عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الساعة تقترب من الواحدة صباحاً، الأمطار لم تتوقف منذ الرابعة عصراً، كان عليَّ الوصول إلى منزلي بجنوب الخرطوم من مقر الصحيفة، على طرقات أسفلت ملغمة بالحفر المغطاة بالمياه.
لولا مروءة العربة وانحيازها لظرفي الأسري، لما كان أمامي خيار سوى النوم داخلها إلى خروج الشمس.
على مقربة من منزلي وجدت فاطمة، المرأة الكردفانية الصابرة المثابرة مع ستة أطفال في غياب الزوج - تتنقل براكوبتها من حراسة مبنى جديد لآخر - وجدتها تقف على رؤوس أطفالها تقاوم زحف المياه، وتتحسب لسقوط السقف والأطفال نيام.
وفاطمة امرأة عزيزة النفس مديدة الصبر، لم يذهب الفقر بماء وجهها، ولم ينكسر بريق عينيها أمام سطوة واستبداد الحاجة، تعمل كل شيء حلال يقيها شر السؤال.
كثيرة هي الأسرالتي لا تصل إليها صناديق الزكاة، ولا تمتد إليها يد العون، تجد نفسها هذه الأيام بفعل الأمطار والسيول في مواجهة ظرف إنساني بالغ التعقيد، يجعلها تبكي بلا دموع وتشتكي بلا وجيع، رغم ما تفعله الحكومة، وما تقدمه الجمعيات الطوعية الشبابية، كل هذا لا يغطي 20% من الاحتياجات الضرورية للمتضررين.
الكارثة أكبر مما يقال، لذلك لم تأخذ حيزها الموضوعي في وجدان الرأي العام.
أمس وجهت لنا الدعوة لحضور اجتماع مهم بمجلس الوزراء برئاسة النائب الأول الأستاذ/علي عثمان محمد طه، عن الأوضاع المترتبة على السيول والأمطار والتدابير التي ستتخذ.
فوجئنا بأن الاجتماع مغلق وغير مسموح لنا بالدخول، كل ما في الأمر أن رؤساء التحرير مطلوب منهم نقل ما يتم الإدلاء به بعد الاجتماع!
الحكومة ما تزال تفرض سرية بلهاء على أرقام الضحايا وحجم الخسائر، وتترك الأمر للاجتهادات غير الرسمية، ولشائعات الأسافير وونسات المجالس!
الوضع كان يتطلب تقديم تقرير رسمي يومي عبر وسائط الإعلام يوضح حجم الماسأة، ويحذر بالمعلومات والخرائط من مخاطر متوقعة، مع نشرة جوية على كل رأس الساعة توضح أحوال الطقس!
الحكومة قررت أمس توجيه نداء للمجتمع الدولي، لتلقي الدعم والإسناد، لمواجهة أوضاع قائمة ومخاطر قادمة.
كان بإمكان ذلك أن يحدث، بعد استيفاء كل المجهودات الرسمية والشعبية.
ليس عيباً أن نطلب عون الآخرين، ولكن بعد أن نكون قد استنفدنا كل ما لدينا من طاقة وجهد.
أليس من المخجل أن تكون أول كلية هندسة في السودان، تأسست في جامعة الخرطوم عام 1939م، ومع ذلك نكون في حاجة عام 2013م لبيت خبرة سويدي لتصريف مياه الأمطار، وللتعريف بمجاري السيول؟!
لن يصدقنا العالم، كيف لدولة تشتكي جور السيول وغدر الأمطار، وتننظر خطر الفيضانات، ومع ذلك فضائياتها غارقة في الطرب، ما إن تنتهي ندى القلعة حتى يبدأ جمال فرفور!.
///////////////