنه من الطبيعي أن يتميز مثل هذا العمل بالجدية ولا يحتاج الي تنويه،ولكن العبارة اراحتني كثيرا وشجعتني للمطالبة بمزيد من الجدية والاصرار علي انجاح هذا العمل.
أظن قبل أي خطوة عملية أو لجنة،كان من المفروض عقد ورشة عمل تخرج بورقة عمل تجيب عن السؤال الجوهري – القضية وهو:- لماذا فشلت كل الجهود السابقة في خلق جبهة معارضة جامعة وفعالة ومستدامة؟فنحن الآن نجرب المجرب ومن جرب المجرب يعيد صناعة العجلة.لابد للحركة السياسية المعارضة ان تخلق لنفسها ذاكرة وتاريخ لكي تتعلم وتتقدم.فهي تحمل كثيرا من الاسفار ولكنها تبدأ من بداية البداية مع أنه من المفروض ان تبدأ مما انتهي اليه العمل السابق.هل تم تقييم تجربة التجمع الوطني الديمقراطي والذي اضاع من الناس اجمل سنوات عمرهم؟هل تم تقييم تجربة تجمع احزاب جوبا ولم يمض عليها غير ثمانية شهور؟لقد تعود قادتنا واحزابنا السياسية القفز علي المراحل والدخول في مرحلة جديدة دون الالتفاف الي الماضي ةاستخراج العبر والدروس منه.لذلك،فهم يحرثون في البحر ودورون في دائرتهم المفرغة.واصبح العمل السياسي مجرد تبرئة ذمة واداء واجب يخلو من الصدق والاقتناع ووضوح الاهداف.ولم يعد"ضيق الوقت وعظم التحديات" –كما قال البيان – يسمحان بالعبث والغفلة.
يظل أي نظام انقلابي أو شمولي مهجوسا وقلقا لانعدام شرعيته، مهما طال عمره ومهما هندس وزور من انتخابات ودساتير وعلاقات خارجية..وغالبا ما يجد مثل هذا النظام راحة فيما يسمي"شرعية الانجاز" أي يقوم بتحقيق تنمية ورفع مستوي المعيشة بحيث ينجح في صرف نظر الجماهير عن المطالبة بالمشاركة والديمقراطية.وهذا ما لم ينجح فيه  النظام الحالي ولكنه استمر في السلطة.ويعود هذا الي ما يسمي:- شرعية غياب البديل. فقد عجزت المعارضة عن تقديم نفسها كبديل للنظام يقنع الجماهير بالوقوف ضده واسقاطه. فقد ظل سؤال رجل الشارع العادي يمثل تقييما حصيفا للمعارضة: لو ديل راحو نجيب منو؟ ويعدد رموز المعارضة التي يعرفها بسخرية وعدم احترام.فالمعارضة لم تجدد نفسها رغم أنها شاخت عمريا وابداعيا،ولهذا  تكرر اخطاءها وتعودت عليها ولم تعد تعتبرها اخطاء بل اصبحت جزءا من تاريخنا أو"عاداتنا وتقاليدنا" السياسية.من البدهي القول أن السياسة من أكثر المجالات الاجتماعية حاجة الي الخيال والابتكار لأنها ميدان الممكنات والاحتمالات.ولكن مع الشيخوخة خمد خيال القيادات السياسية وقنعت بتكرار نفسه:"والجن التعرفه خير من الجن الذي لا تعرفه".وبالتأكيد سيكرر المؤتمر الشامل نفسه لغياب التاريخ والخيال معا.
تتجنب القوى السياسية التاريخ لأنه يقود بالتأكيد الي النقد والنقد الذاتي، وهذا ما تخافه كالموت وترفضه: أن تعترف باخطائها أو أن يذكرها الآخر باخطائها فهو حاقد وموتور اذا تجرأ وانتقد. وفي هذه الحالة لا تختلف القوى التقليدية عن القوى الحديثة،فهما سودانيان في النهاية.بمعني الجساسية للنقد لأنه ينقص القيمة والرجولة.فالنميمة لا بأس بها ولكن لا للنقد.فنحن في حاجة ماسة الآن لتقييم كل تجاربنا في العمل المعارض.ولابد من المحاسبة والمواجهة واقتسام تحمل المسؤوليات والشجاعة في الاعتراف بالأخطاء والخطايا.ولا ننسي أن بعض الحركات المعارضة ازهقت ارواح شابة واخري حولت مقاتليها الي متسولين حين طالبوا بتعويضات يستحقونها.ورغم كل هذا لم تتعرض لتجربتها في العمل  المعرض المسلح،بالنقد والتقويم.منتهي الهروب من المسؤولية والتهرب من الحقيقة.
