عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
عادته في حسن اختيار مواضيع حواراته من حيث القضية والشخص والتوقيت، أفلح الصديق / الطاهر حسن التوم في إقناع الأستاذ/سيد الخطيب بالجلوس للدفاع عن  الخطاب  الأخير للسيد رئيس الجمهورية المشير عمر البشير، باعتبار ما شاع على نطاق واسع بأن الخطيب هو الذي صاغ الخطاب.

والخطيب بشجاعة وجرأة (أولاد مدني) رضي بمواجهة كل ما يثار من انتقادات وملاحظات على لغة وصياغة الخطاب، واستبسل الرجل في البرنامج بالذود عن الخطاب من حيث اللغة والمضمون.

ما كان يحتاج لاعتراف نبيل من قبل سيد الخطيب ، أن الحديث عن اللغة والصياغة صرف الرأي العام عن أهمية مضمون الخطاب، لذا انصرف الكثيرون عن البحث والنظر في المحتوى والمضمون لمطاردة الشخص الذي صاغ الخطاب بتلك الطريقة الغرائبية واختبأ بين السطور.

طوال وجود الرئيس البشير في السلطة لمدة تقارب الربع قرن وفي كل خطاباته المكتوبة لم يسأل أحد عن الشخص الذي قام بصياغة أي من خطابات الرئيس، لذا بروز هذا السؤال بشكل كثيف ومن جهات متعددة يصعب تواطؤها على موقف مشترك يدل على وجود إشكال عميق في لغة وصياغة الخطاب.
كان على الأستاذ المحترم سيد الخطيب أن يجيب بوضوح حينما وجه إليه الطاهر سؤالاً مباشراً:

أشار البعض إليك باعتبارك من صاغ خطاب الرئيس الأخير؟ كانت إجابة الخطيب: لم توكل إليَّ صياغة الخطاب (....)هناك عمل ضخم وراء الخطاب من شارك في إعداد الجوهر عدد كبير وأنا أحدهم ومن طبيعي أي رئيس هناك من يصوغ له الخطاب و ليس هناك أهمية في شخص من صاغ الخطاب.

صحيح ما ذهب إليه الخطيب بأن كل رؤساء العالم هناك من يصيغ لهم خطاباتهم، ولكن عادة ما تتم مثل هذه الصياغات باحترافية عالية تفحص كل كلمة من كل جهات معانيها.
ولا تنتهي المهمة باختيار الكلمات بل تمضي إلى فحص ظلال المعاني وغسل ما علق بالكلمات  من آثار سالبة في استخدامات سابقة أوصياغات مغايرة.
والأمر لا يقتصر على ذلك بل يذهب إلى تحديد طريقة نطق الكلمات لتعطي الدلالة المطلوبة وما يصحبها من تعابير حركية أو إشارات بصرية رامزة تعمق المعنى وتحقق الغرض.

كان على الأستاذ/سيد الخطيب أن يتحلى بشجاعة أكبر في تحديد من صاغ الخطاب، هو أوغيره؟.. وألا يحيل السؤال المباشر إلى غموض معمم.
السؤال لم يكن عن من أعد الأفكار التي جاءت في الخطاب ولكن عن من صاغ الخطاب في شكله النهائي؟!
وإذا لم يكن الخطيب يستشعر حرجاً ما، في نسبة الصياغة إليه أو إلى غيره، لما امتنع عن ذكر الاسم!

سيد الخطيب شاعر وصحفي ومثقف، مستنير لا تغيب عنه القواعد الأولية في علم الاتصال الجماهيري، التي تقوم في الأساس على تحديد نوع الجمهور، ومن ثم يتم اختيار اللغة والأسلوب المناسبيْن، ولمخائيل نعيمة مقولة شهيرة: (لكل آذان كلمة...).
حديث الخطيب في المقابلة التلفزيونية، بأن لغة الخطاب كانت عادية وغير معقدة، يوضح طبيعة الخلل في التصور الذي أنتج الخطاب.

التصور بأن الناس وكل الناس يفهمون ما جاء في الخطاب، تصور يعبر عن حالة عزلة غير مجيدة عن روح ونفس القاموس التعبيري للجماهير على جميع مستوياتهم.

