عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
حتى وهو يأوي لمثواه الأخير، لم يثر غباراً تتحاشاه جلابيب المشيعين!
ملاحظة عابرة قالها الصديق مجدي عبد العزيز دون أن يلقي لها بالاً، كانت تلخص مسيرة الأستاذ الجليل عبد المجيد عبد الرازق الذي رحل عن دنيانا أمس.
كانت مقابر الصحافة مرتوية بمياه الخريف، والسماء ترسل رحمتها الماطرة دون توقف، كأنها تقدم اعتذاراً هامساً للأرض عن التأخير في الحضور.
ودعاء المشيعين ودموعهم تمازج ماء المطر في العشر الأواخر من رمضان موعد ليلة القدر وميقات العتق من النار.
رحل عبد المجيد عبد الرازق بعد 35 عاماً بيض نظاف في بلاط الصحافة، لم يدنسها ببذئ قول ولا فاحش خصومة!
رحل مجيدو صاحب الحروف الكروية المعقمة من الملوثات، صاحب الوجدان السليم والقلم العفيف.
ملاحظة الصديق مجدي عبدالعزيز مع بساطتها وعفويته تلخص المسيرة الصحفية للراحل عبد المجيد، فهو كاتب مجيد ونزيه غير مثير للغبار والأتربة لا في حياته ولا في مماته ، بالرغم من إنه في ساحة صراع لا تخلو من استخدام الغازات السامة!

كتبتها في مرضه قبل الأخير في هذه المساحة تحت عنوان (عبد المجيد عبد الرازق دعوة للتأمل)، قلت إنني بدأت التعرف على الأستاذ عبد المجيد عبد الرازق عندما رأيته أول مرة في زيارة نادي المريخ العاصمي للمناقل في عام
1986 وقتها كنت تلميذاً بالمرحلة المتوسطة، حينما خرجت المدينة عن بكرة أبيها لاستقبال المريخ بعد فوزه بكأس سيكافا، وكان المريخ في ضيافة صالون الحاج علي عشم الله بحي المزاد، ومنذ ذلك الوقت ظللت أتابع أعمدته الصحفية التي تكتب بذهنية يميزها الاعتدال وعدم التطرف والتزام الموضوعية والنأي عن الابتذال والإسفاف وبروح تمتزج فيها السخرية والفكاهة بالصفاء وطيب السريرة.

من حسن حظي زاملت عبد المجيد في (الرأي العام) لتسع سنوات وثلاث أخريات في (السوداني)، ودون انحياز لسنوات الزمالة والصحبة ظللت أشهد للرجل بأنه شخص استثنائي، يمتلك إرادة فولاذية في مواجهة الصعاب والتحديات، وفي لمهنته ، مخلص لأصدقائه داخل وخارج السودان، لذا ظل موضع احتفائهم وتقديرهم حيث ما حل وأينما ذهب.
في الوقت الذي انفض فيه الجميع عن الفريق القومي ظل عبد المجيد يدافع وينافح عنه في مواجهة الإهمال والتجاهل وقلة الإحسان.
كان عبد المجيد رمانة ميزان الاعتدال والموضوعية في الصحافة الرياضية، هلالابي حينما يكون الهلال ممثلاً للسودان ومريخابياً في كل الأحوال.
وفوق كل ذلك ظل يقف مع الفريق القومي في انكساراته قبل الانتصارات، محب لشداد ويحترم معتصم ولا يجد حرج في انتقاد الاثنين.
كتبتها قبل وفاته بأشهر ولم تجد أذناً صاغية:
(عبد المجيد الذي تم تكريمه عدة مرات من قبل جهات إقليمية ودولية يستحق أن يجد التكريم والاحتفاء والعناية الكاملة من قبل الدولة السودانية، فالرجل ظل لسنوات طوال خارج دائرة الاستقطاب المريخي –الهلالي ولا تجد له توقيعاً على محاضر الشتائم الصحفية، فهو القلم الرياضي الوحيد الذي ظل يعطي كامل ولائه للفرق القومية).
ها قد رحل عبد المجيد دون أن يقال له شكراً جميلاً على كل هذا العطاء النبيل!
///////////