من أكبر تناقضات القوى الداعية للوحدة والعمل الجبهوي،أنها راغبة في الاتحاد مع الآخر –الخارجي، وترفض توحيد نفسها!فمعظم هذه الاحزاب هي في الواقع اجنحة احزاب مهما كان حجمها أو سميت نفسها نفسها "الاصل" أو العرق –بكسر العين والراء.فالمسألة نسبية،لأن المنشق له ايضا سهم في الحزب بأنه تنظيم بشري وليس مكون جيني تميز به البعض من الطبيعة.فهذه الاحزاب الداعية انقسمت وتشرذمت دون أن تقنعنا بأي اختلافات ايديولوجية أو فكرية أو حتي تنظيمية تبرر الخروج أو الفصل أو الطرد.في الديقراطية الحقيقية تظل الخلافات والاختلافات في شكل تيارات أو أجنحة داخلية ويكون الانقسام آخر العلاج وهو نادر الحدوث.وذلك لسبب بسيط لأن للحزب ايديولوجيته وبرنامجه والعلاقات موضوعية وليست ذاتية ومزاجية.ولكن طال التشرذم مجالات كثيرة في الحياة العامة السودانية وكاد أن يتحول الي صفة من طبيعة الانسان السوداني.فلك أن تتصور ايها القاريء الكريم،أن الانقسام لم يعد حصرا علي الاحزاب بل كل الاتحادات والمنظمات المختلفة منقسمة ومقسمة.وهي في الأصل اتحادات لمبدعين مثل اتحاد التشكيليين السودانيين واتحاد الكتاب السودانيين واتحاد الدراميين أو المسرحيين.والسبب هو تسييس الابداع ويغيب الابداع ليفسح المجال لاناس هم انصاف مبدعين وانصاف سياسيين في هذه الاتحادات. وكثيرا ما استغربت واعتبر السودان هو بلد التشرذم الاصيل وعليك أن تتصور بلدا ينقسم فيه انصار السنة وفرقة عقد الجلاد! هل يمكن أن يختلف أناس حول السنة النبوية أو حول الطرب والبهجة غير في السودان؟واظن أن بداية الاصلاح يجب أن تكون من الاحزاب أولا،لأنها تسعي الي السلطة وادارة شؤون العباد والبلاد ولابد أن تقدم نموذج الوحدة والقومية.وهذا يعني غلبة سلوك التسامح وقبول الآخر واحترام الاختلاف.كونوا اولا انتم أنفسكم احزابا شاملة ثم أدعوا بعد ذلك للمؤتمر الشامل.توحدوا وتناقشوا داخليا وابحثوا عن المشترك والقومي،وحددوا الاولويات جيدا:اعادة بناء الوطن.وهذا لن يحدث بلا احزاب قوية وحديثة فعلا.
هناك ظاهرة حزبية مرتبطة بما سبق،هي الاحزاب الميكروسكوبية أي التي لا تري بالعين المجردة.وقد كان يطلق عليها المرحوم عمرنورالدائم صفة بلدية:احزاب الفكة!وهي ظاهرة تبدو ديمقراطية في شكلها أي حق كل جماعة أو اشخاص في تكوين حزب.ولكن هذه القاعدة تطبق في البلدان ذات الطبقة الوسطى الواسعة والعددية الكبيرة للمثقفين،وتبلور طبقات اجتماعية تحتاج لمن يمثلها،يضاف الي ذلك"سوق" واسع للافكار الجديدة والمتنوعة.في السودان،فئة المثقفين ومع كثير من التجاوزات في اطلاق التسمية، محدودة جدا .وذلك بفضل نظام التعليم المهتم بالكم،وبؤس الحركة الفكرية وهزال التنمية الثقافية.فالسؤال هو:هل كانت هناك حاجة مجتمعيةحقيقية لهذا العدد من الاحزاب؟هل يعبر الحزب المعين عن مطالب طبقة أو فئة اجتماعية مؤثرة في المجتمع السوداني؟يمكن القول بأننا في حاجة الي دراسة جدوى سياسية،مثل الجدوى الاقتصادية في الاعمال التجارية والاستثمارية.فمن الواجب حين يتأسس حزب منذ الستينيات وتمر عليه ثورة اكتوبر وانتفاضة ابريل وانقلاب الجبهة الاسلامية،ثم تظل عضويته تتناقص أن بسأل عن جدوي وجوده.هناك احزاب عدد لجنتها المركزية أو مكتبها السياسي هو نفس عدد عضوية الحزب أو جمعيتها العمومية بلغة الجمعيات.مثل هذه الاحزاب تلبي رغبات ذاتية بحتة لدي مؤسسيها وقياداتها ولا تسهم في التطور السياسي للوطن.واذكر محاولة قبل سنوات لتوحيد القوى التقدمية واليسارية،وطلب من هذه الاحزاب حل نفسها والدخول فرادي في التنظيم الجديد.ولكن نسفت الفكرة كلها بسبب صعوبة تنفيذ هذة التضحية الواجبة.ومن الاكيد أن تكون كثرة هذه الاحزاب الصغيرة عقبة في شمولية أي مؤتمر بسبب خلافات تقسيم الانصبة والمواقع.وكل ذلك مجرد تمثيل بالمعني الدرامي وليس بالمعني الديمقراطي والسياسي،لكي نعلن أن المؤتمر أو التجمع يضم كذا وعشرين حزبا.
اؤيد قيام المؤتمر الشامل ووحدة المعارضة،ولكن بغير الطريقة القديمة التي ما قتلت ذبابة.لابد من تقييم وتقويم التجارب الماضية وممارسة النقد والنقد الذاتي.ثم اصدار وثيقتين،واحدة بعنوان :لماذا فشلنا؟والثانية بعنوان: ما العمل؟ وتحتوي علي خطوات عملية لكيفية الارتباط بالشارع واستنهاض الشارع.وتضع خطة لتغيير ميزان القوى لصالح المعارضة،وهذا يعني تغيير شرعية غياب البديل.وهذه بداية ميلاد البديل المقنع والمقبول والمستقبلي.

Hayder Ibrahim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]