هي عزلة أقرب لعزلة  السيدة ماري انطوانيت، ملكة فرنسا وزوجة الملك لويس السادس عشر، التي تُنسب لها المقولة المشهورة: "إذا لم يكن هناك خبزٌ للفقراء.. دعهم يأكلون كعكاً"!
لا فرق بين عدم معرفة ما يأكل الناس، وعدم معرفة اللغة التي يفهمونها.
اللغة كائن حي يحمل الجينات الثقافية للمتحدثين، كائن يتجدد ويتغير مع الأيام والتاريخ، تتساقط كلمات وتصعد أخريات.
لا يمكن أن يكون أمراً طبيعياً وعادياً، استدعاء كلمات من أرشيف التاريخ السياسي، واستلاف كلمات من إنتاج تجارب مغايرة لمخاطبة قضايا راهنة  في نطاق محلي متحرك.
رغم كل الملاحظات التي جاءت في نقد لغة وصياغة الخطاب؛ لم ينكر أحد أن الحكومة عازمة على إحداث متغيرات جديدة في الساحة السياسية.
التغيرات التي حدثت في تشكيلة الطاقم القيادي، كانت البداية ولم تكن النهاية، وفتح ملفات أغلقت من قبل مثل ملف الهوية، أمر جديد.
استعداد المؤتمر الوطني للحوار مع كل القوى على كل القضايا  دون ذكر ثوابت اشتراطية، أمر جديد.
صحيح أن لغة الخطاب أضرت بالمضمون، ولكن ما هو أكثر ضرراً بالمشروع؛ التأخير في الإعلان عن تفاصيل برنامج الإصلاح، وتحديد آليات التنفيذ وأدواته.

فارق التوقيت بين التمهيد والإعلان، سيخفض الحماسة الجماهيرية لأي قرارات أو خطوات ستتخذ، مهما كانت أهميتها.
وذات الفارق الزمني، قد يتيح للجهات التي ترى في التغيير والإصلاح ما يتعارض مع مصالحها أو ما يثير مخاوفها، أن تسعى لقطع الطريق عبر سيناريوهات عدة، كل واحد منها قادر على الإجهاز على المشروع في طوره الابتدائي.
الفارق الزمني بين إبداء النوايا والشروع في التنفيذ، يتيح مساحة واسعة للمناورات والمساومات، على طريقة الأسواق الشعبية: (قدمنا السبت ومنتظرين الأحد)!.
ليس مهماً فقط أن تطرح الحكومة ما تراه مبرئاً لذمتها السياسية من التاريخ، فلا بد أن تُجهد نفسها لإقناع الآخرين ولو بالحد الأدنى الذي يقضي على جرثومة العنف في السياسة السودانية.
العنف الذي يجعلها تستمر في السلطة بأدوات الأمن، ويجعل معارضيها يسعون لإسقاطها عبر السلاح.
وكما قال أحد الفلاسفة:
(الحق يحتاج رجلين: رجل ينطق به، ورجل يفهمه).
أكرر ما قلته من قبل:

محتوى الخطاب مهم وفيه الكثير مما هو جديد إن لم يرق للوصف بالمفاجأة ،ولكنه صيغ بلغة معقدة ووعرة، جمل طويلة أرهقت الرئيس والسامعين، وكلمات ضلت الطريق إلى معانيها في فضاء النص.
كان من الأفضل أن تقدم الأفكار التي جاءت في الخطاب عبر طريقة الرئيس في استخدام أسلوب السهل الممتنع وهو أسلوب يميز الرئيس عمر البشير عن الكثير من السياسيين ويجيده ببراعة ويجعل ما يقدمه من أفكار وآراء مفهومة للصفوة والعوام دون تعقيد.
عزيزنا الفاضل/سيد الخطيب
معرفتي بك كصحفي وشاعر ومثقف تنفي أن يكون غموض الصياغة مترتب عن عوز تعبيري أوقصور معرفي وترجح أن يكون الغموض تعبيراً عن حالة نفسية متعلقة بغبش الرؤية أو هو غموض دلالي موظف في نص الخطاب لتمرير متغيرات وأفكار جديدة لا تحتمل جهات عديدة خروجها عارية في هذا الوقت!
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.