عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

توقفت الحلقة السابقة عند تركيز الامنوقراطية علي استمالة الاعلاميين والصحافيين علي وجه الخصوص. ويتأتى علي هذه الاهتمام من محاولة النظم الشمولية السيطرة علي عقول ووعي المواطنين، وهنا يجب الامساك بأهم مؤسستين لهما فعالية وتأثير قويين: التعليم والاعلام. اما التعليم فقد ظل الاسلامويون منذ الاستقلال يعملون علي تجنيد وتوظيف معلمي العربي والدين بحكم تخصصهم، ولاحقا اهتموا بمعهد المعلمين العالي كمصدر لمعلميّ الثانويات.وعندما وصلوا الي السلطة اكملوا مخططهم في احتكار التعليم الحكومي والخاص.وتسرب الي التعليم بطريقة غير مباشرة أمنيون، بحكم وضعيتهم في التنظيم السياسي وليس مهنيا.أما المؤسسة الاعلامية،فعلينا الا ننسي أن الاسلامويين،قد ابتعثوا اعداد كبيرة لدراسة الاعلام في الولايات المتحدة الامريكية والغرب،وليس لدراسة العلوم السياسية والاقتصاد مثلا.وقد تداعوا مباشرة بعد الانقلاب من كل انحاء العالم،وحلوا محل الاعلاميين الذي تم فصلهم للصالح العام.ثم اتجهت الانقاذ الي عالم الصحافة،وهذه غابة بشرية حقيقة،تحتاج الي قدر كبير من الخبث والدهاء لاختراقها ،ولكنها ليست جيدة التحصين.وهذه الفئة تتميز حياة العاملين فيها بعدم الاستقرار المادي،فالمرتبات ضعيفة ومع ذلك غير منتظمة.وكثير من اصحاب الصحف وروؤساء التحرير يتعاملون مع هذه الفئة بطريقة اقرب الي خدم المنازل –رغم أنها نفسا واجبة الاحترام-ولكن قوانين حمايتها ضعيفة.وبسبب هذه الوضعية الهشة، يصبح كثير من الصحفيين فريسة سهلة الوقوع في الاحضان الدافئة.ويمكن بقليل من الجهد وحسن الملاحظة تقدير حجم اختراق الامنوقراطية للصحف والصحفيين.

كانت مناقشات قانون الامن الوطني الجديد في المجلس الوطني خلال الفترة الاخيرة ،مناسبة لاختبار المواقف من الديمقراطية وحقوق الانسان.وهنا ظهر مدي الاختراق،اذ لم يحظ هذا الموضوع المصيري علي المتابعة المتوقعة من عرض ونقد وحوار علي صفحات الصحف السيارة ما عدا قلة تحسب علي اصابع اليد الواحدة.لذلك لازم الأمر كثير من الغموض والتشويش علي المستوي الشعبي.فمن البدهي ،أنه لا يوجد سوداني عاقل يمكن أن يقول بالغاء جهاز الامن الوطني،كما روج لذلك عمدا.فقد كان الجدل حول:كيف يحمي الجهاز أمن الوطن حسب تسميته،وليس أمن النظام القائم؟,كيف يكزن جهازا حرفيا ومحايدا يخدم تطور الديمقراطية ولا ينتهك حقوق الانسان؟هذا هو جوهر الخلاف،لذلك تركز النقاش حول حق الاعتقال ومدته ثم جمع المعلومات وتحليلها. ولكن أجهزة الاعلام عرضت الأمر بالتخويف بوجود "عملاء وخونة" يريدون كشف ظهر الوطن امام الامبريالية والصهاينة.

بالتأكيد سوف يواجه السودان مخاطر وتحديات هائلة خلال الفترة القادمة،

وسيكون في حاجة ملحة الي جهاز أمن قوي،ولكن يعمل ضمن شروط ديمقراطية.وهنا الفرق بين الامنوقراطية التي تخدم وتهيمن وبين جهاز فني متخصص في مستوي الادارات والاجهزة التنفيذية الاخري.وهنا المعضلة،فالجهاز الحالي تشكل مع الانقاذ وهي التي قامت بتطويره واعطائه مكانته الحالية ،وجندت ودربت عناصره وبالتأكيد كسبت ولاءه.وهذا الموقف الخير مع نهاية الفترة الانتقالية والتمسك به وبكل قوانينه وصلاحياته،قد يوحي بأن المؤتمر الوطني يريد ترحيل جهاز الامن معه الي المرحلة القادمة أي بعد الانتخابات.وهذا مؤشر شديد الخطورة،فالمؤتمر الوطني يتعامل وكأنه ضمن فوزه في انتخابات ابريل القادم.وهو قد حضّر مقدما الجهاز الذي سيعمل معه.ولكن كيف يكون الوضع في حالة خسارة المؤتمر الوطني للانتخابات القادمة وكيف سوف يتعامل الجهاز الحالي مع القوي السياسية التي عارضت بشدة تمرير قانون الامن الوطني واعتبرته العائق الرئيس لقيام انتخابات حرة؟ هل سوف تشهد البلاد معركة بين نظام منتخب لا يعترف بالجهاز الامني الموجود،وعلي الأقل حسب الصلاحيات الممنوحة من نظام سابق كان يتوقع الاستفادة منه؟أم هل يصبح جهاز الأمن قوة معطّلة لعمل الحكومة المنتخبة؟ وهل تقوم الحكومة المنتخبة بعملية تطهير وتغيير داخل الجهاز سوف تسبب قدرا كبيرا من التنازع وعدم الاستقرار؟                               

