عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
لبيت قبل ثلاثة أيام دعوة كريمة من الدكتورة الفاضلة/ هند مأمون بحيري، لحضور ندوة عن التضخم يقدمها دكتور صابر محمد حسن.
الندوة نظمتها  مؤسسة الحكمة للدراسات بالتعاون مع مؤسسة أروقة بدار اتحاد المصارف.
أكثر ما لفت نظري عنوان الندوة  حيث جاء على غير العادة والمألوف من كلمة واحدة دون ملحقات توضيحية أو إضافات تفسيرية.
"التضخم"، هكذا.
صابر تحدث في الندوة بطلاقة وصراحة-عرف بها- وضع المشكلة بوضوح وحدد أسبابها بالتفصيل ولكنه طرح  حلولاً عامة يغلب عليها التسكين أكثر من العلاج والإرشاد أكثر من المقترحات.
أصبت بالرعب لحظة استمعت لدكتور صابر وهو يشبه التضخم الذي يصيب اقتصادنا الوطني بالسرطان.
أعرف هذا المرض جيداً بحكم قربي من عدد من الأهل والأصدقاء أصابهم الله بذلك الابتلاء الجلل، منهم والدي عليه الرحمة، لذا كان بإمكاني المقاربة بين المشبه والمشبه به، التضخم والسرطان.
والدي كان يصف السرطان بالحيوان المفترس، أحد أصدقائي كان يختصره في كلمتين، مرض (مهين ومذل)!
السرطان هو تمرد الخلايا على سلطة الجسد، وتحولها لقوات معادية تغزو وتدمر الأنسجة والخلايا السليمة القريبة منها والبعيدة.

مثل ما تحدث أحدهم في الندوة، أول ما تبادر لي وأنا أستمع لدكتور صابر، سؤال عفوي وبسيط، إذا كان الرجل على علم بالعلل والأسباب والمعالجات، لماذا لم يعين على تطبيق ذلك في الواقع، حينما كان بيده القلم والاستيكة؟!
دكتور صابر الآن ليس بعيداً عن ديسك اتخاذ القرار الاقتصادي وهو أطول محافظي بنك السودان عمراً في المنصب و ظل لسنوات طوال رئيس الدائرة الاقتصادية بالحزب الحاكم.
لاحظت في الفترة الأخيرة بعض قيادات المؤتمر الوطني النافذة في السياسة والاقتصاد يميلون لي ترك مساحة فاصلة بينهم  وما تفعل وتقرر الحكومة!
أصاب الأستاذ المخضرم بدر الدين سليمان الهدف، حينما قال إن معالجة التشوهات الهيكلية في الاقتصاد من الاستحالة إيجاد معالجات جذرية لها دون إجراء إصلاحات سياسية عميقة وانفتاح إيجابي واسع على الخارج.
بدر الدين يرى من الممكن الحصول على حلول مؤقتة وأقراص مسكنة محدودة المفعول وقصيرة الأجل ولكن الوصول إلى حلول نهائية تقود للاستقرار، لن تتم إلا عبر السياسة الراشدة والدبلوماسية الناضجة.

أحد المتحدثين في الندوة أثار نقطة لا تخلو من الطرافة ،حيث قال إن الاقتصاد السوداني وصل إلى حد من التعقيد والتشابك بحيث يصعب التفريق بين العلل والأسباب والنتائج.
لم يكن دكتور صابر موفقاً حينما قال إن الاستقرار في الجنوب أهم بالنسبة لنا من الجنوبيين.
ليس من العدل الإنساني تغليب المصلحة الاقتصادية لمجموعة بشرية على حاجة آخرين للأمن والسلم وحقن الدماء!
-2-
أجمع أغلب المتحدثين في الندوة على أن الدكتور/ عبد الوهاب عثمان وزير المالية الأسبق هو الوزيرالوحيد الذي استطاع في ظروف معقدة وإمكانات شحيحة، أن يلجم شبح التضخم ويضع الدولار تحت السيطرة ورهن الاحتجاز!
رحل بادي أبوشلوخ، الرجل ذو الجلباب الأبيض النظيف، دخل الوزارة وخرج منها ولم تعلق به الشوائب ولم تلاحقه الاشتباهات والظنون.
كان قوياً كما ينبغي أن تكون القوة في العمل العام وأميناً على حقوق الفقراء والمساكين.
الجموع الكبيرة التي شيعت الرجل إلى مقابر شمبات شهدت له بنصاعة السيرة ونزاهة المسيرة.
ألا رحم الله عبد الوهاب عثمان وأكرمه في أعالي الجنان مع الصديقين الأخيار، وشفى اقتصادنا من سرطان التضخم.