عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

-1-


فنان معروف وشهير، هاتفني أمس، في موضوع يقع في المنطقة الوسطى، بين العام والخاص.

القصة لا تخلو من إثارة.
قال إنه لم يكن صادقاً، عندما أجاب بالنفي، على سؤال مباغت، جاءه في حوار صحفي، عن امتلاكه منزلاً بأحد الأحياء الراقية بالعاصمة الخرطوم.
قال: لا يعرف السبب الذي جعله ينفي عن نفسه امتلاك منزل من حر ماله عبر تمويل مصرفي.
كان ذلك السؤال يؤرقه كثيراً:
لماذا اضطررت للكذب؟!
ليس في الأمر ما يسيء. هناك من دخلهم أقل من دخله، ويمتلكون منازل في أحياء أكثر رقياً من مكان منزله.

الرجل لا يعرف طريقة مثلى لتصحيح ما قال، دون أن يحسب عليه الاعتراف، ويتخذ كقرينة اشتباه تستغل إعلامياً لتصفيته معنوياً.
أصدقكم القول، لم أجد مقترحاً أو نصيحةً مثلى أقدمها إليه، تحقق غرض التصحيح والاعتذار، مع تأمينه من سهام السخرية والاغتيال.
-2-
الفكرة التي خرجت بها من هذا الموقف، هي وجود حالة اشتباه مالي، تسود المجتمع بصورة هوسية، أطلق عليها البعض اسم ظاهرة التفسيد.
قد تكون الصحافة أسهمت بعض الشيء في ذلك، ولكن من المؤكد أن وسائط التواصل الاجتماعي، وما يأتي فيها من أخبار وشائعات، عززت من انتشار اتهامات الفساد بصورة عشوائية، تصيب شظاياها الفاسد والنزيه.
الحقيقة أن ما يحدث هو رد فعل لشعور عام، بوجود متجاوزين وفاسدين، لا يجدون العقاب والردع عبر القنوات الرسمية، بالتجاهل وعدم الجدية أو الحماية تحت غطاء فقه السترة.
ما ترتب على هذا الإحساس وتلك القناعات، نشاط اجتماعي محموم، أفرز ثقافة الاشتباه في كل شيء وتصديق كل ما يقال.
في هذا المناخ الاشتباهي، تنتشر الشائعات، وتكثر الاتهامات، وتصدق المعلومات، مهما كان خطلها وسذاجتها.
ويصعب التفريق بين من حاز على وضع اقتصادي مميز، بكسبه الحلال وجهده الخالص، ومن نال ذلك عبر منافذ التجاوزات وبواطن الحرام.
-3-
هذا أفضل وضع للفاسدين والمفسدين، حيث يسهل اختباؤهم في الزحام، حين تضيع ملامحهم وتفاصيل جرائمهم في القوائم المطولة للمشتبه بهم.

لا يوجد عذر لتباطؤ الجهات المختصة، في تفعيل القوانين وتكوين المؤسسات المعنية بإجراء حالة الفرز بين الناجحين والفاسدين.
-4-

محاولة الحكومة لمنع تناول قضايا الفساد في الصحف، واستخدام النيابات المكثف لقرارات منع النشر؛ كل ذلك يضع الحكومة وأجهزتها داخل دائرة الاشتباه العام.
إذا لم تقم الحكومة بدورها كاملاً، في القيام بمهمة التمييز بين الخبيث والطيب، والصالح والطالح، والنزيه والفاسد؛ ستقوم بهذه المهمة جهات أخرى، ستفعل ذلك دون ضوابط ولا أخلاقيات.

قانون الثراء الحرام من القوانين التي بإمكانها أن تعدل وتفعل، لتأدية مهمة مكافحة الفساد بصورة مهنية خالية من الأغراض والشوائب واتهامات الزور.
-5-

إلى هذه اللحظة، لا يطمئن أغلب الناس لسلامة إقرارات الذمة، وجدواها في مكافحة الفساد.
يجلس المسؤول أو الموظف على مقعده لسنوات، ويغادر دون فحص إقرار ذمته!.
منذ صدور قانون الثراء الحرام، في العام 1990، كانت أغلب إقرارات الذمة تحفظ، ولا تفحص عبر الوسائل الاحترافية المعروفة.


لإعطاء مصداقية لإقرارات الذمة، لا بد أن تكون الإقرارات غير سرية، يمكن الطعن في صحتها من قِبَل الجمهور.
-6-

في الولايات المتحدة الأمريكية، يتم عرض إقرارات الذمة لكبار المسؤولين على لجنة مختصة، ثم توضع إقرارات الإفصاح المالي على موقع في الشبكة العنكبوتية ليطلع عليها من يريد.
التجربة الماليزية هي الأفضل في العالم الثالث. 3 آلاف موظف في لجان محافكة الفساد.
لجنة إقرارات الذمة بماليزيا، عبر استماراتها المُحكمة وتحقيقاتها القاسية، لم يجد أحد كبار الوزراء سبيلاً للهروب من ملاحقتها، سوى عبر الانتحار والسقوط رأسياً من إحدى بناياته الشاهقة.
في أندونسيا وضعت خطة برامجية، للوصول بمعدلات الفساد إلى نقطة الصفر في العام 2013.
-7-
قيام الدولة بواجبها عبر البرامج والخطط والمؤسسات الفاعلة في كشف الفساد والعقاب عليه، هذا ما ينهي تلك الحالة، التي تجعل أفراد المجتمع يتحرجون من نجاحهم وتميزهم، ويرون بغير وعي أن ذلك عيب يجب حمايته من أعين الناس، كما فعل الفنان المشهور.