ويبدو أن جهاز الأمن الوطني الحالي قد استشعر ظروف المرحلة القادمة، لذلك نشر اعلانات في الصحف عن وظائف للجهاز.وهذه من الحالات النتدرة ان لم تكن الوحيدة.هذا وتتطلب عملية الاختيار للوظائف قدرا عاليا من التجرد والموضوعية.وهذه عملية شديدة الصعوبة ان لم تكن مستحيلة.لأن نفس الحرس القديم أوالكوادر العليا النافذة الآن هي التي ستقوم بالمعاينات والمقابلات والاختيار.كذلك سوف تسبق المتقدمين ملفات رصدت كل صغيرة وكبيرة عن حياتهم ونشاطاتهم.ورغم النوايا الطيبة التي يبثها مثل هذا الاعلان،ولكن الواقع له كلمة مختلفة.ومن المتوقع أن تقوم الاحزاب المعارضة في حالة وصولها الي السلطة، بالقيام بنفس ما قامت به الانقاذ من تدخل مباشر في عمل الجهاز.لذلك،مثل هذه الخطوة الاستباقية أو التحول التدريجي في الاختيار والتعيين لا تجدي شيئا.

يجب علينا أن نناقش موضوع الامنوقراطية، بنفس الطريقة التي نناقش بها ترتيبات الاوضاع في حالة انفصال الجنوب.أرجع علماء السياسة والمحللون،اسباب استيلاء الجيوش علي السلطة في كثير من البلدان العربية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الي القدرات المتفوقة التي يمتلكها الجيش مقارنة بالقوي السياسية والاحزاب.فالجيوش كانت حديثة ومنظمة ومتعلمة وشابة ،بينما شاخت القوي السياسية وصارت محافظة وتقليدية.لذلك،كانت الجيوش كقوي حديثة قادرة علي المبادرة عن طريق الانقلابات علي الاستيلاء علي السلطة بدون مقاومة.ويمكن القول بأن هذه النظرية قد تنسحب علي دور جهاز الأمن –في شكل الامنوقراطية أي في نفوذه وتمدده-باعتباره الفئة الاكثر حداثة وتنظيما وترابطا وثراءا وامكانيات وعلاقات.ومن المستبعد أن تتخلي الامنوقراطية عن دورها في مرحلة ما بعد ابريل ومجيء حكومة منتخبة.وقد يكون أقرب الي دور الجيش في التجربة التركية.فالجيش حارس الدستور في تركيا،فهل يستطيع الأمن أن يغير حارس ويصبح الحارس للديمقراطية،والحامي للوطن ضد الاخطار الخارجية الحقيقية وليست المتوهمة؟بالاضافة الي تحقيق الامن الاقثصادي أي محاربة الفساد والتهريب والغش. وكل المؤشرات تقول بأن الاحزاب المنقسمة والفقيرة لن تستطع الفوز بأغلبية مطلقة،وسوف تلجأ الي الائتلافات والترضيات المؤقتة.وفي المقابل الامنوقراطية في تمامها وكمالها،ولم تنقص قوتها ان لم تزد.وفي الفترة الاخيرة،راهن البعض علي ابعاد صلاح قوش الي مستشارية رئيس الجمهورية.ورأي المحللون المستجلون،في تلك الخطوة ابعادا له واضعافا لدور الامنوقراطية.ولكن(قوش)في اسابيع قليلة،كوّن هيكلة للمستشارية وجعلها اكثر من الوزارة وحشد له كوادر كفؤة.هذا وقد جمعت مستشارية الامن بين السياسة والامن بمنتهي الاقتدار والرشاقة أي بلا ازعاج واثارة للحزاب النائمة.وخلال الشهرين الماضية-خاصة بعد المسيرتين السلميتين-أدلي بآراء سياسية مباشرة،مثل استحالة اندلاع الانتفاضة الشعبية.وفي 20/1/2010 طرح  (قوش) اثنتي عشر قضية علي القوي السياسية لتجنب أي صراعات يحتمل بروزها اثناء العملية الانتخابية،الي جانب العمل علي اعداد الخيارات الافضل لمجابهة النتائج السلبية المحتملة اثناء الانتخابات.بالاضافة الي ذلك،الي تشكيل آلية مشتركةبين المستشارية ومجلس الوزراء لدراسة حيار دولتين متجاورتين في حالة حدوث الانفصالزويعلق احد الصحفيين وهو علي حق تماما:-"...تمثل التصريحات ونوايا الاستشارية الامنية استباق الومن وتصويب النظرللمستقبل بواقعية استشعرها الفريق صلاح قوش الذي تجاوز محطة الاعفاء من موقعه كمدير لجهاز الامن وتمدد عطاؤه السياسي داخل حزب المؤتمر الوطني كقيادي ورجل دولة مسؤول تكبر المؤسسات في وجوده ولا يكبر حجمه ووزنه بالكرسي الذي يجلس عليه".(يوسف عبدالمنان، صحيفة آخر لحظة23/1/2010).